بروتوكولات جوبا للسلام في دارفور – ما بين المُمكن والمستحيل .. بقلم: آدم تيراب أحمد /باحث ومحلل اقتصادي
2 فبراير, 2021
المزيد من المقالات, منبر الرأي
37 زيارة
adamtairab@yahoo.co.uk
تعتبر إتفاقية السلام التي وقعتها الحكومة الإنتقالية والجبهة الثورية في جوبا أول إتفاقية تخاطب الأسباب التي أعاقت عملية التحول الديمقراطي و مسيرة الحكم في السودان بشكل واضح ، على إمتداد تاريخ البلاد الحديث مقارنتاً بكل الإتفاقيات التي وُقعت كمحاولات سابقة لصناعة السلام في السودان .
إلا إن عملية تطبيق البروتوكولات الخاصة بإقليم دارفور قد تواجهها بعص الصعوبات والتحديات ، رغم الحاجه المُلّحة لإيقاف الحرب في الإقليم و إعادة ترتيب حياة النازحين الذين يعيشون أسوء الظروف في اكثر من مئة من معسكرات النزوح في أرجاء الإقليم، و هي العملية التي تتطلب ترتيب إعادة النازحين إلي اوطانهم الأصلية او تسهيل عملية توطينهم بصورة طوعية في أماكن أخرى يفضلون العيش والبقاء فيها .
اقليم دارفور بطبيعة تركيبته الديموغرافية المتناقضة وثقافاته المتعددة المتباينة وتأثيراتها علي طبيعة الحياة العامة ، هو في حاجة إلي إفراد مساحة خاصة من التفكير والتخطيط من أجل تفصيل الحلول علي قدر ما تتطلبه معطيات الواقع هناك بعيدًا عن الفرضيات و التعميم .
رغم أهمية إيقاف أصوات السلاح إلا إنه قد تستعصي الامور علي الحكومة الإنتقالية بمكوناتها الجديدة التي تضم معظم حركات الكفاح المسلح في الاقليم في أن تحرز تقدمًا ونجاح في إدارة ملفات السلام المجتمعي دون أن تخاطب وتنطلق من منصة الاسباب الرئسية للصراع التي تتمثل في غياب مشروعات التنمية في الاقليم .
أي إستراتيجية تتجاهل تحليل الأسباب الرئيسية للصراع و تختزل أسبابه في شكلها البسيط العربي-إفريقي او تبحث عن الحلول بمناصرة مجموعة ما علي حساب المجموعات الاخرى لا يمكنها أن تنجح فيبسط الأمن ولا تحقيق السلام المطلوب ، و قد تكون (مسحًا لي القطران علي الصوف ) كما يقول أحد الامثال الشعبية في دارفور .
بروتوكولات مسار سلام دارفور التي وقعتها الإدارة الإنتقالية مع معظم حركات الكفاح المسلح في جوبا كجزء من مشروع إتفاق تحقيق السلام الشامل بعد ثورة ديسمبر ٢٠١٩ ، علي أهميتها كخطوات ضرورية لابد منها لإيقاف الحرب في الإقليم ، إلا إنها لن تخاطب جذور الصراع في الإقليم بشكل منهجي ، ولن تحدد الترتيبات و لا الموارد المالية المطلوبة بشكل كافي لإيجاد الحلول النهائية لمشكلة النزوح التي خلفتها الحرب و التي استمرت الي ما يقارب العَقدين من الزمان . رغم إن هذه البروتوكولات فَصّلت عمليات إقتسام السلطة والثروة و وتحدثت عن ترتيب شئون النازحين وأقترحت إيكال تنفيذ هذه المهام لمفوضيات متخصصة ، إلا أن بعض المؤشرات الحالية بالإضافة إلي تجارب الماضي تشير إلي ان تلك الخطوات قد لا تنجح في ظل غياب التخطيط الاستراتيجي السليم و ندرة المال .
و إذا ما أخذنا في الاعتبار أهمية الاسباب الجذرية للصراع في الإقليم ، سنصل إلي إن دارفور فيامس الحاجه إلي مراكز الدراسات الإستراتيجية والخطط التنموية بعيدةُ المدي لرسم إمكانيات إخراج سكانها من إختناقات الإعتماد علي القطاع الواحد للإنتاج (القطاع الزراعي) ، لأن هذه المفوضيات وبروتوكولاتها لا يمكنها إن تعمل بفعالية دون الإهتداء بخطط إقتصادية تنموية مُحكمة لمعالجة تلك الصراعات ما بين مجتمعات كَتبت لها الأقدار و أجبرتها علي التنافس والصراع حول ذاك القطاع الإقتصادي الوحيد و الذي يحمل في دواخله بذور التناقض (الزراعة و الرعي ) .
