الوحدة مفتاح الحل للأزمة السياسية .. لا يستقيم الظل والعود أعوج

 


 

حامد بشري
24 فبراير, 2022

 

مضي علي السودان قرابة أربعة أشهر بدون مجلس وزراء وجهاز تنفيذي وبرلمان تشريعي أضافة الي وجود مجلس سيادة بدون صلاحيات  . الدولة لازالت محتكرة في يد قائد الأنقلاب عبدالفتاح البرهان وليس القوات المسلحة يساعده في ذلك محمد حمدان دقلو ومليشياته . كما لا زال البحث جارياً عن بديل لرئيس وزراء ومساعدين له ، وفي حالة عدم الحصول علي الشخص المناسب الذي يلبي طموحات اللجنة الأمنية ورئيس البلاد غير الشرعي(البرهان) سيتحول الحكم الي دكتاتورية عسكرية كما تشير كثير من الشواهد علي ذلك . الوضع الكارثي الحالي سيؤدي الي أنهيار الدولة السودانية أذا لم تتدارك كل القوي السياسية الخطورة  وسيكون الجميع شركاء بمستويات مختلفة في هذا الأخفاق رغم التضحيات الجسام التي قدمها شباب وكنداكات ثورة ديسمبر المجيدة . أحزابنا السياسية التي كانت لها الريادة في العمل السياسي المنظم داخل القارة يقع علي عاتقها مسؤولية جمع الصف بحكم تجاربها الثرة في هذا المجال . الأستراتيجية المتبعه للوحدة تتلخص في الأتفاق علي الحد الأدني ووضع الوطن كأولوية فوق المصلحة الحزبية وعدم الأنزلاق الي المعارك الجانبية والتخوين وتحديد الهدف المبتغي . هذا ما يجب الأصطفاف حوله لكل الكيانات التي تنادي بدولة مدنية ديمقراطية وتعمل علي التوافق لتنفيذ برنامجاً للخلاص من هذه الطغمة . شعب السوداني له من التجارب علي المستوي السياسي والشعبي ما يساعده علي عبور هذه الأزمة أذا توفرت بعض الشروط والتي أهمها توافق القوي الحزبية علي برنامج وخطاب واحد لمناهضة قوي أنقلاب 25 أكتوبر . لا زال البعض منا يذكر عندما كانا السيدين علي الميرغني وعبدالرحمن المهدي زعيماء الطائفتين الدينيتين علي طرفي نقيض وقررا تناسي الخلافات والأتفاق سوياً علي محاربة الأستعمار حينها تم تصنيع عطر مخصوص جمع بين صورتيهما وسُمي العطر بأسمهما .

مسؤولية الأحزاب السياسيه الحالية وعدم أتفاقها علي برنامج كحد أدني أنعكس وشمل كيانات خارج المنظومة الحزبية ، كقوي الحرية والتغيير وتجمع المهنيين ولا نستبعد أن تمتد محاولات الجرثومة أفقياً لتشمل حتي لجان المقاومة التي تمثل رأس الرمح في القوي المناهضة للإنقلاب . حصيلة هذه الدربكة وعدم وضوح الخط السياسي وفقدان القيادة التي تري مصلحة الوطن تعلو علي المصلحة الحزبية تمخضت عن وجود ما لا يقل عن ثمانية جيوش بعاصمة البلاد تمارس النهب والقتل والأغتصاب ، أفقدتنا دماءً عزيزة من شابات وشباب الوطن أعدادهم تربو علي 84 شهيداً وعدد المصابين والجرحي اللذين يحتاجون الي مساعدات وعلاج فاق الألفين أضافة الي المعتقلين من الناشطين والناشطات والأطفال اللذين وصل عددهم الي قرابة الأربعة الآف معتقل ( الاحصائيات منقولة من التصريح الصحفي للحزب الشيوعي حول آخر تطورات الموقف في السودان . 22 فبراير 2022)  ولا حديث عن الأزمة الأقتصادية والعلاجية والتعليمية الطاحنة . الصورة تزداد أكثر قتامة وعدد الضحايا يزداد يوماً بعد يومٍ في كل مليونية سلمية تخرج وتنادي برجوع العسكر للثكنات . الآم الوطن ومحنه تتكاثر وتتعقد سبل الحلول بدخول عناصر خارجية أقليمية ودولية بدعاوي حل الأزمات .

الحزب الشيوعي له قدح معلي في ترتيب البيت السوداني وفي الأسهام الأيجابي في حلحلة الاشكاليات التي تواجه الجبهة الداخلية ولا ينكر دوره الأ مكابر. أسهم أسهاماً مقدراً في تكوين جبهة الهيئات التي أطاحت بالدكتاتورية الأولي وأسهم في توحيد النقابات العمالية والمهنية التي أنجزت الأنتفاضة وأخيراً بوضوح الرؤيا ساهم أيجابياً في تكوين النواة الأولي للتجمع الوطني الديمقراطي من داخل سجون كوبر حتي تطور بناء التحالفات التي أدت في النهاية الي زوال حكم الجبهة الأسلامية . العامل الأساسي في هذه الوحدة وضع مصلحة البلاد ووحدتها فوق المصلحة الحزبية والمكاسب الآنية . والي وقت قريب مثل الحزب طهارة ونقاء سياسي ومرجعية في التضحية ونكران الذات جعلت مسلكه أشبه بالاولياء والصالحين في عالم السياسة .

ورد في دورة اللجنة المركزية بتاريخ 10 ديسمبر 2021 وفي النص المنشور علي صحيفة الميدان بعدد الأحد 13 فبراير2022 ما يلي :

" إن حل قضايا السودان الجذري، لايمكن تحقيقه الأ بوحدة وتنظيم القوى الطبقية والفئات والشرائح الأجتماعية المنظمة وغير المنظمة صاحبة المصلحة في التغيير الجذري، التي تحملت قهر نظام الإنقاذ وأعباء صنع الثورة وحمايتها، حول الأهداف الوطنية والديمقراطية، على أن تبقى المبادرة في يد قوى هذا التغيير ."  أضافة الي هذا النص الصريح الذي يؤكد ان حل قضايا السودان لا يمكن تحقيقه الأ بالوحدة ، نشير كذلك الي المقابلة التلفزيونية التي أجرتها قناة (سودانية 24 ) بتاريخ العاشر من الجاري، دائرة الحدث حول مستقبل البلاد السياسي – خيارات المرحلة وكان من ضمن ضيوف الحلقة الأستاذ صالح محمود عضو اللجنة المركزية وعضو المكتب السياسي ومسؤول العلاقات الخارجية بالشيوعي. وفي رده علي السؤال لماذا يتعنت الحزب الشيوعي في الجلوس مع الحرية والتغيير بغرض التنسيق لإسقاط الإنقلاب وما هي الحلول المطروحة من طرفكم لخلق تحالف يقود الي إسقاط الإنقلاب؟ كان الرد نحن لم نتعنت في الجلوس مع القوي السياسية والحزب الشيوعي كان من المساهمين في بناء تحالفات واسعة في تاريخ السودان الحديث . بدأً من التجمع الوطني الديمقراطي ، ساهمنا مع الآخرين في قوي الأجماع وساهمنا مع حلفائنا في خلق قوي الحرية والتغيير. الآن موقف الحزب الشيوعي بسيط جداً ، الحزب الشيوعي يقابل كل القوي السياسية ما عدا المؤتمر الوطني .

حديث الأستاذ صالح محمود يتماشي مع ما ورد في دورة اللجنة المركزية الأ أن حديثه تعوزه التفاصيل التي نحتاج اليها في هذه المرحلة ، الجلوس مع كل القوي السياسية ما عدا المؤتمر الوطني عمل سياسي أيجابي كحد أدني لرؤية العوامل المشتركة الأ أن العمل والمثابرة وقيادة تجميع قوي المعارضة بدون فرض الأراء هو ما يصبو اليه الشارع السياسي . وفي هذا السياق ورد في صحيفة الميدان التي تعبر عن خط الحزب الشيوعي وعلي ما أعتقد في عدد من أعداد ديسمبر 2020 ما يلي :

