هموم دارفورية؟ (2/3)

 


 

 


helhag@juno.com
د. حسين آدم الحاج
الولايات المتحدة الأمريكية

نواصل التعبير عن همومنا الدارفورية سيداتى سادتى, وقد سبق أن قلنا أنَّه وبرغم الأزمة الناشبة اليوم فى ربوع الإقليم وتداعياتها السالبة على كل مناحى الحياة إلاَّ أنَّ هناك أزمات أخرى متشكلة, فى حالة كمون, نخشى أن تتفجر فى شكل حلقات جديدة من المعاناة لأهل دارفور إذا ما تجاوزوا هذه المرحلة العصيبة, ولذلك فإنَّنا, ومن خلال هذه الحلقات, نود أن ننبه لها ونحذر من تداعياتها ونتحسب لها من الآن ونحاول تفكيك مفاصلها أو تحييدها على أسوأ الفروض, فأهل دارفور ليسوا بحاجة أخرى لجبال جديدة من المعاناة والألم, ويجدر بهم أن يجدوا القدرة, والفرصة, للإبتسام, هم والأجيال الناشئة, فقد دفعوا ثمناً غالياً من جراء مظالم مقصودة فُرضت عليهم ولا بد من أن يكون المستقبل مشرقاً بخلاف ما كان عليه الحال.
(4)
الشيخ موسى هلال ودبلوماسية الجنجويد:
«لا توجد أسرار.. الأفراد الذين يفعلون هذا معروفون, لدينا أسماؤهم», هكذا تحدث الدكتور موكيش كابيلا منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان, وأضاف في مقابلة مع وكالة رويترز فى تعليق له عن المجازر الوحشيَّة بدارفور: «الأفراد الضالعون في هذه الجرائم يشغلون مناصب رفيعة» (الحياة 26/3/2004م), ودعا إلى تشكيل محاكم للنظر فى جرائم الحرب لمحاكمة المسؤولين عن حالات الإغتصاب والنهب والقتل في القرى الأفريقية في منطقة دارفور، متهماً الدولة بالتواطؤ في هذه الجرائم, وبالرغم من أنَّ مهمَّه الرجل الوظيفية فى السودان قد إنتهت بعد تصريحاته تلك, إلاَّ أنَّ الأسرار التى كان يعلمها يبدو أنَّها تسربت لجهات أخرى, وربما وجدت طريقها لألدَّ أعداء الحكومة السودانية بالكونغرس الأمريكى النائب فرانك وولف الذى لم يتردد لحظة فى كشف المستور بإتهامه النائب الأول صراحة بإشعال الصراع في دارفور, ويبدو أنَّ السيد على عثمان هو واحد من كثيرين داخل دائرة الحكومة السودانية فى قوائم الحكومة الأمريكية, لكن تشارلس سنايدر, مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية, دافع بدبلوماسيَّة عن النائب الأول، ونفى إتهام وولف له وأكدَّ عدم وجود أدلة قاطعة بضلوعه في الصراع (الصحافة 12/6/2004م), وعلى كل, يبقى ذلك, بجانب الإتهامات الموازية بشأن أمور أخرى, شيئ, وما يهمس به أهل دارفور ويعرفونه شيئ آخر. لكنَّ المسألة تطورت وصارت أكبر من السكوت عليها خاصة وأنَّ تداعيات الكارثة قد إنداحت على مستوى كل العالم, فقد كشف مسؤول أمريكي هو بيرير ريتشارد أمام جلسة إستماع أمام لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس عن قائمة تضم "7" أسماء لقيادات مليشيات الجنجويد المتورطة في ما أسماه العمليات المأساوية في دارفور(الحياة 27/6/2004م), وقد تم نشر مقال بمنبر سودانيز أون لاين (28/6/2004م) بعنوان "المطلوبون الأمريكيون" عرض فيه كاتبه معلومات تفصيلية عن "6" قيادات جنجويدية من تلك القائمة الأمريكية, وأشار إلى أنَّ تلك الأسماء قد وردت من قبل فى تقارير عدد من المنظمات الدولية, من بينها منظمة هيومان رايتس ووتش, وقد أوردتها تلك المصادر إضافة إلى ما يتناقله أهل دارفور على النحو التالي:
1- موسى هلال: وصفه التقرير الأمريكى بأنَّه منسق الجنجويد, ويصفه المقال المشار إليه أعلاه بأنَّه أمير لقبيلة المحاميد وجنرال في قوات الجنجويد يدير كتيبة تسمى كتيبة الجاموس (البافالو).,
2- حامد ضاوي: أمير من قبيلة البني هلبة وقائد لكتيبة من الجنجويد في مثلث تيربابا- أرارا- قوز بيضة, وتقول منظمة هيومان رايتس ووتش بأنَّه قتل أكثر من 470  شخصا من سكان القرى في هذا المثلث في الفترة من شهر 8/2003م إلي شهر 4/2004م.
