تاريخ حياتي للشيخ بابكر بدري
سيرةُ مجاهدٍ أنصاريٍّ ورائدِ تعليم، وشهادةٌ صادقةٌ على المهدية والحكم الثنائي من الداخل
د. الرشيد خليفة
في بلادٍ اعتاد مؤرخوها أن يكتبوا التاريخ بعد أن يبرد، ويصوغوه كما يشتهي المنتصر لا كما جرى، يطلّ علينا رجلٌ من رفاعة حمل قلمه كما حمل بندقيته من قبل، وكتب سيرته لا ليمدح نفسه، بل، ليشهد. ثلاثة عهودٍ دفنها بين دفّتَي كتابٍ واحد: أفول الحكم التركي، وصعود المهدية وأفولها، وصبح الحكم الثنائي. ولأنه كتب ما رأى بعينه وسمعه بأذنه، صار كتابه «تاريخ حياتي» وثيقةً لا يستغني عنها باحثٌ في تاريخ السودان الحديث، مهما تحفّظ على «وجهه الناعم» ولغته اللطيفة.
استهلّ الرجل مذكراته بجملةٍ تصلح أن تكون دستوراً لعلم التاريخ كله: «أصدق التاريخ ما كُتب في زمانه وصدق فيه كاتبه وصدّقه معاصروه فيما روى» [1]. وهي، على قِصَرها، أطروحةٌ منهجيةٌ كاملةٌ سنعود إليها في آخر المقال.
الرجل، بدأ بخلوةٍ وانتهى بجامعة
وُلد بابكر بدري سنة 1861، وتذكر مصادرُ أخرى 1864، وبعضها 1856، في بيتٍ متواضع على ضفاف نهر عطبرة، في قرية الداخلة التي ابتلعتها مدينةُ عطبرة لاحقاً، وينتسب إلى قبيلة الرباطاب [4] [9]. نزح صغيراً مع أهله إلى رفاعة في وسط السودان، فحفظ القرآن في خلوة الفكي القرّاص، ثم أُرسل وهو ابن ست عشرة إلى ود مدني ليدرس في مسجد الفكي الأزيرق، حيث مكتبةٌ تضمّ أكثر من ثمانين مجلداً في علوم الشريعة [4]. من هذه الخلوة الطينية بدأت رحلةُ رجلٍ ستنتهي حروفُها الأولى، بعد نحو قرن، أساساً لجامعة الأحفاد للبنات.
لم يكن الرجل «معلّم بنات» فحسب كما اختزلته الذاكرةُ الشعبية، بل، كان تاجراً محنّكاً، ومحارباً أنصارياً، وأسيراً في مصر، ومفتشاً للمعارف. جرّب المهنَ كلَّها كأنه يجمع مادةَ كتابٍ لم يكن يدري بعدُ أنه سيكتبه. ومن أبنائه المالك بدري أستاذ علمُ النفس الإكلينيكي المعروف، ويوسف بدري الذي رفع مدرسةَ الأب إلى مصافّ الجامعة.
المنهج والمصادر، حين يكون المؤرخُ هو المصدر
منهج بابكر بدري هو منهج الشاهد لا الراوي؛ مصدرُه الأولُ ذاكرتُه، ومصدرُه الثاني عينُه التي رأت. لم يجلس في أرشيفٍ ينقّب في الوثائق، بل، كان هو الوثيقة. ولهذا تتقاطع قيمةُ الكتاب مع حدوده في آنٍ واحد: فهو صادقٌ بقدر ما تصدق ذاكرةُ شيخٍ يكتب أحداثاً مرّ عليها نصف قرن، ودقيقٌ بقدر ما ينجو من إغراء تجميل الماضي.
وقد ربط الباحثون اسمَه باسم البروفيسور محمد إبراهيم أبو سليم لا لأن أبا سليم حقّق المذكرات، فهو لم يفعل، بل، لأن وثائق الثورة المهدية التي جمعها أبو سليم وبوّبها في دار الوثائق القومية صارت الميزانَ الذي تُوزن به رواياتُ بابكر عن المهدية وحصار الخرطوم. الشاهدُ يروي، والأرشيفُ يصدّق أو يكذّب؛ وهذا هو جوهرُ جملته الافتتاحية.
