تفكيك النظام .. جدلية الثورة والقانون .. بقلم: نصرالدين حسن محمد/المحامي
11 مايو, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
42 زيارة
حزمة ضوء …
من حين لاخر ، نطالع بعض الكتابات التي تشكك في صحة وسلامة المنهج الذي سلكته ، والطريقة التي اتبعتها الحكومة الانتقالية ، في إنفاذ مهمة تفكيك نظام الثلاثبن من يونيو 1989 ، وإزالة تمكينه ، واسترداد الاموال المنهوبة ، كواحدة من المهام الأساسية للفترة الانتقالية ، لذلك كان لزاما علينا إلقاء بعض الضوء علي دواعي اصدار قانون تفكيك النظام .. وعلي أعمال اللجنة التي تشكلت استنادا علي نصوصه .. وقبل ذلك :
* لابد من التنويه الي أن من الواجب ألا ننسي ، اننا لا زلنا نعيش ” حالة ثورية ” ، ولم نصل بعد لمرحلة الدولة المستقرة ، وأن هذه الفترة ، فترة للانتقال من حال الي حال .. من اللادولة ، الي الدولة ، ..ومن حكم الفرد والحاشية ..الي حكم المؤسسات ..من نظام دكتاتوري ..الي آخر ديمقراطي ..ومن حالة سيولة مؤسسية وقانونية ، الي دولة مؤسسات ، يسود فيها حكم القانون .
* تبعا لذلك ، لم يكن مناسبا ، أن تتم محاكمة هذه الفترة واجراءاتها ، إلا وفق الأسس والمعايير التي تحكم فترات الانتقال ..والتي تختلف – حتما – عن تلك التي تسود في فترات الاستقرار .
اذ ، لا زالت الحالة الثورية مستمرة بشرعيتها اللازمة والمطلوبة ، ولا تستقيم المطالبة باخضاع اجراءاتها لذات الضوابط والقواعد الدستورية الراسخة ، التي يصار اليها بعد انقضاء الفترة الانتقالية ، اي بعد الانتقال من حالة الثورة ، الي حالة الدولة .
* تأكيدا لذلك ، كان الاتفاق السياسي الذي وقع بين قوي الحرية والتغيير ، والمجلس العسكري الانتقالي ، قبيل التوقيع علي الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية ، وقد ورد في كلا الوثيقتين ، ان تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 ، وازالة التمكين ، من مهام الفترة الانتقالية ، وصولا الي بناء دولة القانون والمؤسسات ..( الفقرة 19 / 12 من الاتفاق ، والمادة 8 / 15 من الوثيقة ) .
* ان من يطلع علي ديباجة الوثيقة الدستورية ، يدرك ، ودون عناء ، أنها ليست دستورا بالمعني الاصطلاحي الذي استقر في الفقه الدستوري ، كما أنها ليست إعلانا دستوريا ، وفق ما تعارف عليه الناس في إدارة الدول في فترات الانتقال ، التي تلي الثورات ..وهي – بهذا النظر – هجين ، بين هذا وذاك ، وهي ، – وإن نصت علي سمو أحكامها علي أحكام القوانين الاخري – إلا أنها لا تزال في درجة أدني من الدستور ، وأعلي من الاعلانات الدستورية .
* لذلك ، يمكننا القول : إن البلاد لا زالت تمر بفترة إنتقال ، ولا زالت تدار بكثير من قواعد ومطلوبات الشرعية الثورية ، تمهيدا للانتقال الي مرحلة الشرعية الدستورية ، والتي يؤمل ان نبلغها بنهاية الفترة الانتقالية .
* علي ضوء ما تقدم ، ينبغي – بل يلزم – النظر لكل ما يصدر عن أجهزة الحكم ، في هذا السياق والاطار ، ومحاكمته وفق اسس وقواعد الشرعية الثورية ، المستمدة من إرث وتاريخ الثورات المختلفة ، دون اخضاعها لقواعد ونظم إدارة الدول الديمقراطية المستقرة .
* ووفقا لنص المادة 16/ 1 ، من الوثيقة ، مقروءة مع المادة 8/ 15 منها ، لم يكن مطلوبا من حكومة الثورة ان تسن قانونا لمباشرة إنفاذ مهمة تفكيك النظام ، وازالة التمكين ، حيث كان متاحا لكل مستوي من مستويات الحكم ، ان يقوم بانفاذها فيما يليه بسند من الوثيقة ذاتها …غير أنها – أي الدولة – رأت ان تسلك طريقا آخر لانفاذ المهمة ، عبر اصدار تشريع خاص ينظم اجراءاته ، استدعاء لشعار الثورة في تحقيق العدالة منظورا اليه في سياقه الثوري ، فكان ميلاد قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 ، وازالة التمكين لسنة 2019 ، والذي اخذ بمبدأي الشرعية الثورية ، والقانونية ، دون افراط أو تفريط ، في احدهما أو كليهما ، بحيث أتاح للحكومة ان تباشر انفاذ تفكيك النظام ، بفعل ناجز ، في ذات الوقت الذي يتيح فيه لمن مسه هذا الفعل بضرر محتمل ، ان يلجأ للطعن فيه بالطريق الذي رسمه ذات القانون .
* يذهب المعارضون لقانون واعمال لجنة التفكيك ، الي القول بأن أعمال لجنة التفكيك تعد مصادرة لاموال خاصة ، دون محاكمة ، ودون تعويض ، وأن هذا يعد مخالفة لقواعد العدالة ، ولما نصت عليه المادة 61/ 2 ، من الوثيقة الدستورية ، التي تنص علي انه : ” لا يجوز نزع الملكية الخاصة الا بموجب قانون ، وللمصلحة العامة ، وفي مقابل تعويض عادل وفوري ، ولا تصادر الاموال الخاصة ، إلا بموجب حكم قضائي ” .
* من المعلوم ان المصادرة ، عقوبة يقررها القانون ، وتوقعها المحاكم ..ولجنة التفكيك ليست محكمة ، وبالتالي ، لا يمكن اعتبار ما يصدر عنها ، حكما ، ولا يمكنها ان تصدر حكما بمصادرة مال ، ولم تفعل ، وما ينبغي لها ذلك .
* ينص قانون التفكيك ، علي سلطة لجنة التفكيك في استرداد الاموال التي نتجت عن اي عمل من اعمال التمكين ، او فعل من افعال الفساد ، أو كان من عائدات اموال نتجت عن اي من ذلك ..
وليس من المتصور ان يكون الاسترداد إلا لصاحب الحق الاصلي / الشرعي ، من آخر متعد ، ولن يتم ذلك إلا بعد البحث والتحري والتقصي والتحقق من موجبات الاسترداد ، وتوافر واقعة أو وقائع تكشف عن عمل من أعمال التمكين ، او فعل من افعال الفساد ، كانت سببا أو طريقا الي تملك الشخص المعني للمال محل الاسترداد ، وبعد كل هذا ، يحق لهذا الشخص ان يثبت لدي اللجنة ، أو لجنة الاستئنافات ، أو الدائرة القضائية في نهاية الأمر ، صحة تملكه للمال محل الاسترداد ، أو اثبات خطأ قرار اللجنة بما ينفي عن ذاته ، اتيان عمل من اعمال التمكين ، او فعل من افعال الفساد ، أو انه لم يكن واجهة للحزب المحلول ، بما أدي لتملكه للمال المقصود .
* ان منطوق ومقتضي المادة 61/ 2 من الوثيقة ، لا يمكن ان يحمل إلا علي مقصوده الفعلي ، حيث لا يمكن الاحتجاج به الا اذا كان التملك في مبتدئه صحيحا ، وبوسائل سليمة ، وغير ناتج عن اي من موجبات الاسترداد المنصوص عليها في قانون التفكيك ، والقول بغير ذلك ، لا يعدو ان يكون مغالطة غير جديرة بالاعتبار ، او الالتفات اليها .
* يضاف الي ما تقدم ، ان كلمة الاسترداد ، وإن بدا وقعها غريبا بعض الشيء علي الاذن القانونية ، إلا ان وجه الغرابة ينتفي اذا استبعدنا معني المصادرة عن كلمة الاسترداد ، لإختلاف المصدر اللغوي لكلا الكلمتين ، واختلاف المعني الاصطلاحي كذلك ..وكلاهما له اصله في نصوص اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد ، وقد افصح المشرع الثوري عن قصده عند تعريف كلمة الاسترداد في قانون التفكيك..
* أما الاحتجاج بأن قانون التفكيك قد ألقي بعبء الاثبات علي عاتق الشخص المعني ، فليس ذلك مما ابتدعه المشرع في هذا القانون ، وله اسوة حسنة في كثير من النصوص في قوانين سارية منذ القدم ..ونشير لقانون الجمارك مثالا .
* كذلك نشير الي ان نزع الاموال الخاصة ، بعمل من أعمال الادارة ، يعد من الممارسات القانونية المستقرة منذ القدم ، وما قانون نزع الملكية لسنة 1930 بخاف علي احد ، حيث رسم طريقا خاصا للتظلم ، شبيها بما رسمه قانون التفكيك ، مع الفارق ..
* كذلك تجدر الاشارة الي ان ما تقوم به لجنة التفكيك ليس خاتمة المطاف ، فالمحاكمة لا زالت خيارا ينتظر من افسد ، ولن يفلت احد من العقاب ..
* وعودا علي بدء ، فانه لا بد من التأكيد علي ضرورة النظر الي قانون التفكيك ، واعمال لجنة التفكيك ، في سياق الاعمال الصادرة عن شرعية ثورية لازمة لفترة الانتقال ، استجابة لمطلوبات الثورة والثوار .
نصرالدين حسن محمد ..المحامي
11/5/2020
aadvoaahmad2019@gmail.com
//////////////////