3- عبد الله أبو شنيبات: أمير من قبيلة البني هلبة وقائد كتيبة للجنجويد في هبيلة ومورني.
4- عمدة عمر بابوش: عمدة من عمد المسيرية وقائد كتيبة للجنجويد في مورني.
5- العمدة سيف معادى: عمدة أولاد زيد وقائد لكتيبة من الجنجويد في المنطقة بين الجنينة ومستري.
6- أحمد دخيرى: عمدة وقائد اكتيبة من الجنجويد في مورني.
7- أحمد أبو كماشا.
كما ذُكرت أسماء أخرى لم ترد في القائمة الإمريكية. وقد أشار كاتب المقال إلى خطورة  أنَّ بعض الأسماء الواردة أعلاه لا تنتمي فقط إلي قبائل معروفة في دارفور بل أنَّها تمثل إدارات أهلية في مناطق معينة بدارفور, أي أنَّهم لا يمثلون قبائلهم الكبيرة وإنَّما جماعاتهم المحدودة في تلك المناطق، وطالب فى المقال بضرورة أن تبادر الحكومة وتتعامل مع قضية دارفور بصورة أكثر شفافية وصدق حتى تستعيد الثقة التي فقدتها هناك وفى السودان أجمع, وأن تكشف عن كل صغيرة وكبيرة حدثت هناك, بل وتكشف الأسماء المتورطة في هذه الجريمة بتجرد ودون تعاطف مع أى قبيلة أو أشخاص حتى داخل طاقمها الحاكم.
علي صعيد آخر قال آدم إيرلي نائب الناطق الرسمي بإسم الخارجية الأمريكية في تصريحات صحفية أنَّ واشنطون ستفرض عقوبات علي المتورطين في أحداث دارفور بصرف النظر عن التقييم القانوني الذي تقوم به الولايات المتحدة الآن حول المتورطين في تلك الإنتهاكات، وأضاف إيرلي إذا أسميناها مذابح أو تطهير عرقي هناك إنتهاكات فظيعة ترتكب في تلك المنطقة، و"نحن الآن بصدد تحديد هويَّات المتورطين في هذه المآسي من قيادات مليشيات الجنجويد لتطبيق عقوبات عليهم تستند علي نسبة مشاركتهم في الجرم"، ورداً علي سؤال حول إنزال عقوبات علي رسميين حكوميين قال إيريلي "نحن الآن ننظر حول هذا الأمر"! (أخبار اليوم 26/6/2004م), وكشف سنايدر عن نجاح واشنطن في إقناع الإتحاد الاوربي لتبني رأي حول مسألة دارفور بعد إدخالها كبند في مداولات مجلس الأمن، وتطوير حزمة من العقوبات ضد السودان في حال عدم تعاون الحكومة السودانية في وقف الحرب في دارفور, وقد صدر بالفعل مؤخراً قرار أمريكى يحظر بيع السلاح للجنجويد بجانب تطبيق حظر دولى لتحركاتهم وحجز أموالهم لكنَّ القرار لم يشمل الحكومة السودانية, لكن وزيرة التعاون والتنمية الألمانية هايدماري فيسوريك-زويل إعتبرت أنَّ مشروع القرار الأميركي هذا بفرض حظر على الأسلحة المرسلة إلى عناصر الميليشيات التي تجتاح دارفور يجب أن يشمل حكومة السودان أيضاً "لأن الميليشيات التي تحرم من الدعم اللوجستي والمالي من الحكومة، لا تستطيع الإستمرار في إرتكاب الفظائع" (أ.ف.ب. 7/7/2004م).