" لم يكن الدافع الحقيقي لإنتفاضة الجماهير هو إسقاط حكم البشير فقد كان حكمه يتهالك ولم يكن يحتاج لثورة، لكن الجماهير كان لسان حالها يقول أنها ضد البديل المطروح وهو الهبوط الناعم. لذلك كان من الخطأ القبول بدعاة الهبوط الناعم داخل تحالف قام أصلاً ضده ولإسقاطه. تلك كانت بداية الانتكاس والقاعدة التي انطلقت منها الردة. تكتلت داخل ذلك التحالف قوى: الرأسمالية الطفيلية المتخفية (المؤتمر السوداني)، البرجوازية الطائفية (الإتحادي)، شبه الإقطاع الطائفي (الأمة) البرجوازية الصغيرة، (البعث) ثم ذلك الفصيل "المقطوع من شجرة"، طبقياً (مرافيد الحزب الشيوعي). إلخ. وقد نجح هؤلاء في إدارة دفة الأحداث حيث شاؤوا أو على الأقل فرملة عجلة التغيير. فهؤلاء قد كانوا حصان طروادة الهبوط الناعم داخل تحالف الحرية والتغيير وكذلك داخل تجمع المهنيبن. لكنهم لا يستطيعون إيقاف حركة الجماهير ولن يتمكنوا من تزوير خارطة طريقها " أنتهي الأقتباس

بغض النظر عن صحة هذا التقسيم الطبقي الأ أن هنالك عدة أسئلة تطرح نفسها : أولاً أذا كان هذا هو الحال ، مع من يشكل الحزب الشيوعي جبهة عريضة لإسقاط النظام ؟

كل هذه القوي السياسية التي تم نعتها ونبذها أسهمت بصورة مباشرة في أسقاط النظام السابق ولا زالت تقدم الشهداء للخلاص من حكومة الإنقلاب التي أعقبت 25 أكتوبر . الشهداء الذين قدموا التضحيات وأرتقوا الي الأعالي لم يكونوا كلهم من عضوية الحزب الشيوعي ، كانوا من طوائف وأحزاب متعددة وحتي أن بعضهم لم تربطه صلة ولا رابط بعضوية أي تنظيم .

الم يري الحزب الشيوعي أن هذه التصنيفات وخاصة في الظرف السياسي الحالي الذي يختلف عن ظرف مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية لا يخدم الوحدة وأنما يصب في قالب أطالة عمر النظام . هذا لا يعني أن الأحزاب والكيانات السياسية الأخري تمارس في عالم السياسة سلوكاً مختلفاً عن الشيوعي . المطلوب من الجميع حسن النية وعدم التخوين كحد أدني يجب أن يتوفر لدي القوي التي يُراد لها أن تتحالف لتسقط هذا النظام .

وقبل أن أختم هذا الحديث حول ضرورة العمل علي وحدة العمل المعارض يجدر بي أن أُذكر الرفاق بأن الحزب الشيوعي أسم أكبر من المعارك الجانبية التي تُخاض بأسمه علي صحيفة الحزب الرسمية وأذا كانت وجهة النظر المنشورة لا تعبر عن خط الحزب فلا داعي للترويج لها في الميدان صحيفة الحزب . الغريب أن بعض الآراء التي تدعو الي وحدة المعارضة تجد طريقها للنشر في وسائط التواصل الأجتماعي الأخري وليس في صحيفة يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة أتحدوا . ومن المؤسف أن نجد أن القائمين علي أمر الحزب أصبحوا لا يفرقوا بين الهجوم علي الحزب والنقد ، علي الرغم من أن دستور الحزب يشجع علي النقد والنقد الذاتي وحتي أذا أفترضنا أن هذه الفقرة تخص أعضاء الحزب فقط ، فبدل من توسيع هذه الماعون ليشمل الأعضاء والأصدقاء والحادبين علي المصلحة العامة والتمسك بهذا الإرث وتطويره والجهر به في عملنا السياسي

حتي يرتقي الي مستوي الفعل الثوري درءً من أن يتحول النقد الي المجالس الخاصة ، نري أن هنالك بعض المحاذير التي وضعت يافطة تسبق باب النقد كُتب عليها ممنوع اللمس أو الأقتراب وكأنها منطقة عسكرية مما حدا بأغلبية من الحادبين علي الحزب الأبتعاد حتي لا يتم نعتهم بالأنتهازية أو دعاة الهبوط الناعم . خوفي أن يؤدي هذا الطريق (عدم قبول النقد) الي السير في طريق الأحزاب الشيوعية بشرق أوربا حذو النعل بالنعل.


حامد بشري

23 فبراير 2022


hamedbushra6@gmail.com

 

آراء