كتب الشيخ بابكر بدري مذكراته “تاريخ حياتي” بخط يده حتى توقف في ديسمبر ١٩٤٩. ثم واصل إبنه يوسف من تلك النقطة، نقلاً عن مذكرات أبيه المكتوبة، حتى فرغ منها عند وفاة الشيخ سنة ١٩٥٤. أمّا مؤلفاتُه الأخرى، وهنا تقع المفارقةُ الموجعة: لم يترك بابكر بدري كتاباً مطبوعاً سوى مذكراته، لا لأنه لم يكتب، بل، لأن ما كتبه أحرقته يدٌ أخرى. يروي في الجزء الثاني أنه شرع سنة 1910 في تأليف «كتاب التاريخ للسودان»، وأنجز منه ستَّ كراريس من ذوات الأربع والستين ورقة، فطلبها منه الشيخ محمد البدوي، قاضي الإسلام آنئذٍ، فكان مصيرُها النار بتدبيرٍ متعمَّد لا بحادثٍ عارض [1] [7] [12].
ويصف بابكر المشهدَ بنفسه في مذكراته فيقول: «… تسلم الشيخ محمد مني الكراريس وقال لي: اتركها وأحضر لي غداً في نفس هذا الزمن. في نحو الساعة الرابعة من اليوم التالي رجعت له ووجدته قد أحضر ناراً في موقد، وبمجرد دخولي عليه بدأ يقطع الكراريس كراسة كراسة ويلقيها في النار حتى أتى عليها كلها، ثم التفت إلي وقال غاضباً: أنت جاهل بأخلاق السودانيين بكتاباتك الحقائق عنهم، فالناس لم يستعدوا في بلدنا بعد لقرعهم بالحقائق. وحينما يظهر هذا الكتاب سيدسون لك من يقتلك…» [1] [7].
فالباعثُ في رواية البدوي خشيةٌ على حياة المؤلف من مجتمعٍ لم يحتمل أن تُقال حقائقُه جهراً، لا مجردَ رقابةٍ عمياء؛ وأياً كان الباعث، فقد خسر السودانُ كتاباً كاملاً، ونجت المذكراتُ وحدها لتكون تعويضاً غيرَ مقصود، وهي إلى ذلك أوضحُ برهانٍ على طليعيةٍ سبقت وعيَ زمانها بعقود.
ويبقى السؤالُ الذي يلحّ على القارئ: ما هذه «الحقائق» التي بلغ من خطورتها أن يخشى شيخُ الإسلام القتلَ على كاتبها لو نُشرت؟ والجوابُ الأمينُ أنها بعينها مجهولة، إذ أتت النارُ على الكراريس ولم تُبقِ منها ورقة، ولم يفصّل بابكر مضمونها، بل، وصفها وصفاً عامّاً أنه كتب فيها «الحقائق عن السودانيين». فالذي بين أيدينا توصيفُ طبيعتها، لا جردُ وقائعها.
غير أنّ كلام البدوي نفسه يضيء طبيعتَها: فقولُه «أنت جاهل بأخلاق السودانيين بكتاباتك الحقائق عنهم»، وقولُه «الناس لم يستعدوا في بلدنا بعد لقرعهم بالحقائق»، أي مصادمتهم بالحقائق، يدلّان على أنّ الكتاب لم يكن سرداً محايداً للوقائع السياسية الكبرى، بل، توثيقاً صريحاً لأحوال المجتمع على حقيقتها: عاداتِه، وأخلاقِ أهله، وسلوكَهم، وما جرت العادةُ على ستره. كان تاريخاً اجتماعياً عارياً يقول ما لا يُقال جهراً.
وأمّا لماذا حسبها البدوي قاتلة، فالمفتاح في تتمّة كلامه: «حينما يظهر هذا الكتاب سيدسون لك من يقتلك». وهو منطقُ مجتمعٍ تحكمه قيمُ العيب والشرف والثأر؛ فتوثيقُ الحقائق في كتابٍ باسم صاحبه يعني، في الغالب، ذكرَ أشخاصٍ وأسرٍ وقبائلَ بأعيانها، وكشفَ مثالبَ أو وقائعَ مُخزيةٍ أو مواقفَ في أحداثٍ قريبةٍ ما زال أصحابُها أو أبناؤهم أحياء. ونشرُ مثل ذلك في بيئةٍ تأخذ بالثأر يعرّض الكاتبَ للقتل انتقاماً للشرف، لا لمجرد خلافٍ في الرأي؛ فخوفُ البدوي، في روايته، خوفٌ على حياة بابكر، لا مجردَ رقابةٍ فكرية.
والقرينةُ الأقوى على طبيعة المحروق هي الناجي منه؛ فـ«تاريخ حياتي» ذاتُه مشهورٌ بصراحته المتناهية وجرأته على النفس والمجتمع: ينقد الذات، ويصف العاداتِ والتحيّزات، ويوثّق قسوةَ المهدية وأهوالَها وصغائرَ الحياة اليومية بلا تجميل [7]. فإذا كان هذا مبلغَ صراحته في سيرةٍ شخصية، فالأرجحُ أنّ «كتاب التاريخ للسودان» كان النسخةَ المنهجية الصريحة من الشيء نفسه، مصوغةً بأسماءٍ وأحداثٍ بعينها، وهو ما جعله في نظر البدوي خطراً على صاحبه. وهكذا نعرف المحروقَ من الباقي: فقدنا الوقائعَ المحدَّدة، وبقيت لنا شهادةٌ على طبيعتها في المذكرات.
وأمّا نسخُ كتاب المذكرات، فالأصلُ مخطوطٌ واحد فقط بخط المؤلف نفسه، ومنه تفرّعت الطبعاتُ المطبوعة والترجماتُ، لا العكس. طُبعت أجزاؤه بالعربية منذ خمسينيات القرن العشرين، وتُذكر سنةُ 1961 بدايةً لانتشاره الواسع، ثم صدرت طبعةٌ محقَّقة راجعها حفيدُه د. بابكر علي بدري، أضاف إليها شجرات العوائل والملاحق وصوّب المتن [9] [12]. وتُرجم الكتاب إلى الإنجليزية في جزأين لا ثلاثة: الأول بترجمة يوسف بدري وجورج سكوت وتقديم ب. م. هولت، عن مطبعة جامعة أكسفورد سنة 1969 [2]؛ والثاني بترجمة يوسف بدري وبيتر هوغ وتقديم ج. ن. ساندرسون، عن دار إيثاكا المتخصصة في الشرق الأوسط في لندن سنة 1980، ويغطّي الفترة 1898–1929 [3]. وبقي الجزءُ الثالث بلا ترجمة، كأنّ المترجمين اكتفوا بالمحارب والتاجر، وتركوا الشيخَ المربّي لأهله.
ما يتفرّد به، الوجهُ الناعم مكتوباً من الداخل
أغلبُ ما نعرفه عن المهدية والحكم الثنائي مكتوبٌ بأقلامٍ مستعارة: أسرى أوروبيون كسلاطين باشا وأوروالدر (صاحب عشرة سنوات في أسر المهدية)، أو منتصرون كتشرشل، أو مخابراتٌ بريطانية صاغها ونجت. أمّا بابكر بدري، فأنصاريٌّ من الداخل يكتب عن المهدية لا بوصفها كابوساً ولا بوصفها فردوساً، بل، بوصفها تجربةً عاشها بجسده. هذا التفرّدُ هو مصدرُ قيمته: شهادةٌ من صفّ المنتصرين المهزومين، لا من صفّ المهزومين المنتصرين.
ويتفرّد أيضاً بجرأةٍ نادرةٍ على نفسه؛ فبينما كُتبت أغلبُ مذكرات ذلك العصر للدفاع عن أصحابها أو تبرير مواقفهم، كما عند سلاطين باشا ويوسف ميخائيل، اختار بابكر أن يفضح نفسه لا أن يزيّنها، فيروي ضعفه ومكره وخوفه وهفواته بالصراحة نفسها التي يروي بها بطولاته [4]. وليست هذه ثرثرةً عن الذات، بل، هي حجرُ الأساس في مصداقيته: فمن يكشف حِيَله على السلطة وفرارَه من الموت، يُصدَّق حين يشهد على غيره.
وأصرحُ أمثلة ذلك يوم كرري سنة 1898؛ إذ يحكي كيف احتال لينجو من الموت، ثم يفعل ما لا يفعله كاتبٌ يخشى على صورته: يقارن حالَه تلك بحاله قبل سنوات، حين كان فتىً أنصارياً يُلقي بنفسه في مرمى السفن الحربية طلباً للشهادة أيام حصار الخرطوم [2]. فالفتى الذي كان يطلب الموت صار الرجلَ الذي يحتال ليتجنّبه؛ وبذلك الفرار انتهت قصةُ بابكر المجاهد بحدّ السيف والمدفع، وبدأ فصلٌ جديد تحوّلت فيه نظرتُه إلى الإنجليز، وانتقل من معركة السلاح إلى معركة العلم [2]. فاعترافُه بالفرار ليس نادرةً طريفة، بل، هو المفصلُ الذي دار عليه مسارُ حياته كلها.
ولا يقف كشفُه للذات عند كرري، بل، يمتدّ إلى ميادين يسترها مجتمعُه عادةً: فهو يروي احتيالاته على الإدارة ليبلغ غرضه بروح الفكاهة لا البطولة، ويتحدث عن زيجاته بصراحةٍ لافتةٍ تجعل حياته الأسرية جزءاً من الوثيقة لا سرّاً مصوناً، ويوثّق تقلّبه في التجارة بعد الأسر، بأرباحها وخساراتها، فيمنحنا صورةً حيّةً عن الأسواق والأسعار وصعود الطبقة الوسطى الجديدة في مطلع الحكم الثنائي، ويسجّل نوادرَه وهفواته المُحرجة، وهي ما جعل قرّاءه يصفون كتابه بالإمتاع والمؤانسة [1] [8].
ومن أمانته أنه، حين وصف مأساة الأسر بعد توشكي، لم يخترع فظائع لم يرَها؛ نفى وقوع اغتصابٍ، وذكر بدل ذلك تحرّشاتٍ من ضباطٍ مصريين عاقبتها القيادةُ البريطانية في أسوان من فورها11] ]. مؤرخٌ يكتب ضد هوى جمهوره حين يقتضي الصدقُ ذلك، وهذه، لا البطولةُ وحدها، هي فضيلتُه الكبرى.
الدوافع والزمن، مذكراتٌ بخطّ اليد حتى ديسمبر 1949
كتب بابكر بدري مذكراته في شيخوخته، ودوّنها بخطّ يده حتى ديسمبر 1949، ثم أكمل ابنُه يوسف ما تبقّى حتى وفاة الوالد سنة 1954. أمّا الدافع، فمزدوج: دافعٌ معلَنٌ نطق به في مطلع الكتاب، أن يترك شهادةً صادقةً «كُتبت في زمانها»، ودافعٌ مضمرٌ يلوح من سيرة الكراريس المحروقة: رجلٌ رأى تاريخَه يُحرق أمام عينيه، فقرّر أن يودعه هذه المرة في قالبٍ يصعب حرقُه، هو قالبُ السيرة. حين تُمنع من كتابة تاريخ بلدك، تكتب تاريخ حياتك، فإذا بحياتك تصير تاريخَ بلدك.
الأطروحات، من جهاد السيف إلى جهاد القلم
تقوم المذكرات على أطروحاتٍ كبرى، أبرزها: أنّ الشهادة الصادقة فرضٌ على من عاش الحدث، وهي أطروحتُه المنهجية التي صدّر بها الكتاب؛ وأنّ الأمة إذا خسرت جولةَ السيف فعليها أن تستعدّ لجولة العلم، فبعد كرري اختار التعليمَ ميداناً، مؤمناً أنّ قومه خسروا الجولة الأولى وعليهم أن يكسبوا الثانية بالمعرفة [9].
ومنها أنّ تعليم المرأة مفتاحُ النهضة لا ترَفٌ يؤجَّل، فافتتح أول مدرسة للبنات في رفاعة سنة 1907 متحدّياً مجتمعَه، بل، ومتقدّماً على الإدارة البريطانية نفسها التي لم تكن حريصةً على تعليم السودانية [9]. ومنها أنّ الإصلاح الاجتماعي جزءٌ من التحرر، فعارض عاداتٍ موروثةً كبقاء المرأة في بيت أهلها بعد الزواج، ورأى في تعليم البنات حافزاً للشباب على الزواج من بنات بلدهم [4].
الفترة والأحداث، من قدير إلى كرري ثم رفاعة
يغطّي الكتاب في أجزائه الثلاثة قرابةَ قرن: الجزء الأول من مولده حتى سقوط الدولة المهدية سنة 1899، والثاني من قيام الحكم الثنائي 1899 حتى إحالته إلى المعاش 1929، والثالث حتى وفاته 1954 [12]. يروي مبايعةَ المهدي بعد رحلته من رفاعة إلى قدير، ثم الانخراطَ في جيش المهدية، وحصارَ الخرطوم وفتحَها 1885، والانضمامَ إلى راية عبد الرحمن ود النجومي الحمراء في حملة فتح مصر في عهد الخليفة عبد الله.
وفي توشكي، يوم 3 أغسطس 1889، تحطّمت الحملة وقُتل النجومي ووقع بابكر في الأسر، فسِيق إلى مصر [10] [9]. ثم كانت كرري 1898 خاتمةَ سيرته المحاربة، ومطلعَ سيرته المعلّمة.
وتوشكي في سطورٍ موجزة: قريةٌ نوبيةٌ في أقصى جنوب مصر على الضفة الغربية للنيل قرب أبو سمبل، شماليَّ وادي حلفا. وقعت المعركةُ في عهد الخليفة عبد الله التعايشي لا في عهد المهدي، الذي كان قد تُوفّي سنة 1885؛ إذ سيّر الخليفةُ من أم درمان حملةً لفتح مصر وبسط المهدية عليها، اتّخذت من إقليم دنقلا قاعدةً لانطلاقها وإمدادها لا من العاصمة. زحفت الحملةُ شمالاً عبر صحراء النوبة القاحلة، فمرّت بمنطقة معتوقة وتلال أرقين بعيداً عن مورد النيل، فأنهكها العطشُ والجوعُ وطولُ المسير حتى تساقط المرضى في الطريق، ولم يبلغ النجومي تلالَ توشكي إلا في نحو ثلاثة آلاف مقاتلٍ من نحو ثلاثة عشر ألفاً خرج بهم في مايو 1889. عسكر عند السفح الغربي يوم 1 أغسطس فحوصر، ثم كانت المعركةُ الفاصلة يوم 3 أغسطس 1889، فهُزمت الحملةُ هزيمةً ماحقة وقُتل النجومي؛ وترجع أسبابُ الفشل إلى ضعف العدد والعتاد، وانقطاع الماء، وتفكّك الحملة واختلاف قادتها، وقلّة ما أمدّها به الخليفةُ من عون، في مواجهة جيشٍ نظاميٍّ مُجهَّز [9] [13]. ولقي الأسرى، ومنهم بابكر، معاملةً حسنة أُطلق بعدها سراحُهم على غير ما توقّعوا من بطش المنتصر [10]؛ والأرجحُ أنّ القيادة المصرية البريطانية لم تجد في مقاتلٍ منزوع السلاح خطراً يستبقيه، فمالت إلى اللين، فبقي بعضُ الأسرى في مصر وعاد بعضُهم إلى السودان.
وتشريحُ الجيشين يكشف اختلالَ الموازين: فمن جهة المهدية كان القائدُ الأعلى يونس ود الدكيم، وعبد الرحمن النجومي قائدَ سرية المقدمة، على جيشٍ جُلُّه من أبناء الشمال ساروا بعوائلهم، عُدّتُهم الرماحُ والسيوفُ وقليلٌ من البنادق. وفي المقابل كان الجيشُ المصري النظاميُّ الذي أعادت بريطانيا بناءه وتسليحه منذ احتلالها مصر سنة 1882، بقيادة السردار الجنرال فرنسيس غرينفل، ومعه سلاحُ الفرسان بقيادة كتشنر، والمدفعيةُ بقيادة القائمقام ويندل بك، وقد انضمّت إليه قوةُ ود هاوس التي كانت تتعقّب النجومي، مسنوداً بحاميات الحدود عند وادي حلفا وأرقين. فكانت المواجهةُ بين رماحٍ منهكةٍ ظمأى ومدافعَ نظاميةٍ مرتاحة، ولذلك حُسمت في ساعات [9] [13].
ولأنّ بابكر كتب مذكراته بعد زوال الدولة المهدية بعقود، أطلقت له تلك المسافةُ الزمنية لسانَه؛ فسجّل، وهو الأنصاريُّ الذي لم يتخلَّ عن عقيدته، مآخذَه على دولة الخليفة عبد الله التعايشي دون مواربة، مفرّقاً بين دعوة المهدي التي آمن بها وبين حكم خليفته الذي عاش ويلاته. فأمّا حملة النجومي لفتح مصر، فيصفها وصفَ من اكتوى بنارها: رحلةُ موتٍ ذاق فيها الجندُ الأهوالَ والعطشَ والجوع، وساروا مئات الأميال إلى فتحٍ موهومٍ بقوةٍ لا تكفيه، حتى تحطّموا في توشكي [1] [2].
ولا يقف نقدُه عند الحملة، بل، يمتدّ إلى بنية الحكم نفسها: يروي إكراهَ الناس على القتال، والتهديدَ بمن يتخلّف عن نداء الجهاد، حتى أعرضت الجماهيرُ عن نصرة الخليفة يوم كرري بعد أن أعياها بطشُه؛ ويسجّل قسوةَ العقوبات المُذلّة، كجلد محمد نور الكتيابي خمسمائة سوط، وجلدِ الشيخ عوض الكريم ود علي، إمامِ الناس ومعلّمهم، خمسمائة سوطٍ لأنه كتب مذكرةً ينتقد فيها الفساد؛ فكان قمعُ من يتجرّأ على كشف الفساد عنواناً للدولة [1] [9]. وبهذه الشهادة الصريحة صار «تاريخ حياتي» مصدراً لا يُستغنى عنه في نقد دولة الخليفة من الداخل، لا من أقلام خصومها.
وتستحقّ محطةُ الأسر وقفةً، فهي المهماز الخفيّ الذي حوّل المحاربَ إلى معلّم. فقد قاده أسره بعد توشكي إلى مصر، وكان من حسن حظّه أنه لقي معاملةً حسنة لا تنكيلاً؛ وبعد إطلاق سراحه زار مقامَ الحسين بالقاهرة، فخالط مجتمعاً مدنياََ جديداً بعاداتٍ وتقاليدَ لم يعهدها في بواديه [10]. وهناك، في قلب القاهرة، وقعت الصدمةُ الخصبة: رأى أمّةً تبني نفسها بالمدرسة لا بالبندقية، فرسخت في نفسه قناعةٌ حكمت بقيّة حياته، أنّ العلم هو ميدان المعركة الحقيقي [10]. ولمّا عاد إلى السودان تاجراً ثم معلّماً [2]، بلور تلك القناعةَ في أمضى صورها وأصعبها، تعليمَ البنات؛ إذ رأى أنّ نهضةً بلا نصفها الغائب نهضةٌ عرجاء، وأعانه على ذلك ما ورثه عن أمّه قويّة الشكيمة من احترامٍ عميق لقدرات المرأة [2]، فكان أن افتتح أولى مدارس البنات في رفاعة سنة 1907.