يحدث كل هذا الحراك الدولى وعلى مستوى مجلس الأمن والحكومة الأمريكية ومنظمة الإتحاد الأفريقى والمجتمع العالمى والشيخ موسى هلال (منسق الجنجويد حسب التصنيف الأمريكى) و(كراديتش دارفور حسب تصنيف الأهالى له هناك), يعرض ويسرح ويمرح وبحرسه الخاص فى شوارع الخرطوم, ويقابل سفراء الدول الكبرى والمسئولين الدوليين نهاراً جهاراً, بجانب حضور إعلامى كثيف وترحيب دافئ من قطاعات معينة فى الدولة. إنَّ هذه الظاهرة تستدعى عدد من الأسئلة والإستفسارات نجملها فى التالى:
* تحركات موسى هلال, والتحضير المسبق لها وبرمجتها, وتمكينه من مقابلة السفراء وضيوف البلاد, وبتلك الكثافة والتغطية الإعلامية, لا يمكن أن تتم دون تخطيط كامل من الحكومة ومن "أعلى" مستوياتها, فما هو هدف أولئك المتنفذين الحقيقى وراء ذلك؟
* ما يتم بشأن هذه التحركات هو عملية "تسويق" سياسى لموسى هلال يتمثل فى كونه يقوم بدور خط دفاع أمامى للحكومة, تتخفى خلفه ليدرأ عنها التهم المتراكمة عليها, لكنَّها تتورط أكثر بتأكيد الإتهامات المسبقة برعايتها للجنجويد, والسؤال إلى أى مدى ستذهب الحكومة فى متابعة هذه السياسة برغم إنكشافها لكل العالم؟
* هل يمثل موسى هلال نفسه فقط أم كل قيادات الجنجويد؟ إنَّ الأخبار المعلومة فى دارفور تشير إلى أنَّ العدد الكلى لأفراد هذه المليشيات يتجاوز العشرين ألفاً, وأنَّ هناك مكتب سياسى سرِّى فى الحكومة بقيادة وزير من أبناء الإقليم, بجانب مسئول عسكرى برتبة لواء, ومهمَّتهم الأساسية هى تجنيد المزيد من أفراد الجنجويد من الدول المجاورة للسودان الشيئ الذى يفرض التساؤل, بل والبحث, عن القيادة الفعلية (خاصة السياسية) لتلك المليشيات داخل الحكومة السودانية, فمن هم هؤلاء الأشخاص الممسكين بتلك الملفات؟ خاصة وأنَّ موسى هلال نفسه يُقال أنَّه قد صرَّح ذات مرة بأنَّه يستلم أوامره من الخرطوم وليس له أى طاعة لوالى شمال دارفور.
* بالتزامن مع تحركات موسى هلال نلاحظ تحركات موازية للشيخ إبن عمر وتصعيد صراعه الإعلامى والعسكرى ضد الحكومة التشادية, بجانب نزاع قائم بين مجموعات عربية فى قطاع التبستى شما تشاد ضد القوات الليبية, فهل هناك تنسيق ما بين هذه التحركات؟ ولصالح من يهدف؟
* جاء فى الأخبار أنَّ الرئيس البشير سيجتمع مع الرئيس التشادى بحر هذا الأسبوع فى مدينة الجنينة للبحث حول تكوين قوات مشتركة لقفل الحدود بين الدولتين, فهل كانت الهجمات الأخيرة التى قامت بها مليشيات الجنجويد داخل الأراضى التشادية هى من تخطيط الحكومة السودانية كجزء من سيناريو مرسوم لإجبار الجانب التشادى (رهبة أو رغبة) فى الإشتراك مع الحكومة السودانية لمقاتلة ثوار دارفور؟   
* هل تخطط الحكومة من خلال تلميع موسى هلال الحصول على شرعية دولية لمليشيات الجنجويد ومن ثمَّ تحويلها لحقيقة واقعة يتعامل معها العالم وفق ذلك دون إعتبار ما إرتكبوها بحق الأبرياء من أهل دارفور؟
* فى مؤتمره الصحفى الذى عقده مؤخراً رفض وزير الداخلية الدعوات العالمية لتقديم زعماء الجنجويد للمحاكمة, فما هى الرسالة التى تنوى الحكومة إرسالها للعالم بهذا الإصرار, وبخاصة للمتضررين من أهل دارفور من التجاوزات الغير إنسانية لتلك المليشيات؟
لقد أكدنا فى مناسبات عديدة أنَّ الحكومة لن تحل قوات الجنجويد, بل وسوف لن تتخلى عنهم بالأساس وستسعى لجلب وتجنيد المزيد منهم, ولا نرجم بالغيب إذ أنَّ ذلك بات واضحاً الآن, والسبب ببساطة أنَّ تلك المليشيات قد تحولَّت إلى عمود فقرى فى إستراتيجية الحكومة للتعامل مع قضية دارفور وإنعكاساتها عبر الحدود لدولتى التشاد وأفريقيا الوسطى, والتى يمكن أن تتفاعل أكثر وبتداعيات أقوى, ولعدم قدرة الحكومة العسكرية فى التمدد بعيداً, وفى دارفور خاصة, فإنَّها قررت أن تعتمد على الجنجويد ليحاربوا عنها بالوكالة مقابل حصولهم على الأراضى وإستقرارهم فى الدارات الخصبة للقبائل من الجذور الأفريقية بعد طردهم منها أو حتى إهلاكهم إذا تطلب الأمر, طالما أنَّ ذلك سوف لن يمس سلطتها المركزية وقبضتها على دفة الحكم.
أساس المشكلة ما بين حكومة الإنقاذ وأهل دارفور يتمثل فى أنَّ هناك تداعيات باطنية يتعامل من خلالها المتنفذون من جماعة الإنقاذ مع قضايا دارفور بمداخل سالبة تحمل قدراً كبيراً من القصد الصريح, وتستبطن شعوراً عدائياً أشبه بجلد الحاضر بسياط الماضى, أى إعادة إجترار التاريخ وإستقراء أحداث بعينها شكَّلت مفاهيم تراثية لجماعات معيَّنة ظلَّت تؤثر على قدرة تصرفهم السلطوى وتدفعهم, بحيث يعلمون أو لا يعملون, لتناول قضايا دارفور من منطلقات خاطئة مما يجعلها تنتج نتائج خاطئة بالمثل كمحصل طبيعى لضعف المفاهيم الأساسية حول ذلك. إنَّ الحقيقة التى يعرفها كل أهل السودان هى أنَّ نظام الإنقاذ غير مستعدة مطلقاً للتنازل عن السلطة أو حتى التشارك معها على قدم المساواة, وحتى لو أدَّى ذلك إلى تقسيم السودان أو فصل الجنوب, وهو تحديداً ما يسعى له المتنفذون من جماعة السلطة بحسبان أنَّ الجنوب قد تحوَّل إلى مصدر عكننة وربما يتسبب فى نهاية حكمهم سواءاً أكان ذلك حرباً عن طريق القوة العسكرية أو سلماً عن طريق "منهجية السودان الجديد" وتصاعد مطلبيات المناطق المهمَّشة. إنَّ نظرتهم المبدئية هو فصل جنوب السودان وحمل لواءها بشأن ذلك الوزير الطيب مصطفى (خال البشير) بدعم ومناصرة أقلية علنيَّة وأكثرية سرِّية من جماعة السلطة المستعربة, ولما تحطمت أحلامهم تلك على صخرة الرفض الشعبى والمنطق العاقل زادوا من التعقيد إبالة وتدافعوا للمطالبة بفصل شمال السودان عن جنوبه من خلال منبر أقاموه بدعم ومناصرة صارخة من أكثرية غالبة منهم هذه المرَّة, وكل ذلك فى سبيل السيطرة والمحافظة المطلقة على السلطة, تلك هى النظرية الأساسية غير أنَّ الخطورة عليها هجمتها من حيث لا تحتسب, وإذا كان "لكل آفة آفة", حسب المثل الشعبى, فإنَّ آفة نظرية الأنفصاليين هذه قد واجهتها آفة الإحتجاج المسلَّح فى دارفور, إذ قالت لهم إنَّ الشمال الذى تودون فصله ليس "حتة واحدة", وإنما هناك شرق وغرب ومناطق ثلاث وأخرى مهمَّشة, وقد أدَّى ذلك إلى نسف نظرية الإنفصاليين من أساسها. بناءاً على ذلك يمكن تفسير الهجمة العسكرية العنيفة للحكومة على قرى دارفور, والتى لم تهدف فقط لإنهاء التمرد بل وحتى تدمير أى مقومات للحياة بتلك المناطق وإستبدال الأهالى المعارضين إن أمكن بغيرهم, ولو بإستجلابهم من دول أجنبية كمرتزقة الجنجويد مثلاً. مما يؤكد أن الإنقاذ غير مستعدة للمساومة فى هذا الأمر وبالأخَّص عندما يتعلق الأمر بأهل دارفور, ويتبدى خطورة ذلك فى ظنِّهم من حقيقة أنَّ أهل دارفور يشكلون اليوم ومستقبلاً غالبية أهل السودان, وإذا إتحدوا على كلمة سواء ورأى جامع فإنَّ السلطة التى يرضع أهل الحكم اليوم من شطورها ستؤول إليهم غداً سواء سلماً عن طريق صناديق الإقتراع أو حرباً عن طريق المقاومة العسكرية, وفى كلا الحالتين ليس لهم بحيلة حيال ذلك سوى الإستمرار فى إعتماد السياسات التى تستبطن المؤامرة لشق صفوف مجتمع دارفور وتطبيق نظريات فرق تسد, وللأسف فقد نجحوا فى ذلك حتى الآن, ووجدوا ضالتهم فى تجيير ولاء بعض القطاعات من أهل الإقليم بينما حكموا بالفناء على آخرين بإستخدام الجنجويد.
لذلك فقد تأكد لجماعة الإنقاذ أنَّه وبعد إستكمال فصل الجنوب فإنَّ القوة المعارضة الرئيسية ستتمثل فى دارفور ويجب عليهم أن "يُبَدِّرُوا" بها من خلال زرع بؤر دائمة وألغام غاطسة قابلة للتدمير والتفجر المستمر إعتماداً على مليشيات الجنجويد, ولعلَّ حقيقة أنَّ معظم هذه الجماعات أجنبية لا تحمل قيم التسامح السودانى الأصيل قد ساعدتهم فى الفتك بكل معارضة لأطماعهم, بل والتشنيع فى ذلك, كما هو مشاهد الآن. سياسة الإعتماد على الجنجويد تحمل فى طياتها سموماً قاتلة ليس لأهل دارفور فحسب وإنَّما لكل المحيط الجغرافى الإقليمى لدارفور وما حولها من الدول, وسوف لن تنجو من ذلك حتى الجماعة المستمتعة بالسلطة الآن فى السودان, لقد هدف أهل الإنقاذ إلى تحقيق الأهداف التالية من وراء إستخدام الجنجويد:
* خلق أقسى أنواع درجات الكراهية والبغضاء بين أهل الإقليم, أى بين القبائل الأفريقية والقبائل العربية, وشقِّ صفوفهم, وخلق ثارات الدم بينهم بحيث تحتاج لدهور لتجاوزها.
* تعميق الخلاف, ليس من خلال القتل الجائر فقط, بل وعن طريق الإستيلاء على الأرض أيضا وإبعاد الأهلين الأصليين منها على غرار ما حدث من إبعاد الإسرائيليين للفلسطينيين قبل أكثر من خمسين عاماً, وكلنا نعم أنَّ مسألة حق العودة للاجئين الفلسطينيين ظلَّت تمثل الصخرة التى تحطمت عليها كل جهود حل للقضية الفلسطينية.
* صرَّح وزير الداخلية قبل أيام أنَّ حكومته ستقوم بتدريب الأهالى اللاجئين فى المعسكرات على حمل السلاح, يحدث ذلك فى الوقت التى تتنادى فيه العديد من الجهات الداخلية والأجنبية بضرورة نزع السلاح وتقنين إمتلاكه, والهدف واضح هو تفشى ثقافة العنف برعاية الدولة نفسها, لماذا يحدث ذلك ولمصلحة من؟ كما لا ننسى الإشارات السالبة من بعض المسئولين فى الحكومة بعدم نزع سلاح الجنجويد إلاَّ بالتزامن مع نزع سلاح الثوار.
* كل الجماعات المتصارعة الآن, أهل دارفور, عربهم وزرقتهم, إضافة إلى الجنجويد, ليسوا فى مقام أى أهمية للمتنفذين فى حكومة الإنقاذ, لأنَّ هدفهم الأساسى هو جعل أولئك الناس يتحاربون إلى ما لا نهاية بينما يواصلوا هم السيطرة على الحكم ونهب خيرات المناطق المهمشة وإستخدام الجيش السودانى وسلاح الطيران لإخراس صوت كل من يحتج منهم.
إمعاناً فى كل ذلك تقول بعض التقارير السودانية والعالمية أنَّ الحكومة تقوم منذ بعض الوقت بتطبيق برنامج هائل لإخفاء الجنجويد فى داخل المجتمع السودانى الكبير إلى حين تمرير العاصفة, وذلك من خلال إبعاد المعروفين منهم إلى أماكن بعيدة فى أنحاء السودان, وإصدار شهادات وفاة وهمية لآخرين, إضافة لعمليات تجنيد واسعة لأفرادها فى قوات الشرطة والجيش السودانى وتجنيسهم, بل إنَّ قوات الشرطة الظاعنة التى يجرى إعدادها الآن برعاية وزير الداخلية نفسه, بجانب القوات التى ستنشرها الحكومة قريباً بين معسكرات اللاجئين, هم نفس أولئك الناس الذين تسببوا فى ذات المأساة, ما هى القيم الأخلاقية فى الحكم عند هذه الجماعة المتسلطة؟
ما هو الحل:
* على قادة الرأى والقوى السياسية والعسكرية والمثقفين وزعماء كل القبائل والإدارات الأهلية بدارفور أن تكون واعية بالمصير الكارثى المرسوم لهم وعلى مستقبل إقليمهم, وعليه, تبعاً لذلك, أن ينشطوا وفق ما تقتضيه الظروف, فإذا كان الكى جزء من العلاج فإنَّ العملية الجراحية والبتر أيضاً جزء آخر من العلاج, إذا قرر الأطباء ألاَّ مخرج إلاَّ به, وبتر الظواهر السلبية فى مجتمع الإقليم شيئ مطلوب لحياة صحى وتعايش معافى.
* أن تبدأ الحركات المسلَّحة فى تجميع قدرات المؤهلين والمثقفين من كل أبناء دارفور لترتيب ملفات التفاوض ووضع إستراتيجية لذلك بحيث لا تترك كبيرة أو صغيرة, إضافة إلى معالجة فتنة الجنجويد بما يؤدى إلى إستئصالها بصورة كاملة.
* أن تبادر القبائل العربية بدارفور بتبرئة أنفسها من ظاهرة الجنجويد وتنظيف الخلايا المنبثة بينها, فأهل دارفور جنس واحد لهؤلاء المتنفذين فى السلطة لا فرق عندهم بين عربهم وزرقتهم إلاَّ بما يصلح كل منهم لإستخدامه لفترة من الوقت لإنجاز مصلحة محددة عندهم, وربما يأتى اليوم الذى سيتضرر كافة أهل دارفور من سياساتهم.
* على المثقفين من أبناء القبائل العربية إصدار إستنكار عالمى لظاهرة الجنجويد ولكل ما يحدث لأهل دارفور وبعدة لغات حتى يقف كل العالم على ذلك, وأن ينصحوا أهليهم بالنأى عن إتباع سياسات الحكومة الظالمة, كما يجب على هذه القبائل المبادءة بتقديم الخطوة الأولى للصلح والتعايش الإجتماعى بدارفور من خلال تنفيذ برامج كبيرة ومؤثرة يتجاوز الإعلانات الصحفية والتصريحات الغير مسنودة بأية مضامين محسوسة, وسنفرد فى المستقبل القريب بمشيئة الله مقالاً كاملاً يتضمن أفكار وبرامج محددة من أجل ذلك كمساهمة فى رفد أسس التعايش السلمى فى مجتمع دارفور.
* بعد تحقيق السلام بدارفور, متى كان ذلك, يجب تنفيذ برنامج قومى كبير للمساعدة فى رتق الخروق القبلية ودعم التعايش السلمى بين كل مكوِّنات أهل الإقليم, ويجب أن يكون مثل هذا البرنامج شعبى تبتعد عنه الحكومة منعاً لأى إستغلال سياسى رخيص.
