جمال محمد أحمد: “سالي فو حمر” وعبقرية الجسر الثقافي

بقلم: هشام الحلو
حين يتردد صدى التحية النوبية المهيبة “سالي فو حمر” في فضاء الفكر السوداني، فإنها لا تستدعي مجرد ترحيب عابر، بل تستحضر القامة الشامخة لجمال محمد أحمد؛ ذلك الرائد الذي انطلق من قرية “سره شرق” ليصوغ وجدان أمة بأكملها. إن انتماءه لتلك الأرض العريقة لم يكن مجرد صدفة جغرافية، بل كان النبع الأول لثقافته الموسوعية، حيث تجلت عبقريته في قدرته على مزج التاريخ بالخيال الشعبي، ليقدم لنا في نصه البديع “سالي فو حمر” مرثية للحضارة والقيادة، مستدعياً شخصية الملك “فارلماس” ليرمز بها إلى عزٍّ مفقود.
لقد استطاع جمال محمد أحمد أن يجسد في هذا النص فلسفة الحكم والولاء؛ فجعل من “فارلماس” ملكاً استثنائياً ملأ الأسماع والأبصار، وكان ملكاً ذكياً لا يبت في أمر دون مشورة رعيته. ومن خلال لسان “ود الحصول”، نكتشف عمق المأساة التي حلت برحيل هذا القائد، حيث انتهت بانتهاء أيامه أمجاد بلادنا التي كانت حافلة بالعظمة؛ وهنا لا يؤرخ جمال للماضي فحسب، بل يضع يدنا على مكمن القوة في الشخصية السودانية التاريخية التي تقوم على الشورى والعدل، حتى إن الملوك الآخرين كانوا يفدون إلى بلادنا التماساً للنصح والإرشاد.
وفي قراءته لأسباب الانهيار، يربط الكاتب بين المكر الخارجي والخيانة الداخلية، مصوراً كيف تفرقت الجيوش بتدبير الأعداء، بينما تكفل “الكهان” بتخريب الجبهة الداخلية والتغرير بالبسطاء، حتى مات القائد وسيفه في يده؛ يحارب أعداء الخارج تارة، والكائدين في الداخل تارة أخرى. هذه الحبكة الدرامية ليست مجرد قصة عن “نبتة” القديمة، بل هي “مانيفستو” سياسي واجتماعي يعكس رؤية جمال محمد أحمد للهوية والصراع، وهي ذات الرؤية التي بسطها في كتابه العمدة “عرب وأفارقة”، محاولاً فك الاشتباك بين مكونات الذات السودانية.
لقد قدم جمال محمد أحمد لغةً متفردة جمعت بين جزالة التعبير العربي ودقة المنطق الغربي، فكانت كتاباته قطعاً فنية تفيض بالرصانة، وتجاوزت إسهاماته حدود التأليف إلى دور “المبشر” بالعبقرية السودانية؛ فكان الأب الروحي والمعلم الأول للروائي العالمي الطيب صالح، إذ تأثر الطيب بعمق بموسوعية جمال، واستلهم منه تلك النظرة الكلية للعالم التي تجلت لاحقاً في “موسم الهجرة إلى الشمال”.
إن إرث جمال محمد أحمد يكمن في قدرته الفائقة على أن يظل نوبياً خالصاً في ولائه لـ “سره شرق”، وعالمياً في سعة أفقه. ومع رحيله، انطوت صفحة من صفحات “فن القصص” الرفيع، تماماً كما اختفت مملكة نبتة في قصته، ولم يبقَ لنا سوى ما يردده التجار والناس في “سوق الأبيض” وهم يتذكرون ذلك الرجل الذي كان “شهرزاد بلادنا”. سيظل اسم جمال محمد أحمد مرادفاً للرقي الأدبي، وحارس الذاكرة التي لا تنطفئ جذوتها، تحتفي به “سالي فو حمر” في كل حين، وتستحضره كقيمة حضارية وجسر ثقافي لا يتزعزع.

hishamissa.issa50@gmail.com

عن هشام الحلو

شاهد أيضاً

حرب النهر.. ونستون تشرشل

بقلم : هشام الحلوحين يكتب “ونستون تشرشل” عن السودان في مقتبل عشرينياته، فهو لا يكتب …