اقليم دارفور في حاجة الي تحولات إقتصادية كبرى (Economic Transformations) ومقاومة المستحيل لصناعة و تنمية قطاعات إضافية اخرى كالصناعة والتجارة ، من أجل تخفيف الضغط علي القطاع الزراعي الواحد المُتنافس عليه وهو الشي الذي يحتاج إلي دفعة قوية من الإستثمارات والإنفاق العام لبناء الإنشاءات التحتية هناك في الإقليم ، قد تفوق تقديراتها المالية أضعافًا تلك التصورات والتقديرات التي إعتمدتها بروتوكولات جوبا .
أي ان الوضع في الإقليم في حاجة إلي اختراقات تنموية كبرى في مجالات توفير الطاقة الكهربائية وإستخراج المياه و بناء الطرق والجسور و توسيع خطوط سكك الحديد ومهابط الطيران لتأسيس البيئة المناسبة لنشوء القطاعات الاخرى .
التفسيرات الإقتصادية لظاهرة الصراع في الاقليم يجب أن تكون هي نقطة البداية للبحث عنالحلول، إلا ان ذلك لا ينفي أهمية الحاجة الي الإسراع في وضع و ترتيب التدابير الأمنية المطلوبة لمنع حدوث الاحتكاكات ما بين اطراف النزاع او علي الأقل التخفيف من حدة الصراع إلي حين الوصول إلي الحلول الدائمة (Durable Solutions ) .
و في هذا الجانب نجد أن بروتوكول الترتيبات الأمنية الخاص بدارفور أقّر تكوين قوة مشتركة لحفظ السلام قوامها ١٢ الف جندي لتُوزع في أنحاء الاقليم لتُوكل إليها مهمة حفظ السلام في دارفور، وهيفكرة جيدة و عملية من حيث المبدأ و تشير معظم التنبؤات الي إمكانية نجاحها الي حد ما، إلا إن هذه التنبؤات قد لا تخلو من بعض التحفظات التي تتعلق بالتحديات التي يمكن ان تواجه مهام هذه القوة عملياً ، بحكم إنها إعتمدت في تكوينها علي اطراف الصراع نفسها ( الدعم السريع والحركات المسلحة) اذا ما إستثنينا القوات المسلحة والشرطة .
اما الملاحظة الأخيرة والأهم ، نجد إن تلك البروتوكولات لن تضع موجهات واضحة المعالم لتُوضح وتُحدد التكتيكات اللازمة و الوسائل المطلوبة لإعادة النازحين الي قُراهم او خلق البيئة المناسبة لإعادة توطينهم و إستقرارهم ، و لا سيما في ظل وجود بعض الأطراف التي لم توقع أصلاً علي هذه البروتوكولات كحركة تحرير السودان فصيل عبد الواحد النور و نشاطها العسكري في الميدان .
عملية إيجاد الحلول النهائية لمشكلة النزوح في دارفور أيضًا قد تصاحبها بعض التعقيدات الذاتية التي تتعلق بالنقلة الحضرية التي حدثت للنازحين انفسهم والتي قد تقودهم إلي إعادة ترتيب او توسيع نطاقات خياراتهم والمفاضلة فيما بين الرغبة في العودة الي القُرى او البقاء بالقرب من المدن .
و هذه أحد الإيجابيات التي أفرزتها ظروف الحرب والنزوح والتي يجب مراعاتها في عملية الترتيب والتخطيط لصياغة حلول مشاكل النزوح ، وهو الشي الذي يقود إلي إحتمال أن يُفضل كثير من النازحين عملية التوطين في معسكراتهم نفسها او محاولة الإندماج في المدن الكبرى حيث سهولة الوصول إلي الخدمات الأساسية مثل التعليم و الصحة و وفرة فرص العمل بدلاً من العودة إلي مواطنهم الأصيلة ومواصلة الحياة البدائيه من جديد .
في حين أن الأوضاع والظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد ما بعد ثورة ديسمبر٢٠١٩ ، قد تجعل من الحكومة غير قادرة علي تمويل برامج إرجاع النازحين الي مواطنهم او تقديم المساعدات الإنسانية اللآزمة التي تتطلبها عمليات العودة و التوطين ، وهو الامر الذي يتطلب الإستعانة بالمجتمع الدولي وفتح مجالات إنسانية واسعة (Humanitarian Spaces ) لعمل المنظمات الإنسانية ووكالات الأمم المتحدة لتقديم المساعدات الإنسانية و المشورات الفنية لإنجاز تلك المهام .
هذه الملاحظات لن تقلل من أهمية او قيمة البروتوكولات الخاصة بدارفور ، والتي بلا شك تُعد إنجازات عظيمة و جديرة بالإشادة والتقدير ، ولكنها كملاحظات تعتبر ضرورية ويستحسن مراعاتها لمواجهة التحديات التي يمكن ان تواجه تطبيق تلك البروتوكولات مع إعتبار أهمية المرونة في تطبيقها وتعزيز عمليات المتابعة والمراجعة و التعديل عند الحاجه لتواكب طبيعة فرضيات الواقع علي الارض هناك في الإقليم .