حين ضرب الكيزان للناس أمثالا صنعت بالدم

هناك شعوبٌ تخضعها القوة وشعوبٌ تخضعها الدعاية وشعوبٌ تخضعها الحاجة. لكن السودان كان حالة مختلفة شعبٌ حاولت سلطة الكيزان إخضاعه عبر الأمثال. أمثال تُصنع بالدم، وتدار بالإعلام، وتفرض بالخوف، وتعاد صياغتها كلما احتاجت السلطة إلى تذكير الناس بمن يحكم ومن يُحكم. هذه الأمثال لم تكن رسائل تربوية، بل كانت آليات حكم ولم تكن أحداثاً عابرة فقط، بل كانت سياسة دولة.
هذا النمط ليس خاصاً بالسودان وحده، بل يظهر في العديد من الأنظمة السلطوية. إلا أن خصوصية الحالة السودانية تكمن في تراكم الأمثال وتنوعها واتساع نطاقها الجغرافي والاجتماعي وارتباطها بحروب داخلية ممتدة.
في تاريخ الشعب السوداني لحظات لم تكتب بل حفرت لحظات تحولت فيها الأحداث إلى أمثال سياسية ضربت للناس لا لتعليمهم الحكمة بل لتذكيرهم بحدود الخوف. والسودان خلال العقود الماضية كان مسرحاً لمثل هذه الأمثال التي صيغت بالقمع وبالدم وبالإعلام وبالاستقطاب حتى أصبح المواطن يعيش داخل معادلة واحدة (إما الخضوع أو الفوضى الشاملة) بهدف جعل المجتمع أكثر استعداداً لقبول الاستقرار القسري
هذه الأمثال لم تكن نظريات بل وقائع متتابعة وكل واحدة منها تحمل رسالة واضحة مفادها أن السلطة لا تُنازع وأن الاعتراض ثمنه باهظ جدا فمنذ سنوات حكم الإنقاذ الأولى كان القمع هو اللغة الرسمية. إعدامات، تشريد، اعتقالات، بيوت أشباح، وملاحقات فكانت تلك الأمثلة تقدم للشعب كأنها دروس في الطاعة (هذا هو مصير من يفكر خارج السرب)
دارفور كانت المثال الأوضح عنف واسع، تهجير، حرق قرى، وانهيار كامل للمعنى الإنساني حينها فهم العالم ما حدث في دارفور لكن الداخل ظل يتعامل معه كأنه حدث بعيد لا يخصه رغم أنه كان جرس إنذار مبكر لما سيأتي لاحقاً. فدارفور لم تكن مجرد مأساة بل كانت نموذجاً أرادت السلطة أن تعممه مفاده أن الدولة قادرة على الذهاب إلى أقصى درجات العنف دون أن يرف لها جفن. وأن المجتمع يمكن أن يصمت حتى على ما لا يُصمت عليه.
ثم جاءت مجازر الطلاب والشباب في المعسكرات والمظاهرات، لتؤكد أن العنف لم يكن استثناءً بل جزءاً من بنية الحكم
ثم اندلعت الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وهي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية. كانت بحسب قراءة كثيرين مثالاً جديداً يُضرب للشعب مفاده أن الأمن يمكن أن ينهار في لحظة وأن المدن يمكن أن تُترك بلا حماية وأن المدنيين يمكن أن يصبحوا وقوداً لصراع لا يملكون فيه قراراً.
استُبيحت الخرطوم وفُتحت السجون وانهارت الخدمات وتحول الناس إلى فريسة بين قوتين. ثم جاءت ولاية الجزيرة كنموذج إيضاحي حيث تداخل الانسحاب والاستباحة والعودة في مشهد واحد ترك الناس أمام سؤال واحد (من يحمي من؟) وكان الهدف واضحا وهو إظهار أن المواطن يمكن أن يُترك وحيداً في أي لحظة وأن حياته يمكن أن تتحول إلى ورقة في لعبة أكبر منه. وتعتبر ولاية الجزيرة مثالاً تحليلياً مهماً لفهم كيفية استخدام مناطق كاملة كنماذج ردعية. فقد تداخلت فيها الانسحابات المفاجئة والانهيار الأمني والاستباحة ثم العودة العسكرية وهذا التتابع خلق نموذجاً إيضاحياً يعكس هشاشة الوضع المدني ويعيد إنتاج رسالة السلطة بأن الأمن ليس حقاً بل امتيازاً تمنحه السلطة أو تسحبه.
واستمرت الحرب والتي كانت المثال الأخير الذي أراد به الكيزان إنهاء النقاش وإخضاع الناس من خلال تطبيع العنف وخفض سقف الإنسانية وتقسيم المجتمع وصناعة خوف يجعل الناس يقبلون بأي سلطة تعدهم بالأمان وتحويل المواطن إلى متلقٍ عاجز أمام مشاهد الخراب واستخدموا في ذلك جيوشا من الأقلام الضالة والأصوات الناعقة كركيزة أساسية في استراتيجية السيطرة لإعادة تشكيل وعي الناس ودفعهم إلى قبول ما لا يُقبل. ولم يكن الإعلام مجرد ناقل للأحداث بل كان أداة لإعادة تفسيرها فخلف كل جريمة كان هناك من يبرر وخلف كل انسحاب كان هناك من يفسر وخلف كل إذلال كان هناك من يشرعن.
كان الإعلام يعاد تشغيله مع كل أزمة ومع كل عملية عسكرية أو سياسية فأصبح جزء من ماكينة الحرب. لتبرير كل شيء القتل، الانسحاب، الفوضى، الإذلال، الاستقطاب، التخوين
ورغم كل ذلك اتضح للناس أن الحرب بين القوات النظامية والدعم السريع لم تكن مجرد صراع عسكري. بل كانت محاولة لإعادة فرض المعادلة القديمة (إما نحن… أو الفوضى الشاملة.)
لكن ما حدث كان عكس ما أرادوا. فقد رأى الناس بأعينهم انهيار الدولة وغياب الحماية واستباحة المدن والقرى وانكشاف المدنيين وتفكك المؤسسات وتحوّل الوطن إلى ساحة مفتوحة للفوضى والقتل والاغتصاب والظلم واتضح للسودانيين أن الأمثال التي ضربت لهم ليست مجرد أحداث بل أدوات هدفت إلى إعادة تشكيل المجتمع
لكن هذه الأدوات فقدت فعاليتها عندما تجاوزت قدرتها على الإقناع وعندما أصبح الواقع نفسه دليلاً على فشل السردية الرسمية. ولم يعد بالإمكان إقناع الناس بأن السلطة هي الضامن الوحيد للأمان. فالأمان نفسه انهار تحت أقدام الجميع.
ما لم يدركه الكيزان بعد هو أن الشعب السوداني قد تغير وان تغيره لم يكن بسبب وعي هبط عليه فجأة بل لأن التجربة صارت أعمق من كل دعاية وأقسى من أن تُغطّى بشعار أو تُبرر بخطاب وأن الخراب الذي عمّ البلاد لم يعد ممكناً نسبه إلى الآخر والناس اكتشفوا أن الخوف لا يحمي أحداً وأن الصمت لا ينقذ أحداً وأن الدم حين يصبح مثلاً يُضرب لا يُنسى.
الشعب السوداني قبل الحرب ليس هو الشعب الذي عاشها ولن يكون هو الشعب الذي سيخرج بعدها. هذا شعب رأى الاغتصاب والقتل والذبح على اللون والهوية وذاق مرارة النزوح واللجوء وحمل في قلبه غبن التجربة لا روايات الإعلام المضللة. . شعب عاش الحرب بكل ما فيها من قسوة، وخرج منها بوعي لا يمكن التلاعب به ولا يمكن إعادته إلى ما قبل الصدمة.
فالتجربة التي عاشها السودانيون خلال السنوات الأخيرة لم تكن مجرد أزمة سياسية أو صراع على السلطة، بل كانت زلزالاً اجتماعياً ونفسياً وأخلاقياً أعاد تشكيل الوعي الجمعي من جذوره. هذا التحول لم يأتِ نتيجة خطاب سياسي جديد ولا بسبب حملات توعية بل لأن التجربة نفسها أصبحت أكبر من الدعاية وأقسى من أن تُختزل في روايات جاهزة.
ولذلك، لم يعد مقبولاً أن يتحدث الكيزان باسم الشعب أو أن يدّعوا تمثيله أو أن يعيدوا إنتاج خطاب قديم لم يعد يجد مكاناً في واقع جديد. فالسودانيون جرّبوا، ورأوا، وعرفوا من كان سبب الخراب ومن جعل الوطن ساحة مفتوحة للدم ومن حاول أن يختبئ خلف الشعارات بينما كانت البلاد تتهاوى.
إن ما حدث في السودان ليس مجرد حرب، بل تحوّل تاريخي في الوعي الجمعي. والشعب الذي عاش التجربة هو وحده من يملك الحق في تحديد مستقبله وهو أيضا من سيقتلع الذين كانوا سبب الحرب والخراب من الجذور كما عرّف محمود محمد طه عن حتمية التغيير حين تنضج شروطه.
إن السودان اليوم يقف على عتبة مرحلة جديدة، مرحلة لا يمكن أن تُدار بذات الأدوات القديمة، ولا بذات الخطاب الذي سقط أمام امتحان الواقع. فالشعب تغيّر والوعي تغيّر والتجربة صنعت شعبا لا يقبل العودة إلى الوراء. ومن لا يدرك هذا التحوّل العميق، سيجد نفسه خارج التاريخ ومن لا يفهم ذلك، لا يفهم السودان الجديد الذي يولد من تحت الركام.
عبد الله جعفر
الرياض 2026

abdalla_gaafar@yahoo.com

عن د. عبدالله جعفر محمد صديق

شاهد أيضاً

هايكو لا للحرب 2025

إلى كل ضحايا الحرب في بلدي من قضى منهم ومن ينتظر من نازحين ومغتصبين ومرضى …