حكاية الخير والطاهر

قصة قصيرة

الخير والطاهر مزارعان نشيطان وطيّبان كما يصفهما جميع أهل القرية، يزوران دائما أقاربهم وجيرانهم المرضى، يؤديان صلاة الجمعة في المسجد ويؤديان صلاة العشاء في المسيد، وبعد الصلاة يحضران عشاءهما ليتناولا العشاء مع أهل القرية.
إذا رغبا في تناول الخمور صيفا بدافع البهجة يفعلان ذلك دون إثارة مشاكل في الطريق ودون أن يتشاجرا مع أهل بيتيهما. كل من يزور القرية يعرف أن الخير والطاهر مزارعان طيّبان، رغم أن خبيثا محليا قال مرة أن المزارع الطيّب يكون أحيانا مزارعا فاشلا، لا ينجح في الزراعة وبالتالي يضطر دائما لاستدانة قمح لخبز أطفاله واستدانة المال من جيرانه، وحين يضطر الانسان للاستدانة يصبح طيبا وبشوشا. وضرب الخبيث مثلا بمزارع كان يستدين الأموال من البنوك وحين يحين وقت سدادها ولا يتوفر له المال، يخرج ليؤدي الصلاة دائما بصوت جهوري في الشارع أمام بيته، حين يحضر رجال الشرطة للقبض عليه يجدونه غارقا في صلاته وابتهالاته، ولأنهم يخافون من الله فإنهم يؤجلون إلقاء القبض عليه، حتى يجدونه في مكان ما بعيدا عن الله.

قال الطاهر: الحمد لله يا زول الموسم نجح، أنا كنت خائف، البرد ما كان شديد السنة دي و أسعار الجاز تضاعفت، لكن ربك ستر، يمكن تأخير الزراعة نفعنا، لو كنا بكرنا بالزراعة كان الحر خلاها تعطش!
كانا على ظهر لوري متجه الى الخرطوم يجلسان بفخر فوق نجاحهما، فوق محصول الفول والشمار.
مسح الخير شاربه بيده وقال: ربنا يستر والاسعار ما تنزل، لغاية قبل يومين كان السعر ماشي لي فوق، لكن السوق ما عنده ضمان. لو السعر نزل بالكاد حنقدر نسدد البنك ، معناها نطلع من الموسم بدون حمص، ولا حنقدر نشتري حاجة ولا ندفع مصاريف المدارس للعيال!
قال الطاهر وكأنه يحلم: داير اشتري لي بوكس، تعبت من ركوب الحمير، وعدت العيال قلت ليهم خلاص، شيلوا مراح الحمير من قدام البيت وأعملوا راكوبة للبوكس!
ضحك الخير وقال: أمبارح شفت حلم عجيب، قال نحن جينا بعنا الفول والشمار ورجعنا خامين قروش كتيرة، أدينا أي زول قابلنا في السكة منها، وبعد دة القروش ما نقصت، وكت رجعنا البلد لقينا الناس تغيرت، الطويل بقى قصير والقصير بقى طويل، حسن ود شيخ على، شفتو واقف يبيع ليه خضار في السوق، وكت سلمت عليه لقيت نفسي زي الطفل قدامه، الزول بقى طويل متل النخلة، سألتو قلت ليه الحصل عليك شنو؟ قال لي والله ظروف!

ضحك الطاهر ولاحظ: الناس وكت تكبر تعقل الا هو كلما ليه ماشي يجن!

في اليوم التالي باعا المحصول بأفضل قليلا من السعر الذي حلما به، وضعا النقود في حقيبة صغيرة أمسك بها الطاهر بكلتا يديه وضمها الى صدره، قال الخير: أعمل حسابك قالو البلد دي مليانة حرامية!

ضحك الطاهر وقال: وحراميتها الحكمة قالو ولا محتاجين!

قررا العودة الى بيت قريبهما الذي يقيمان معه مشيا على الاقدام، خوفا من النشالين، في الطريق قال الطاهر: قالو في بيوت شراب سمحة خلاص في الجهات دي، نمشي الليلة نشرب شوية ونغير بعد تعب الموسم وبكرة نركب الباص ونرجع البلد.

تحمس الخير للفكرة، ثم تردد قليلا وقال: بس نسلّم القروش دي لزول أمين قبل ما نمشي.
استعرضا سكان البيت الذي يقيمان فيه، قال الخير: الولد الكبير دة باين عليه ابن كلب لو لقى قريشاتنا دي يقع بيها النسوان!

وست البيت جنها عدة، قالو لو الزول نسى عندها هدوم ولا اي شيء تبدل بيه العدة طوالي!

قال الطاهر : نديها الحاجة الكبيرة، لأنها اليوم كله قاعدة عشان عندها الرطوبة، ما بتطلع من البيت وقالو ولدها من السعودية برسل ليها كل فترة قريشات بس قاعدة حارساهم، وكت أحفادها يقولو ليها يا حبوبة أدينا قروش تقول ليهم: القروش نجيبها من وين!

تسلمت الحاجة النقود وحذرها الخير: حتى لو جيناك يا والدة وقلنا دايرين قروش ما تدينا، سلميها لينا بس وكت نكون ماشين على البص.

ذهبا الى بيت الشراب، استقبلتهما فتاة جميلة ترتدي ثيابا بسيطة وتنتعل حذاءً قديما. جلسا وبدءا يعبان الشراب، همس الخير في اذن الطاهر: نعمل حسابنا القريشات المعانا دي دايرين نشتري منها تذاكر البص وشوية حاجات للعيال.
بعد قليل غنت الفتاة الجميلة على إيقاع الدلوكة التي عزفت عليها امرأة ضخمة الجثة ورجل نحيل الجسم، وجهه صغير وجاف بعكس وجه المرأة الضخم، غنت الفتاة بصوت ساحر:

طلعت القمرة، الخير يا عشايا

تودينا لأهلنا.. بيسألوك مننا ..

نهض الخير كمن لدغته عقرب وأفرغ جيبه الأيسر فوق الفتاة، غرق المكان في أوراق العملة الجديدة، وتعالى صخب الغناء والرقص.

في اليوم التالي حين استيقظا من النوم أدركا أنهما لا يزالان على قيد الحياة، بمجرد أن استأنفا الشراب، لم يبق سوى وعي قليل عرفا من خلاله أنّ نقودهما نفدت.
يستطيع المزارع النشيط أن يتصرف حين تواجهه مشكلة: شرعا في استدانة الشراب، بعد يوم آخر كانت الاستدانة قد تجاوزت كل الخطوط الحمر، وامتلأ الجدار الذي شهد انغماسهما في بهجة الشراب، وشهد أيضا اكتشافهما للمرة الاولي لموهبتهما في الغناء حين شاركا الفتاة الجميلة الغناء وسط استحسان الحضور الغائب عن الوعي.

اشترطت صاحبة البيت أن يسددا ما عليهما قبل أن يشربا نقطة خمر أخرى، لم يكن هناك من حل آخر، سيعودان للبيت لإحضار النقود، لكن صاحبة البيت الخبيرة بنزوات السكارى قالت: وما الضمان أن تعودا مرة أخرى؟

وجد الخير أنها محقة فالغالب انهما لن يستطيعا العودة مرة أخرى، لأن قريبتهما العجوز لن تعطيهما النقود، الا وهما يغادران لركوب البص الى القرية كما اتفقا معها.

توصلا في النهاية لاتفاق مع صاحبة البيت، سيبقى الطاهر في الانتظار وسيذهب الخير لإحضار المال!

قالت العجوز حين جاء الخير مهرولا يسحب عمامته أرضا : لن أعطيك ولا مليم أحمر واحد!

صرخ الخير: ( كيفن ما تديني، الطاهر مرهون!)

انتهرته قبل أن تعطيه ما يكفي لفك الرهن، راجل شايب وعايب، عيالك راجينك هناك وإنت صايع في الأنادي!

تحملها الخير بصبر حتى قبض المال ثم تبخّر من أمامها.

بعد سداد الدين تبقى مبلغ قليل اقترح الطاهر أن يكملا به سهرة تلك الليلة وينطلقا عائدين صباحا، لكن في الصباح بدا لهما الخروج من تلك الجنة قرارا غير محتملا، قال الطاهر: نحن تعبنا سنة كاملة من حقنا نرتاح شوية، وبعدين الدنيا دي ذاتها فايدتها شنو، أخير نستمتع لينا كمان يوم وبعداك نتوكل، الاولاد قاعدين وحنمشي نلقى نفس المشاكل، دة طردوه من المدرسة عشان ما دفع رسوم الكتب ودة عشان ما دفع رسوم الدروس الاضافية . وافقه الخير بسرعة تعطي انطباعا أنه لم يكن هناك من داع لمرافعة الطاهر الطويلة.

حين انقضى اليوم الثالث كان مؤشر ديون البهجة قد عاد للارتفاع في الحائط حتى لامس السقف، أنقطع إمداد الطاقة: لا يوجد شراب قبل سداد الديون، اعلنت ست الإنداية.
لملم الطاهر عمامته من الارض واصلح وضع ثيابه، كان قد استعاد وعيا إجباريا قبل أن يعلن: كفاية لغاية كدة، بعد دة السفر وجب، نمشي نجيب للناس ديل باقي قروشهم ونسافر، لكن ست البيت المجربة أوضحت أنه يجب أن يبق أحدهما ويذهب الآخر لإحضار المال.

عرض الخير في البداية أن يذهب لكنه تذكر العجوز التي ستحقق معه، وستتهمه بتبديد أموال اولاده في الشراب، لذلك اقترح على الطاهر أن يذهب، اقترح الطاهر أن يكذب على العجوز ويقول لها أن الخير سافر فجأة بسبب مرض أحد أولاده، وأنه يجب أن يلحق به فورا. لاحظ الخير، إن وافقت العجوز معنى ذلك انك ستحضر بقية المبلغ كله وفي هذه الحالة يجب أن نسافر فورا حتى لا يضيع المال كله.

اختفى الطاهر، وبقي الخير في الانتظار، مضت ثلاثة ايام ولم يظهر الطاهر فبدأ القلق يساور الخير، لم يعدم محسنا عابرا يسقيه على حسابه فاستأنف بهجة نهارية خائفة ونسي الطاهر ليلا.

حين وصل الطاهر الى بيت اقربائه لم يجد أحدا بالبيت وبقي يطرق باب البيت عدة ساعات دون أن يجيب أحد ، اضطر للانتظار ساعات طويلة حتى يحل الظلام ليتمكن من دخول البيت عن طريق الجدار، بعد قليل من دخوله الى البيت وقبل ان يعرف ما ذا حدث لأهل البيت، فوجئ بصوت اقدام وصراخ وخبط شديد على الباب، كان شابا مارا بالمكان قد رآه وهو يتسلق الجدار، وذهب بسرعة لاستنفار عدد من الجيران وشباب الحي جاءوا يحملون العصي ،أذهلت المفاجأة الطاهر فلم يتمكن من قول شيء، لم يمهله مهاجموه فرصة وسط صرخات: حرامي.. حرامي. ضربوه ضربا مبرحا حتى فقد الوعي، بعد زمن لم يستطع تحديده استعاد وعيه ، كان ضوء النهار قويا حتى أنه غطى عينيه بيديه ثم بدأ يتأمل المكان حوله ليعرف اين هو وما الذي جاء به الى هنا، عرف من رائحة الدواء القوية انه في مستشفى، انتبه عندها ليده الموضوعة في جبيرة من الجبص.
لم يعرف كم يوما مضت وهو في المستشفى، لابد أنه تعرّض لحادث ما، قطع عليه تسلسل أفكاره صوت جاره يسأله عن حاله، شكره بإيماءة من وجهه، قبل أن يلاحظ أنه لم يكن راغبا في أن يتحدث الى أي شخص، ربما خوفا مما حدث له، دون أن يتذكر بالضبط ما الذي حدث، انتبه فجأة الى شيء ما، أشار لجاره بأصبعيه، ففهم الجار الاشارة بسرعة واحضر له سيجارة وضعها في فمه، ثم مد فمه آليا ليشعل له جارة السيجارة، أراح رأسه على الوسادة وطفق يرقب حلقات دخان سيجارته وهي تتلوى مخترقة فضاء العنبر.

أحمد الملك
ortoot@gmail.com

عن أحمد الملك

أحمد الملك

شاهد أيضاً

الحرب كأداة للشرعية: سلوك الحركة الإسلامية في السودان نموذجا

منذ استيلائها على السلطة عبر انقلاب عام 1989، شكّلت الحركة الإسلامية في السودان نموذجاً سياسياً …