الموقف من المهدية، ولاءٌ للعقيدة ونقدٌ للدولة
يخطئ من يقرأ بابكر بدري مادحاً للمهدية على إطلاقها، أو ناقداً لها على إطلاقها. الرجل أنصاريٌّ لم يتخلَّ عن عقيدته حتى بعد زوال الدولة، وظلّ على صلةٍ وثيقة ببيت المهدي [6]. لكنّ ولاءه للمهدي الإمام شيءٌ، وولاءه لدولة الخليفة عبد الله شيءٌ آخر؛ فقد تضعضع هذا الأخيرُ في أثناء حملة النجومي المنهكة، وهو يصف أهوالَها بلا تجميل [6]. إنه يفصل بين الدعوة ومؤسستها، بين الإيمان والدولة، وهذا تمييزٌ يُحسب له.
وفي طوره الثاني، صار أشدَّ تحفظاً على الثورات المسلحة: نصح رفيقَ جهاده ود حبوبه قبل ثورته، ورأى في حركة 1924 «دعايةً للمصريين»، بل، ذهب إلى معلّم الشريعة الشيخ مبارك في كلية غردون وبيده المصحف يحلّفه ألّا يحرّض الطلابَ على السياسة [6]. موقفٌ يفتح باب النقاش: أهو حكمةُ مجرِّبٍ رأى ثمنَ المغامرة بعينه، أم مهادنةٌ لمن رأى في التدرّج طريقاً أسلمَ؟ المذكراتُ تترك السؤالَ مفتوحاً، وهذا من أمانتها.
في نقد المصادر، متى نصدّق الشاهد؟
قيمةُ «تاريخ حياتي» تاريخياً من الدرجة الأولى، لأنه مصدرٌ أوّليٌّ نادر: شهادةُ أنصاريٍّ من الداخل تكمّل، ولا تعارض، أدبَ الأسرى الأوروبيين وأرشيفَ أبي سليم. لكنّ للمصدر حدوده: فهو مكتوبٌ من الذاكرة بعد عقود، ومعرَّضٌ لانتقائية النسيان ولتلوين المتأخّر لما مضى؛ وهو، كما لاحظ قارئوه المدقّقون، يقدّم غالباً «الوجه الناعم» للحقبة، فإذا قِيس بروايات ونجت وأوروالدر وجيغلر وإيف تراوت باول بدا ألطفَ مما كان [8]. ثم إنّ فيه صمتاً لافتاً عن أحداثٍ كبرى لم يُشِر إليها، وهو صمتٌ يحتاج قارئه إلى وعيٍ به [6].
القاعدةُ إذن هي قاعدةُ بابكر نفسه: نصدّق الشاهدَ حين يصدّقه معاصروه وأرشيفُهم. وحين نطبّق ميزانَه عليه، يخرج الكتابُ رابحاً في الجملة، متحفَّظاً عليه في التفاصيل، وهذه أعدلُ منزلةٍ لمصدرٍ من هذا النوع. وقد أجمع دارسوه المعاصرون، ومنهم أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك، على أنّ المذكرات وثيقةٌ نادرةٌ في صدقها وجرأتها، تتجاوز سيرةَ الفرد إلى لوحةٍ بانورامية لحياة السودانيين [10].
خلاصاتٌ وإضافات
يبقى «تاريخ حياتي» حلقةً في سلسلة الكتابة السودانية عن الذات والتاريخ، تصل ما بين «طبقات ود ضيف الله» و«كاتب الشونة» وبين السيرة الحديثة؛ غير أنّ بابكر أضاف إليها جرأةً على النفس لم تكن مألوفة. ومن مفارقاته أنّ رجلاً بدأ محارباً بحدّ السيف انتهى إلى الإيمان بأنّ أمضى سلاحٍ هو القلم، وأنّ أولَ رصاصةٍ في معركة النهضة أن تتعلّم البنت. ومن مفارقاته الأكبر أنّ «المستَعمَر» فتح لبناته باباً ترددت الإدارةُ في فتحه، وأنّ رجلَ الدين هو من أحرق تاريخَه، لا رجلُ الاستعمار.
وأمّا ما يستحق أن يُضاف، فأنّ الكتاب ليس سيرةَ فردٍ، بل، أطلسٌ اجتماعيٌّ لشمال السودان ووسطه: أسواقُه وأسعارُه وأعرافُه وأمثالُه، بلغةٍ محمّلةٍ بالتعبيرات الدارجة تكاد تُرى بالعين لا تُقرأ بها، حتى وصفه بعضُ قرّائه بأنه يكتب «بعين السينمائي» [7]. وأنّ خلوداً كهذا لرجلٍ لم يُكمل تعليمَه النظاميَّ هو أبلغُ برهانٍ على أطروحته: أنّ العلم، لا النسبَ ولا السيفَ، هو ما يبقى.
المصادر والمراجع
[1] بابكر بدري، تاريخ حياتي (المذكرات في ثلاثة أجزاء)، السيرة الذاتية بقلم صاحبها؛ نسخة رقمية:
https://archive.org/details/MyLifeP2
[2] Babikr Bedri, The Memoirs of Babikr Bedri, Vol. 1, translated by Yousef Bedri and George Scott, introduction by P. M. Holt, London: Oxford University Press, 1969.
[3] Babikr Bedri, The Memoirs of Babikr Bedri, Vol. 2, translated and edited by Yusuf Bedri and Peter Hogg, introduction by G. N. Sanderson, London: Ithaca Press, 1980. Digital copy:
https://archive.org/details/memoirsofbabikrb0000unse
[4] «بابكر بدري رائد تعليم الإناث في السودان»، الجزيرة نت، 9 نوفمبر 2025:
https://www.aljazeera.net/culture/2025/11/9/بابكر-بدري-رائد-تعليم-الإناث-في
[5] «المناضل السوداني بابكر بدري.. معلّم البنات الذي واجه الاحتلال وتقاليد السكان»، الجزيرة الوثائقية، 27 يوليو 2024:
https://doc.aljazeera.net/cinema/2024/7/27/بابكر-بدري-معلم-البنات-الذي-واجه
[6] أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب، «قراءة في مذكرات الشيخ بابكر بدري: أنصاري مجاهد، فلماذا عارض الثورات المسلحة بعد كرري؟»، سودانايل، 16 سبتمبر 2021:
https://sudanile.com/قراءة-في-مذكرات-الشيخ-بابكر-بدري-أنصاري/
[7] هشام الحلولا، «الطليعي بابكر بدري… تاريخ حياتي»، سودانايل، 27 مايو 2026:
https://sudanile.com/الطليعي-بابكر-بدري-تاريخ-حياتي/
[8] علي يس الكنزي، «تاريخ حياتي لبابكر بدري: الإمتاع والمؤانسة»، سودانايل.
[9] «بابكر بدري.. رجل بقامة وطن»، جريدة الراية، الدوحة، 3 مايو 2026:
https://www.raya.com/2026/05/03/بابكر-بدري-رجل-بقامة-وطن
[10] «ليلة الشيخ بابكر بدري… يا سرّ الليالي» (ندوة كتارا، مداخلة أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك)، سودانايل، مايو 2026:
https://sudanile.com/ليلة-الشيخ-بابكر-بدري-يا-سرّ-الليالي/
[11] «28 يوليو 1889: ذكرى واقعة توشكي»، صحيفة الراكوبة، 4 أغسطس 2016:
https://www.alrakoba.net/694672/28-يوليو-1889-ذكرى-واقعة-توشكي/
[12] «قراءة في كتاب تاريخ حياتي لمؤلفه الشيخ بابكر بدري»، منتدى سودانيات (لتفصيل الكراريس الست وموضع الرواية في الجزء الثاني):
http://www.sudanyat.org/vb/archive/index.php/t-40451.html
[13] «معركة توشكى»، الموسوعة الحرة (ويكيبيديا العربية):
https://ar.wikipedia.org/wiki/ توشكيمعركة
