في خضم النزاع الدامي الذي يشهده السودان، تبرز مسألة حياد القطاع الطبي كواحدة من أخطر القضايا التي تهدد ما تبقى من المساحة الإنسانية في البلاد. فقد أدلى القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان بتصريحات أشار فيها إلى أن بعض الأطباء يزودون القوات المسلحة بمعلومات عن مواقع وأفراد قوات الدعم السريع. وبغض النظر عن صحة هذه الادعاءات، فإن مجرد طرحها على هذا النحو العلني يضع آلاف الأطباء والعاملين في المجال الصحي في دائرة خطر مباشر.
إن مبدأ حياد العمل الطبي ليس ترفًا أخلاقيًا، بل هو حجر الأساس لأي استجابة إنسانية في أوقات الحرب. الطبيب، بطبيعة مهنته، مُلزم بتقديم الرعاية لكل مريض دون تمييز، ودون أن يتحول إلى طرف في النزاع. وعندما يُصوَّر الأطباء كأدوات استخباراتية أو عناصر منحازة، فإن ذلك لا يهدد حياتهم فحسب، بل يقوض الثقة العامة في النظام الصحي بأكمله.
لقد شهد السودان خلال هذا النزاع استهدافًا متكررًا للمستشفيات، واعتداءات على الكوادر الطبية، واحتلالًا لمرافق صحية. وفي مثل هذا السياق الهش، فإن أي خطاب يُضعف حماية الأطباء أو يشكك في حيادهم قد يُفسَّر من قبل الأطراف المسلحة كضوء أخضر لمزيد من الانتهاكات. النتيجة المحتملة ليست فقط فقدان المزيد من الأرواح بين الكوادر الطبية، بل حرمان المدنيين من الوصول إلى العلاج في لحظة هم في أمسّ الحاجة إليه.

كما أن هذه التصريحات قد تدفع المرضى، خاصة أولئك الذين يُشتبه في انتمائهم لأي طرف، إلى تجنب المستشفيات خوفًا من الملاحقة أو الاستهداف. وهذا بدوره يفاقم الأزمة الصحية ويزيد من معدلات الوفيات التي يمكن تفاديها.
نحن، كأطباء سودانيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، نؤكد أن حماية الحياد الطبي ليست مسؤولية فردية تقع على عاتق الأطباء وحدهم، بل هي التزام قانوني وأخلاقي على جميع أطراف النزاع. كما ندعو إلى توخي الحذر في التصريحات الرسمية، لما لها من تأثير مباشر على سلامة المدنيين والعاملين في المجال الإنساني.
إن الحفاظ على ما تبقى من الثقة في القطاع الصحي هو مسؤولية جماعية. وفي زمن الحرب، قد يكون المستشفى هو المكان الأخير الذي يشعر فيه الإنسان بالأمان. فلنحرص جميعًا على ألا نفقد هذا الملاذ الأخير.
منظمة أطباء السودان من أجل حقوق الإنسان
٣ مايو ٢٠٢٦
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم