ابنتي مريم ذات الاربع سنوات جاءتني قبل عدة اسابيع ووجدتني حزينا مهموما علي استحلال قتل الانسان في السودان وكانت سعيدة ومسرورة لانها تعلمت وحفظت اول حديث في المدرسة فقالت لي انا عندي حاجة حفظتها في المدرسة واحب ان تسمعها والقت علي مسامعي الحديث باللغتين الانجليزية والعربية فقالت A Muslim is he from whose hand and tongue other muslims are safe.
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) اثنيت عليها ودعوت الله ان يحفظها
تأملت ذلك الحديث وتالمت لحال بلدنا وحزنت علي قياداتنا التي ادخلت نفسها في دائرة لعنة الله وغضبه وعذابه العظيم لان قلوبهم لاتفقه عظم ظلمهم لنفسهم فهل يامنون مكر الله؟ . نعم ان لانظمة الحكم الاستبدادية تاريخ طويل من القتل والمجازر والاقتتال للحفاظ علي السلطة المطلقة . واحمد الله علي ترقي نظم الحكم في العالم واتساع رقعة الاحترام العالمي لحقوق الانسان ونعمة النظام الديمقراطي الذي تكفل فيه الحريات وتحفظ فيه الحقوق وتسود فيه العدالة ويتم فيها تداول السلطة سلميا دون اهراق اي دماء. وكما هو معلوم ان جوهر الديمقراطية هو كبح جماح والحيلولة دون طغيان الحاكم وفساده فكان تقسيم وتوازن السلطات افقيا وراسيا وتفعيل الضبط فيما يعرف بال checks and balances بين السلطات المختلفة لضمان عدم طغيان اي سلطة علي الاخريات.
شاهدت في الولايات المتحدة انتخاب اول رئيس اسود وهو باراك اوباما وصعود السود في سلم قيادة المؤسسات وارتفاع دخولهم والترقي للاعلي في السلم الاجتماعي في ظل دولة كانت حتي ستينات القرن الماضي محتكرة تماما للبيض وكان السود مضطهدين ومظلومين ظلما شديدا وحقوقهم منكرة تنكرها الدولة وتتامر عليهم انظمتها الامنية والاستخبارية لدرجة قتل قياداتهم امثال المسلم مالكوم اكس والقس مارتن لوثر كنج .واطلعت كذلك علي تاريخ وتنوع نضال السود في امريكا من اجل الحقوق المدنية والسياسية والمساواة امام القانون والعدالة الاجتماعية.
وحقيقة يرجع الفضل الي صعودهم وترقيهم الماثل اليوم لسنة من سنن الله في خلقه وهو نضالهم وثورتهم علي الوضع القديم الذي ساد فيه الظلم وانتهاك الحقوق والاجرام المنظم والمنهجي والعنصرية.
بصورة اخري لو استكان وخضع السود في امريكا للقوانين الظالمة والسلطات الغاشمة ولم يطالبوا بحقوقهم لما تغير شئ ولظلوا في حياة الظلم والذلة يرذلون . يقول الله تعالي {إِنَّ اللَّـهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم } [الرعد:11] ويقول رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
ان اهداف ثورة ديسمبر تتمثل في الحرية والسلام والعدالة وحلم الشباب والشابات الذي يستحقونه ان يعود السودان دولة ديمقراطية ذات احترام وعزة وسيادة ويصبح الشعب السوداني آمنا مطمئنا سلما وسلاما علي نفسه والجوار ليبني الثقة والاحترام مع جيرانه وكل العالم من حوله.
الثورة هدفها قيام الجمهورية الدستورية الديمقراطية الثانية القائمة كما هم معلوم علي سيادة القانون واحترام حقوق الانسان والتنمية العادلة والمتوازنة
من اجل تحقيق هذا الهدف يحتاج السودانيون الي :
(١) نقد وتعديل التصورات والمفاهيم المحدودة عن القيادة والمعارضة والسلطة والآخر و الحريات والهوية والعلمانية والشريعة والديمقراطية والشرعية.
(٢) محاصرة هوي النفس وترويضها علي عدم جحود مع التقييم الجيد والموضوعي والتقدير لتصورات ورؤي الاخر من خارج الجماعة والتنظيم والحزب والمؤسسة العسكرية وغيرها. يجب ان نتعلم من قيمنا وعاداتنا الاجتماعية كيف ننظر للمشكلات من زوايا اخري ؟ فهل جربنا مرة ان ننظر لمشكلة بموضوعية من منظور غريمنا السياسي او عدونا؟؟؟ ان الاختلاف سنة ونعمة من الله بغرض التعلم وزيادة المعرفة.
(٣) ان نعيد تعريف الاخر السياسي وحقوقه و القضايا الخلافية بدافع المصلحة العامة وليس الانتصار للذات او الصراع السياسي. وهذا لا يتأتي الا بالحوار مع الآخر بحرية وشفافية ووضوح.
(٤) الاقرار بان العقل السوداني والخبرة السودانية والكفاءة الادارية والاقتصادية والوطنية والتضحية والمصلحة العامة موزعة بين الفاعلين السياسيين لا يحتكرها حزب او مؤسسة او جيش . التحدي امامنا ان نجمع هذا الشتات من اجل ان ننتصر للمستقبل .
المؤسف ان الجهة الوحيدة التي تجتهد في اقامة حوار بين السودانيين هي الامم المتحدة وتغيب تماما المؤسسات الوطنية التي كنت ارجو ان تمارس دورا في تقريب الشقة بين السودانيين بادارة حوار شفاف وصريح بقواعد واسس علمية تركز علي التبشير بالمصلحة العامة وتعريفها والاتفاق عليها و تعمل علي التضييق علي الانا والكيد السياسي والانتقام والمصالح الذاتية.
كذلك في الفترة السابقة كان السفراء الاجانب هم الاكثر حركة في التواصل مع الفاعلين السياسيين وكان الاجدر ان يقوم الفاعلين السياسيين السودانيين او المؤسسات السودانية بدور اكبر في التواصل وتقريب وجهات النظر .
لا شك ان المصلحة العامة تحتم التغيير وتجعل الثورة ضرورة.
شريف محمد شريف علي
مركز السودان للقيادة والديمقراطية والسياسات ٢/٨/٢٠٢٢
sshereef2014@gmail.com
///////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم