نزار عثمان السمندل
يبدو المشهد كوليمةٍ أُعدّت على عجل، ثم تُركت على نار الشكوك اللاهبة حتى احترق طعمها.
طاولة واحدة، وأيادٍ كثيرة. كل يد تُخفي خنجراً صغيراً تحت المنديل.
هيجاء سُمّيت «حرب الكرامة»، لكن ما يتسرّب من بين أصابع حلفائها يوحي بحكاية أخرى، حكاية قلوب متنافرة جمعتها ضرورة قاسية أكثر مما جمعها يقين مشترك.
تتحرّك الشخصيات داخل هذا المسرح بوجوهٍ متحفّزة، لا تطمئن إلى ما يقال في العلن، ولا تثق بما يُدبّر في الخفاء.
الحركات المسلحة، بأسمائها الثقيلة وتجاربها الأثقل، تنظر إلى عودة بعض قادة مليشيا «الدعم السريع» بعينٍ لا تنام. تسمية العودة «إلى حضن الوطن» تبدو، في هذا السياق، أقرب إلى استعارة مُتعَبة، لا تقوى على تبديد ريبةٍ ترسّخت عبر سنوات من الدم والخذلان.
جبريل ومناوي يقرآن المشهد كمن يقرأ رسالة مشفّرة، كل سطر فيها يحتمل تأويلاً مقلقاً، وكل فاصلة قد تخفي انقلاباً مُضمراً.
في الجهة الأخرى، تتوزّع جماعات بأسماء أقل صخباً في الإعلام، لكنها أكثر حدّة في الحساسية؛ النور القبة، السافنا، وغيرها من تشكيلات خبرت تقلبات الولاء. عيونها مشدودة نحو جيوش الحركات، كما لو أن كل طرف ينتظر لحظة انكشاف الآخر؛ أكثر فأكثر.
لغة التخوين لا تحتاج إلى منبر؛ يكفي أن تتسرّب همساً حتى تصير يقيناً.
التربّص هنا ليس سلوكاً طارئاً، وإنما غريزة سياسية تفرض إيقاعها على كل تفاهم هش.
الاصطفاف الذي يفترض أن يُنتج جبهة متماسكة، يتآكل من داخله. لواء البراؤون وجماعة كيكل يقدّمان مثالاً فاقعاً على هذا التآكل. الاتهامات المتبادلة تتدحرج ككرة ثلج، تكبر مع كل حادثة، ومع كل دمٍ يُراق. أصابع الاتهام التي امتدت في حادث اغتيال بعض أفراد أسرة كيكل لم تكن مجرد رد فعل عاطفي، بل تعبير عن مخزون كثيف من الشكوك المحتقنة.
حين يصل الشك إلى مستوى تسمية القاتل داخل المعسكر نفسه، يفقد الحلف تعريفه الأول، ويتحوّل إلى مساحة اشتباك مؤجل.
في الخلفية، يرتفع صوت «مستنفرين» آخرين. أولئك الذين يصنعون ضجيجاً يكاد يغطي على هدير المعارك. الناجي عبدالله والناجي مصطفى يلوّحان بخطابٍ يضخّم التوتر، يضغط على صورة «قائد الجيش»، ويعيد رسمها على نحو يوحي بالضعف والتردد. الكلمات هنا ليست مجرد توصيف، بل أدوات ضغط، تُستخدم لإعادة ترتيب موازين داخلية، ولإيصال رسائل تقال بشكل وقح أحياناً.
ظِلُّ الحركة الإسلامية يمرّ فوق هذا المشهد كغيمة داكنة. أسماء من طراز كرتي، كبر، هارون، أمين حسن عمر، عبدالحي يوسف، تحمل معها إرثاً من السلطة والدم والخلافات والانقسامات. بعض هذه الأصوات لم يتردّد في إعلان خيبة أمله، وبعضها ذهب أبعد، إلى حدود تكفير «القائد».
حين يبلغ الخطاب هذه الدرجة من القسوة، يتكشّف حجم التصدع في البنية التي يُفترض أنها تقدّم نفسها كحاضنة سياسية أو فكرية للحرب.
المفارقة أن الجميع يقاتل تحت عنوان واحد، بينما تتشظى العناوين الفرعية إلى ما لا نهاية. الكرامة، السيادة، استعادة الدولة، شعارات تتردّد بكثافة، لكنها تصطدم يومياً بوقائع تُضعف قدرتها على الإقناع.
ما الذي يمكن أن يجمع بين أطراف يشكّ كل منها في نوايا الآخر إلى هذا الحد؟ أي عقد غير مكتوب يحكم هذه العلاقة الملتبسة؟
الجواب لا يكمن في البيانات ولا في الخطب. يكمن في طبيعة اللحظة نفسها، لحظة تتقاطع فيها المصالح المؤقتة مع المخاوف العميقة. كل طرف يدرك أن المعركة لم تُحسم بعد، وأن الخروج منها خاسراً قد يعني نهاية الدور، أو على الأقل تراجعه إلى الهامش السحيق.
هذا الإدراك يفرض نوعاً من التماسك القسري، تماسك يقوم على الحاجة، ويُدار بميزان الحذر الدقيق.
تحت هذا السقف المتشقق، تستمر «حرب الكرامة» كعنوان كبير، بينما تتكاثر داخلها حروب صغيرة، غير معلنة، لكنها أشد تأثيراً على المدى البعيد. حروب الثقة المفقودة، وحسابات ما بعد المعركة، وترتيبات «سرقة السلطة» التي تجري على قدم وساق؛ دون أن تتضح معالمها بعد.
كل ذلك يجعل من المشهد أقرب إلى ساحة تتجاور فيها البنادق والشكوك، حيث يصبح الحليف مشروع خصم، ويغدو الانتصار سؤالاً مفتوحاً على احتمالات لا يثق أحدٌ في تحقّقها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم