ثقـــافة مجتمـعية … بقلم: عبدالله علقم


(كلام عابر)

 كتب الأستاذ فهمي  هويدي عن واقعة الرئيس الألماني كريستيان فولف الذي انتخب لمنصبه حديثا واضطر للإنتقال من موطنه في مدينة هانوفر إلى برلين العاصمة ، وفي برلين فشل في  إلحاق ابنه بدار حضانة حكومية تتقاضى أسعارا رمزية حيث لم يجد مكانا شاغرا لأن الأماكن المتوفرة في الحضانات أو المدارس الحكومية لا تستوعب سوى 43% من أطفال مدينة برلين، فاضطر السيد الرئيس إلى تسجيل ابنه في قائمة الانتظار التي تضم كل عام عشرات الأطفال لحين خلو أحد الأماكن ، وقال الرئيس لبعض أجهزة الإعلام  أن منصبه يحظى باحترام كبير حقا، لكن ذلك لا يعني أن يغير من نمط حياته هو وعائلته،أو أن يعاملوا معاملة خاصة تميزهم عن غيرهم من المواطنين. وقال الأستاذ فهمي "إن الرؤساء الذين نعرفهم ما إن يقبض الواحد منهم على منصبه حتى ينتقل من مصاف البشر إلى مصاف الآلهة" ولذلك كان طبيعيا أن يعجز المستشار عن حجز مكان لابنه في الحضانة "في حين أن الآلهة في أقطارنا يحجزون الأوطان كلها لأبنائهم".

هي في الحقيقة ثقافة مجتمعية أكثر من كونها مسلك شخصي لمسئول بعينه في بلد معين من بلدان العالم، سواء كان الحاكم في مصاف البشر العاديين أو في مقام أعلى منهم. كلا الحاكمين  سليل ثقافة مجتمعية معينة هي التي تشكل تصرفاته. حكى لي قبل سنوات أحد معارفي أنه كان مسافرا بالقطار في عطلة نهاية الأسبوع في السويد وتصادف أن كان مسافرا معه على نفس القمرة رئيس وزراء السويد الراحل أولف بالمة ، استغرب صاحبنا من تلك المفارقة،كيف لرجل ذي مكانة عالمية مرموقة وحاكم دولة بمكانة السويد أن يسافر معه كراكب عادي على نفس الدرجة ونفس القمرة بهذه البساطة. وفوق ذلك كان بالمة هو الذي ابتدر معه الحوار ثم أخذ يصغي باهتمام شديد ويطرح بعض الأسئلة حينما كان صاحبنا يحدثه عن السودان، وردا على تسائل تحرج صاحبنا من طرحه بشكل مباشر ولكنه لم يفت على حصافة بالمة، قال إنه في عطلة قصيرة خاصة وليس هناك ما يمنعه من ركوب القطار ويفعل مثلما يفعل الآخرون. المهم أن الرحلة  انتهت وترجل  الإثنان من القطار ثم ذهب كل واحد منهما  في سبيله، ولم يكن هناك من مستقبل لأولف بالمة، ليس ذلك فحسب، كما لاحظ صاحبنا، ولكن أولف بالمة تسلل خارجا من المحطة في هدوء كغيره من المسافرين.

كريستيان فولف الذي أثار إعجاب الأستاذ فهمي هويدي، ومن قبله أولف بالمة، وكثيرون غيرهما،لم يأتوا من فراغ، ولم يكن مسلكهم مجرد اجتهادات وقناعات شخصية ومناعة خلقية معزولة عن المجتمع، ولكنهم حصاد تراكمات حضارية  وتجارب طويلة  امتدت عبر  قرون وعقود من الزمان لم تكن خالية من الدماء والصعود والسقوط، وهم أيضا تجسيد لثقافة اجتماعية اتخذت شكل المؤسسية الثابتة، تعلي من  قيمة العقل وقيمة الإنسان .  
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com

عن عبد الله علقم

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً