بيـاتنا السيـاسي داخـل فراغـنا المركّب  .. بقـلم: عمـر العمـر

 


 

عمر العمر
1 مارس, 2022

 

 الأكثر  إظلاما في أزمتنا الراهنة هو مكابدة فراغ مركّب. فالأزمة تشتمل على فراغ سياسي، دستوري، أمني داخل فراغ السلطة  حيث أمسى الفرد عاجزاً عن ضبط حالته في الحاضر دعك عن الغد. الأخطر من وضعية الفراغ تداعيات  طبيعة الأشياء ، فكما قال أرسطو " الطبيعة لا تقبل الفراغ". فمع بروز أيما فراغ تتكالب قوى متباينة للإستثمار فيه إ ن لم تسع لشغله. فرضية الفيلسوف الإغريقي تزيد أزمتنا إظلاما . فالخروج المرتجى لا ينحصر على تفكيك الأزمة فقط بل كذلك يشمل بالضرورة كيفية مغالبة القوى الدخيلة ومكافحة أو معالجة آثار تقحّمها. هذا التقحم أمسى ممارسة تكاد تتخذ شكلا مشروعا منذ قذف الرئيس الأميركي دوايت أينهاور بمشرعه الشرق أوسطي في العام 1957 إذ فتح الأبواب أمام القوى الخارجية للتدخل في شؤون دول المنطقة كما أباح لحكومات أقطارها الركون إلى قوى خارجية بغية تثبيت سلطانها.

***   ***   ***


  الجانب الأكثر إظلاما في إنقلاب 25 أكتوبر ليس فقط في كونه  ممارسة غير مشروعة ضد سلطة اشعب بل لأنه كذلك عملا أخرقا مناقضا تماما لقيم ثورة مجيدة. مما يزيد إظلام الإنقلاب حلكة زجه الوطن،الشعب والدولة  في أتون فراغ مركّب بالإضافة إلى بحور أزمات ماحقة. فالإنقلابيون عطلوا شرعية ثورية أكسبت رغم وهنها الوطن استقرارا والشعب قدرا من الطمأنينة ومثله من التفاؤل. لكن الإنقلاب الإخرق لم يبدد فقط  الطمأنينة والتفاؤل  بل فاقم القلق والتشاؤم. كل المعطيات كما المؤشرات تجلّي عجز الإنقلابيين على نحو جعل كل الأمور في حالة تدحرج على كل الجبهات إلى الوراء نحو هاوية بلا قرار. هم ونحن عالقون في فراغ مهول  فلا واديا قطعوا ولا على الرجوع  إلى حيث كنا هم قادرون

***    ***   ***


  نعم دول عدة في الجوارين الأدنى والأقصى عايشت أشكالا من الفراغ السياسي. منها من عبر ومنها لا يزال يكابد. لكنا نحن لم نلج مثل المأزق الراهن من قبل. فمنذ الخامس والعشرين من أكتوبر تعاني مؤسسات الدولة الغياب والفعالية، من الجمود والتكلس، من الشلل والأعطاب. ما يعمل منها فهو في حالة تصنّع مفتعل. ذلك الجانب المظلم البادي لذوي الأبصار لكنما الجوانب الحالكة غير الخفية عند ذوي البصائر فتتمثل في عجز الإنقلابيين الفادح إزاء إمكانية سد أيٍ من الفراغات المهولة المركبة. لا فرق في ذلك بين الاستعانة بـ" خبراء استراتيجيين":، تصنيع حاضنة خربة أو الركون إلى قوة خارجية متوهمة. الفارق الخطير في حالهم المزري يتجسد في تعدد مراكز القوى حيث تتباين الطموحات المشروعة وغير المشروعة على نجو يجعل الصدام بينها ضربة لازب.

***   ***    ***


    إنقلاب إكتوبر يجمّع مضامين الإنقلاب إذ هو في الأصل ردة إلى الوراء.فمن مشارف أفق الديمقراطية إنتكسنا إلى نفق الشمولية، من رحاب الدولة المدنية رجعنا إلى ما  تحت القبعة العسكرية، من المشاركة في صنع القرار عدنا إلى نزعة الهيمنة الفردية مثل هذه الأجواء الملتبسة بالتأزم لا تعين الكتل السياسية على التجانس .إذ هي ظلت عرضة منذ عهد البشير للإستقطاب بوسائل متباينة ليس أدناها التجريف والتعذيب ،الترغيب والترهيب. كمثل غالبية الإنقلابيين قبضت جماعة 25 اكتوبر على مفاصل الدولة دون الإمساك بمشروع سياسي أو برنامج عمل. لذلك إرتبك الممثلون ، الكومبارس ، العرض والمسرح بمافي ذلك المشاهدون. الشهور الإخيرة فاقت حصيلة ،الفساد والفوضى ما ظهر منها  إبان عقود الإنقاذ العجاف. فكل حفرة سوءٍ على أيام البشير زادها البرهان عمقا بل أعمل الأخير أدوات الحفرفي أخاديد مغايرة ، خاصة على صعيد نهب الثروات وتبديدها، إذلال المواطنين وإزهاق أرواحهم.

***    ***    ***


   على الرغم من أعراض القوة من قبل الإنقلابيين إلا أن الفراغ الهيولي يفصح عن ضعف في ممارسة السيادة ،هشاشة في تثبيت الوحدة الوطنية كما يفضح فقدان الدولة هيبتها على الصعيد الخارجي.فوجود مسميات بعض المؤسسات السياسية ، الإقتصادية وحتى الإجتماعية لا يعني في ظل الفراغ المركب قدرتها على أداء أدوارها كما ينبغي. فالنظام الإنقلابي الشمولي حتى حينما يأخذ طابع الدكتاتور الفرد لا يكتسب الإحترام من قبل تلك المؤسسات كما الشعب في حالة فردانية الملك مثلا.. ذلك فارق مبني على أكتساب الشرعية الدستورية . كما  في فراغنا المركب  تتحلل السلطة الإنقلابية العاجزة من الوفاء  بإلتزاماتها القانونية تجاه أمن المواطنين تأمين صحتهم ومصالحهم الإقتصادية..

***    ***    ***


   لدى الحراك الجماهيري وعي متوقّد بغية الفرز بين إسقاط النظام الإنقلابي والحفاظ على هياكل مؤسسات الدولة درءاً  للإنزلاق إلى الدرك الأسفل من الفراغ. للمؤسسة العسكرية مساهمة  أخلاقية إن لم تكن مسؤولية وطنية تجاه حتمية مغادرة الوطن حافة الهاوية. فالوضع المأزوم الناجم عن الفراغ المركّب يحدث باسم  تلك المؤسسة بواسطة جنرالات يحملون رتبا عليا فيها الحديث عن أدلجة تلك المؤسسة طوال العقود الثلاثة الأخيرة لا ينبغي تجريد المؤسسة من  فضيلة حسها الوطني أوتفريغها من ضباط مسكونين برذيلة المغامرة  الإنقلابية حبا في السلطة. فما دفعت الأيديولوجيا  وحدها – إن وجدت - الإنقلابيين القدامى والحاليين إلى قطع الطريق أمام التجارب الديمقراطية لذلك لا يجب التقليل مما يسميه البعض " تململ" داخل القوات المسلحة. بل في إفادات الماثلين أمام المحاكمة بتهم محاولة إنقلابية مضادة حديث صريح عن وجود تزمروسط الجيش ثمة قناعات واسعة –على الأقل - بحتمية الصدام بين الجيش والميليشيات المسلحة من منطلقات عدة ليس أقلها الغيرة على هيبة الجيش الوطني.

***    ***    ***


   الحديث عن مسؤولية المؤسسة العسكرية الأخلاقية أو الوطنية لا يعني الرهان على الخلاص من أزماتنا وفراغنا المركب عبر إنقلاب مضاد بل الإشارة إلى فرضية بروز عنصر يساهم في إعادة ضبط موازين القوى لصالح ثقل  الحراك الجماهيري كما تخفيف كلفة الخروج بالبلاد من البيات السياسي الراهن. ذلك يتم  حين تحدث الحركة العسكرية عبر قناعات ضباط بالإنحياز إلى الثورة ليس أختطافها أو قطع الطريق عليها  أو المطالبة بالمشاركة في سلطتها..


aloomar@gmail.com

 

آراء