أخبار عاجلة

بين ارتعاشة الهدب ونبض الوريد مرافئ الحقيقة في غيابك

محمد صالح محمد
نحن لا نفقد من نحب لأنهم رحلوا بل نفقدهم حين ننسى ملامحهم وأنتِ أبعد ما تكونين عن النسيان. يقال إن الحقيقة تكمن في الأشياء التي نلمسها لكن حقيقتي الوحيدة هي تلك التي لا تطالها يداي بل يستشعرها قلبي في كل خفقة وترسمها عيناي في كل طيف يمر بساحة الرؤية.

العين التي لا تبصر سواكِ …
يظن العابرون أنني أنظر إلى الطريق و إلى الوجوه و إلى تفاصيل العالم اليومية. لكن الحقيقة المرّة أن عينيَّ خُلقتا بذاكرة لا تمحو. أنتِ لستِ ذكرى مرت وانقضت بل أنتِ “الغشاوة” الجميلة التي تغلّف كل ما أراه . أسير في الزحام وألمح وجهكِ في انعكاس الضوء على الزجاج وفي تمايل الشجر مع الريح.

بيني وبين العالم مسافة وبيني وبينكِ بصيرة أنتِ تسكنين تلك المساحة الفاصلة بين الرمش والحدقة؛ لذا فكل مشهد أراه يمر عبر فلتر ملامحكِ أولاً.

كيف للبعاد أن يحجبكِ وأنا أحملكِ في نظر يرفض أن يبصر سواكِ؟

القلب الزنزانة والملاذ …
إذا كانت العين ترسمكِ طيفاً فإن القلب يترجمكِ وجعاً مقدساً. في عمق صدري ثمّة نبض لا يهدأ ليس لأنه يضخ الحياة بل لأنه ينادي باسمكِ في لغة لا يفهمها إلا الغرباء. الحقيقة التي أداريها عن الجميع هي أنكِ لم تغادري قط؛ لقد انتقلتِ من “أمام عيني” لتصبحي “خلف ضلوعي”.

هذا النبض الثقيل هو ضريبة بقائكِ هنا فكلما اشتد الوجع علمتُ أنكِ لا تزالين تسكنين في أعمق نقطة بي. البعاد ليس مسافات تُقطع بالكيلومترات بل هو هذا العجز عن لمس يدٍ تسكن داخل الوريد.

فلسفة الوجود في العدم …
كيف يمكن لشيء غير موجود مادياً أن يكون هو الأكثر حضوراً؟ هذه هي مفارقة الحقيقة التي أعيشها. أنتِ غائبة بملء الأرض وحاضرة بملء الروح. في كل ليلة أغمض عينيَّ لأهرب منكِ فأجدكِ بانتظاري في الداخل تتربعين على عرش الذاكرة متمسكة بكل تفاصيلكِ الصغيرة صوتكِ رائحة عطركِ التي ترفض أن تغادر رئتي وضحكتكِ التي تحولت إلى موسيقى تصويرية لحياتي الصامتة.

الحقيقة التي لا تُهزم …
في نهاية الأمر يظل العالم يتحدث عن “الواقع” وأنا أتحدث عنكِ. الحقيقة هي أنني أعيش انفصاماً جميلاً ومؤلماً؛ جسدٌ يتحرك فوق الأرض وروحي عالقة في مداركِ أنتِ.

يا وجعي الجميل…
ستظلين الحقيقة الوحيدة الصامدة وسط زيف الوجود المكان الذي لا يصله غياب والنبض الذي لا يوقفه فراق. أنتِ هناك.. في المسافة المستحيلة والمقدسة ما بين عيني وقلبي.

حيث تنتهي الكلمات ويبدأ العدم …
وهكذا أختم فصول قصتي معكِ لا بكلمة “وداع” بل بصمتٍ يمزق أحشاء الروح. الحقيقة الأشد قسوة من البعاد هي يقيني بأنني سأقضي ما تبقى من العمر أطارد سراباً يسكنني وأبحث عنكِ في وجوه الغرباء وأتحسس نبضي لأتأكد أنكِ لا تزالين هناك.

سأظل عالقاً في هذا البرزخ؛ لا أنا استعدتكِ لأحيا ولا أنا فقدتكِ تماماً لأموت. سأغلق عينيَّ على طيفكِ الذي صار سجني وملاذي وأترك قلبي ينزف ذكراكِ حتى يتوقف عن الخفقان و لعلّ في العدم لقاءً عجزت عنه الأرض ولعلّ الرحيل الأبدي يكون هو الجسر الوحيد الذي يجمع شتاتي بملامحكِ التي لم تفارق مخيلتي يوماً.

أموت أنا وتبقى الحقيقة موجعة أنكِ كنتِ كل شيء ولم يبقَ لي منكِ سوى الفراغ.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

تراتيل الحنين …ابتهالاتٌ في محرابِ حبّكِ يا “زولة”

محمد صالح محمدبين نبضةٍ وأخرى يسكنُ طيفكِ كصلواةٍ لا تنقطع ويترددُ اسمكِ في أعماقِ الروح …