بسم الله الرحمن الرحيم
تأشيرة غياب ….عماد برَّاكة
سيميائية الهوى والهوية
abdelmoniem2@hotmail.com
سلسلة الذكريات:
الرابط بين الإنسان والعالم هو ذاكرته وبغيرها لا يوجد في عين نفسه ولكن في عين غيره، إذ لا وجود نفسي أو وجودي من غير وعي بالوجود. وحتى هويته الوجودية تختلف في عين الآخرين قبل وبعد زوال الذاكرة. وهذه الرواية رحلة ذاكرة في ظاهر الأشياء حكياً وفي باطنها معني وهو البحث عن الحقيقة بتعريتها من أثواب الباطل. والباطن معني الظاهر لأنَّ الظاهر دليل على الباطن ولذلك نقول: لسان المقال ولسان الحال وهو الفرق بين اللفظ أو العلامة وبين الملفوظ وهو النَّص الذي يحمل المعني.
والرواية أيضاً تجسيد لمقالة شاتوبريان في “حياة رانسيه”:
القطيعة مع الأمور الواقعية أمر سهل، ولكن مع الذكريات!!
فالقلب يتقطع لهجر الأوهام، لقلَّة ما في الإنسان من حقيقة”
والراوي يقول على لسان أشرف الصافي:
“هززت رأسي حتى لا تندفق كل ذكرياتي، ثم تحركت من المكان ضاغطاً على أسناني حتى أبعد ذكرياتي المخجلة من التدفق”. ويقول أيضاً:
“انتبهت إلى هذه الذاكرة العجيبة التي تستطيع أن تعيد لك المكان بكلِّ حذافيره، حتى كتمة الخرطوم قبل الغروب، والإضاءة المتواطئة مع الأفكار الساذجة، استحضرتها أمامي. ذاكرة عديمة “الفلتر” جلبت معها طمياً غير متوقع ترسَّب مع ركود تلك الأيام”.
وذاكرة الفرد عرضة للمراجعة والانتقاء والكبح والتغيير مثل ذاكرة الوطن، فهما لا يختلفان، فما ذاكرة الأوطان إلا ذاكرة بنيها وبناتها. والذاكرة أفكار وتأملات خاصة ووهم لعدم وضوح الرؤية والعناد على السير في الطريق الخطأ برغم الظلام الذي يمثل انعدام الوعي.
ونجد في الرواية أن فيضان الذكريات لم يداهم الراوي إلا عندما عجز عن تذكر شخصية الغريب الذي قابله في محطة القطار وناداه باسمه وذكر اسم حبيبته السابقة، فصار في سباق محموم ليجد الصلة بين الدال وهو الشخص الغريب والمدلول وهو ما سبق من حياته، فاسترجع ذاكرة واقعه الماضي ونبشه من خلال أصدقائه من أجل إعانة فضوله وسدِّ ثغرة المعرفة الذهنية، لمحاصرة الحالة الشعورية التي انطلقت كلهب الجحيم تلتهم عافيته وإحساسه الذاتي المهترئ.
وقد كان هذا إحساس سامي قنديل وهو في قارب الموت:
“يبتسم سامي قنديل، ينظر إلى السماء ولا يري سوي سحب الذكريات تمطر عليه”. سامي قنديل المتفائل في أقسي الظروف لا يفقد تفاؤله وهو الذات الأخرى لعامر درويش المتشائم التي لم يفلح في تقمُّصها فالتزم جانبه وعندما مات اختلق أكذوبة فغيَّر اسمه لعامر قنديل وسمَّي ابنه سامي قنديل لتستمر سيرورة وجوده في حياته يتحدَّث إلى طفله كما يتحدَّث إلى صديقه.
يقول عامر درويش لصديقه سامي قنديل في مركب الموت:
– لا تكن ساذجاً، نحن لا محالة أموات، لن يأتي أحد، لن يرانا أحد.
ويرد سامي قنديل:
– لا أخفي عليك يا عامر، أنا أيضاً خائف ولكن أظل متفائلاً حتى النهاية.
وقد يبدو أنَّ عامر درويش اختار أن يموت مع صديقه ولكنَّه في واقع الأمر كان أكثر جبناً من ذلك فقرَّر إحياء صديقه ولم يلحق بصديقه إلا عندما حُرم من ابنه في نهاية الأمر فأعلن للراوي: أنا ميت.. أنا ميت، ثمَّ أتبع الإحساس بالفعل أي أنَّ البعد التداولي لحق البُعد الشعوري الذي وصل إلى ضفاف البعد المعرفي وهو حقيقة أنَّه ميت في كلِّ الأحوال فكان أن قذف بنفسه أمام القطار.
يقول عامر درويش، في لحظة صدق ومكاشفة، لصديقه سامي قنديل وهما يواجهان الموت في قارب الضياع:
“إنَّنا نمتلك مقدرة رهيبة على فقدان الذاكرة، نتناسي بسرعة الأمور السيئة التي حدثت في السابق، ونتهاون مع بشاعتها كيفما اتَّفق. أضف إلى ذلك أنّّ القدر يوزِّع المحن بالتساوي في الماضي والحاضر والمستقبل أيضاً”.
وفي جزء آخر يحدِّثنا الراوي كيف تعامل عامر درويش مع الذكريات مستخدماً البُعد التداولي وهو بعد الفعل ليُقصي البعد الانفعالي وهي الذكريات:
“اشتغل عامر درويش بكلِّ إخلاص، لم يكن يتوقف إلا عندما يطلب منه صاحب المزرعة الاستراحة من أجل القهوة أو الأكل، لم يكن نشاطه بدافع الحرص على عمله، بقدر ما كانت محاولة منه لنسيان ما حدث وتشتيت أفكاره”.
إثبات ونفي الذات:
والرواية هي محاولة لتأمل وإثبات الذات أو نفيها وكما قال ميرلوبونتي: “إ نَّ فكرة تأمُّلَ الذات ضرورةٌ جوهريةٌ لفهم ما يحدثُ اليومَ، وذلك فيما يتعلَّق بالأصوليات التي يتشاركها الشرقُ والغربُ معًا — سواءٌ أكانت دينية أم اقتصادية أم سياسية — وبالكرامة؛ كرامتنا وكرامة الآخَر”.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم