جنوبيو البرلمان: الاتفاق السياسي يواجه بمأزق القانون … تقرير: خالد البلولة إزيرق

 


 

 

جدل حول استمرارهم

من جديد عاد سجال استمرار النواب الجنوبيين في البرلمان من عدمه، يطل على المشهد السياسي، بعد أن أمنت رئاسة الجمهورية في اجتماعها الاخير الذي اقرت فيه بان تظل المؤسسات قائمة الى حين انتهاء اجل الفترة الانتقاليه في التاسع من يوليو القادم، موعد الاعتراف بالدولة الجديده وذهاب الجنوب رسمياً عن الشمال، ليعيد رئيس المجلس الوطني احمد ابراهيم الطاهر، السجال مجدداً حول انتهاء اجل النواب الجنوبيين في البرلمان حينما اعلن ان الدورة الجديدة للبرلمان في ابريل المقبل ستنطلق بعضوية الشماليين فقط، وأكد بدء الترتيبات في اخلاء البرلمان من النواب الجنوبيين وفقاً لنتائج الاستفتاء التي رجحت الانفصال.
ويبدو ان اتجاهاً قوياً بدأ داخل المؤتمر الوطني التحرك باتجاه انهاء بقاء البرلمانيين الجنوبيين في المجلس الوطني، حيث كانت تتقاطع رؤيتان داخل اروقة المؤتمر الوطني منذ أن رجحت كفة الانفصال في الاستفتاء الماضي، فبينما كان يمضي فريق بإنهاء الفترة الانتقاليه مع اعلان مفوضية الاستفتاء للنتيجة الاستفتاء، وبالتالي انتقال جنوبي المجلس الوطني ووزراء الجهاز التنفيدي والمستشارين وموظفي الخدمة المدنية الى الجنوب مباشرة، وتكوين حكومة جديده في الشمال، كان هناك فريق آخر يرى بان الفترة الانتقاليه يجب ان تنتهي بحسب ما نصت عليه اتفاقية السلام الشامل في التاسع من يوليو المقبل، وأن تستمر الاجهزة القائمة تؤدي مهامها بذات التكليف في حلحلة القضايا العالقة والملفات المشتركة التي تتطلب الحوار. وقال قانوني لـ»الصحافة» ان الدستور صمت عن توقيت اخلاء المناصب، فأصبح لدينا نص قانوني ولكن لا يوجد توقيت، وفي هذه الحالة يعالج الوضع عن طريق اعمال القواعد القانونية المتفق عليها في تفسير النصوص القانونية، وهناك من القواعد التي تفضل التفسير الذي يحقق غرض المشرع، وهو تحقيق المصلحة العامه، على ضوء الوضع القائم.
ليثير مجدداً ايداع وزارة العدل وثيقة لمراجعة الدستور الانتقالي حذفت منها كافة البنود المتعلقة بالجنوب والفترة الانتقاليه، موجة من الجدل تباينت حولها المواقف والرؤى بين نواب المؤتمر الوطني أنفسهم، حيث رأى بعضهم استمرار مؤسسات الدولة كما هي عليه حتى التاسع من يوليو، وارجاء اية تعديلات او تحسينات او اسقاطات من الدستور الانتقالي بعد الفترة الانتقالية، فيما تمسك آخرون بالتطبيق الحرفي للدستور الانتقالي فيما يتعلق بإخلاء مواقع الجنوبيين خاصة في الهيئة التشريعية القومية، حيث نص الدستور على اخلاء نواب البرلمان لمقاعدهم في الهيئة التشريعية القومية بمجرد كانت نتيجة الاستفتاء لصالح الانفصال. حيث سلم وزير العدل الهيئة التشريعية القومية نسخة من الدستور الانتقالي بعد ان قامت الوزارة بمراجعته واسقاط كافة المواد المتعلقة بالجنوب عنه، وتقليص مواده من (226) الى (128) مادة، مؤكدا لدى ايداعه المسودة ان الدستور الذي سيسري على السودان الشمالي هو الطبعة المراجعة واشار الى انه سيظل يحكم البلاد لحين وضع دستور دائم، واوضح بأن المراجعة لا تعني تعديلا للدستور وانما الدستور نقح نفسه قاطعا بأن ذلك لا يحد من اجراء التعديلات عليه في مرحلة لاحقة. وكان الاستاذ نبيل اديب، الخبير القانوني قال لـ»الصحافة» ان الدستور الانتقالي يحكم الفترة الانتقالية الى التاسع من يوليو القادم، وكذلك الشراكة القائمة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية ستظل قائمة الى التاسع من يوليو القادم، وبالتالي مغادرة التنفيذيين والتشريعيين الجنوبيين للشمال يجب ان تتم متزامنة مع قيام دولة الجنوب بعد انتهاء الفترة الانتقالية، مشيرا الى ان الدستور لم يشر الى انه باعلان نتيجة الاستفتاء اذا كانت لصالح الانفصال يغادر التنفيذيون والتشريعيون الجنوبيون، واضاف «اذا كان الامر كذلك لنص الدستور على انهاء الفترة الانتقالية بعد ظهور نتيجة الاستفتاء مباشرة» واضاف «بعد ظهور نتيجة الاستفتاء ستظل الدولة السودانية قائمة الى التاسع من يوليو وستنشأ دولة جديدة في الجنوب في التاسع من يوليو، وبعدها سيغادر التنفيذيون والتشريعيون الجنوبيون».
اذاً حالة من السخط سادت وسط النواب الجنوبيين الذين بدأ بعضهم في حزم حقائبه استعدادا للرحيل من قبة البرلمان التي لم يعد وجودهم فيها له شرعيه اذا ما مضى الاتجاه الدافع باتجاه انهاء فترة تواجدهم في البرلمان مطلع ابريل القادم. ويبدو ان الجدل الدستوري والقانوني القائم بين مؤيد ومعارض لانهاء عمل النواب الجنوبيين في البرلمان يكمن في ان القائلين باستمرار النواب الجنوبيين الى حين انتهاء الفترة الانتقاليه يستندون على المواد (67-2) والماده (69) من قانون الاستفتاء والتي تنص على ان تستمر مؤسسات الدولة بما فيها المجلس الوطني بشكله الحالي حتى نهاية الفترة الانتقاليه في التاسع من يوليو المقبل، واستنادا الى ذلك يدعو القائلون بعدم الرحيل الآن للنواب الجنوبيين بإرجاء النظر في امر المراجعة الدستورية الى ما بعد التاسع من يوليو، حيث تنص المادة (226-9) على ان يحكم هذا الدستور الفترة الانتقالية، ويكون خاضعاً لأي تعديل أو مراجعة وفقاً للمادة 224 ويظل سارياً إلى حين اعتماد دستور دائم. وكان الدستور نفسه والاتفاقية قد حددا نهاية الفترة الانتقاليه في التاسع من يوليو القادم. كما نصت المادة (67) في قانون الاستفتاء في بند ترتيبات ما بعد الإستفتاء، على ان يبقى السودان دولة موحدة وفقاً لإتفاقية السلام الشامل والدستور حتى إنتهاء الفترة الإنتقالية، ويظل الدستور سارياً الى حين إعتماد دستور دائم ويكون خاضعاً لأي تعديل أو مراجعة، وفي حالة تصويت شعب جنوب السودان لخيار الإنفصال، تطبق الحكومة في نهاية الفترة الانتقالية أحكام المواد 69(2)، 118(2) ، 145(1) و226(10) من الدستور. حيث تنص المادة (226) على «إذا جاءت نتيجة الاستفتاء حول تقرير المصير لصالح الانفصال فإن أبواب وفصول ومواد وفقرات وجداول هذا الدستور التي تنص على مؤسسات جنوب السودان وتمثيله وحقوقه والتزاماته تُعتبر ملغاة».
فيما يستند المساندون الى انهاء اجل تواجد النواب الجنوبيين في البرلمان باعلان نتيجة الاستفتاء، الى الدستور الانتقالي الدي نص وفقاً للمادة (118) على انتهاء اجل النواب الجنوبيين في البرلمان بمجرد كانت نتيجة الاستفتاء لصالح الانفصال. ويبلغ عدد الجنوبيين في الهيئة التشريعية القومية حوالي (99) نائباً، حيث ينص الدستور في المادة (118-2) في حالة التصويت للانفصال من قبل مواطني جنوب السودان، تُعتبر مقاعد الأعضاء الجنوبيين في الهيئة التشريعية القومية قد خلت وتُكِمل الهيئة التشريعية القومية بعد إعادة تشكيلها على هذا النحو أجلها لحين الانتخابات القادمة. وبناءاً على ذلك فإن رئيس البرلمان احمد ابراهيم الطاهر، الذي يقود حملة إنهاء اجل النواب الجنوبيين في البرلمان يستند في دعواه الى هذا النص الدستوري، باعتبار انه اذا حدث الانفصال تعتبر مقاعد النواب الجنوبيين قد خلت.
وبعيدا عن اختلاف التفسير القانوني الذي يجري داخل قبة البرلمان، فإن هناك اتفاقاً سياسياً تم بين الشريكين «المؤتمر الوطني والحركة الشعبية» تم تقنينه من خلال اجتماع مؤسسة الرئاسة مؤخراً، والذي حسم الجدل الذي كان سائدا فيما يتعلق باستمرار تشريعي وتنفيذي الجنوب في الخدمة، حيث اقر الاجتماع ان تستمر المؤسسات القائمة بموجب الاتفاقية الى التاسع مع يوليو القادم، ويرى مراقبون ان التطور الجديد الذي دفع بالمراجعة الدستورية وابعاد النواب الجنوبيين ربما يرجع لخلاف بين قيادات المؤتمر الوطني فيما يتعلق بالاتفاق حول استمرار الفترة الانتقاليه الى التاسع من يوليو المقبل، وما يعضض من ذلك ان التعديلات موضع الجدل لم تمر عبر مجلس الوزراء الذي من المفترض ان يجيزها قبل عرضها على البرلمان، بل قامت وزارة العدل بتقديمها للبرلمان مباشرة. فيما وصف مراقبون عملية اسقاط مواد من الدستور الانتقالي لاسقاط عضوية نواب الحركة الشعبية في البرلمان بانها ترسل اشارات سالبه للشريك الآخر، وانها يمكن ان تعقد سياسيا كثيرا من القضايا موضع الحوار والنقاش بين الشمال والجنوب. وسبق للحركة الشعبية أن قالت ان منسوبيها سيبقون في مناصبهم الى نهاية الفترة الانتقالية حسبما نص الدستور في تحديده للفترة الانتقالية، وقال القيادي بالحركة الشعبية أتيم قرنق نائب رئيس المجلس الوطني، ان لا صحة للحديث عن فقدان الجنوبيين لوظائفهم حال إعلان نتيجة الاستفتاء، وأكد أن قيام حكومة الشمال بهذا الإجراء سيقابله فقدان حصة الشمال من نصيب بترول الجنوب.

khalid balola [dolib33@hotmail.com]

 

آراء