 (5)
إعادة توطين  النازحين أم توطين الجنجويد:
إحدى الأسباب الرئيسية التى قادت لحملات الإبادة والتصفية العرقية التى ضربت مناطق واسعة من دارفور خلال العقدين المنصرمين هى الرغبة المحمومة فى الحصول على الأرض, ومن أجل ذلك قامت بعض الجماعات بطرد بعض القبائل المستقرة من أراضيها وإنتزاع داراتها, وإستخدمت فى ذلك ما ظلَّ يُعرف بسياسة الأرض المحروقة, أى إزالة أى مقومات للحياة من خلال حرق القرى تماماً بجانب المزارع وتدمير مصادر المياه أو تسميمها, وقد مثلت هذه النزعة, والتى إنطلقت منذ العام 1986م, لب القضية فى هذا الصراع ومصدر تعقيدها, وبمراجعة سريعة للمناطق التى أصابها الخراب نجدها تتركز فى مناطق محددة من دارفور هى مواطن القبائل الزراعية المستقرة, وتحديداً قبائل الفور والمساليت والتاما وما جاورها من القبائل الصغيرة مثل البرقو والبرقد والبرنو, وقد ساهمت حكومة الإنقاذ بقسط وافر فى تصعيد وتائر هذه الفتنة وسعت, ومنذ وقت مبكر بعد إستيلائها على السلطة, لتمكين تلك المجموعات المعتدية من بلوغ ذلك الهدف من أجل تجيير الولاء والكسب السياسى بجانب دعم آيدلوجيتها العروبية, وما السياسة التى إتبعوها منذ العام 1994م لتفتيت دارات القبائل المستقرة الكبرى, وتحديداً دار المساليت ودار الفور (دار فيا), من خلال ما أسموه "نظام الأمارة", إلاَّ تنفيذاً فعلياً لتلك الأهداف, وإن تراجعت الحكومة اليوم عن المضى فى تثبيت تلك الخطة, ولو ظاهرياً, لإمتصاص الغضبة الدولية المريرة عليها, إلاَّ أنَّها ما إنفكَّت تحاول الإلتفاف والمرواغة لمواصلتها عبر نوافذ أخرى يتبدى فيها الجانب الإنسانى لكن تحمل فى طياتها رغبات خبيثة تتمثل فى إجلاء السكان الأصليين سلمياً وتهجيرهم نهائياً عن أراضيهم وداراتهم تحت دواعى إعادة توطينهم فى قرى نموذجية لتقديم خدمات أفضل لهم لكن دون الإشارة إلى مصير أراضيهم الأصلية التى أُجلوا منها.
لقد وردت بعض الكتابات مؤخراً فى صحف الخرطوم تشير إلى أنَّ القرى المتناثرة بكثافة على مستوى دارفور قد تكون أحد الأسباب المعوِّقة لمد الخدمات لها, وأنَّ معظمها صغيرة الحجم, ولا تزيد أحجام أغلبها عن عدد بسيط من القطاطى, يسير أهلها كل يوم أو يومين لمسافة بعيدة للحصول على المياه لهم ولحيواناتهم, أو للوصول إلى الأسواق والمستشفيات, ولذلك فقد إقترحت تلك الكتابات تجميع تلك القرى المتناثرة فى مجمعات أو قرى نموذجية كبيرة بحيث يسهل تقديم خدمات المياه والصحة والتعليم والأمن لساكنيها, وبالرغم من منطقية مثل هذه الأفكار, ولو على المستوى النظرى, إلاَّ أنَّها بالنسبة لأصحاب الغرض وحاملى الأجندة تمثل كلمة حق أريد بها باطل. هؤلاء الذين يتحاججون بهذا المنطق إمَّا أنَّهم يجهلون طبيعة علاقة الإنسان بالأرض فى دارفور وأنَّهم قد يقولون ما يقولون بحسن نية, أو أنَّهم يضمرون شيئاً ما فى نفوسهم ساكتين عن مصير تلك الأراضى عندما يتم تهجير سكانها منها وإعادة توطينهم فى مناطق جديدة غريبة عليهم وعلى تراثهم, والشيئ الطبيعى أنَّه إذا خلت أراضيهم منهم فلا بد من أنَّ هناك آخرون قد إستولوا عليها سلفاً أو أنَّهم على خط الإنتظار ينزحون إليها لإمتلاكها تحت وضع اليد, أولئك الآخرون الجدد هم الجنجويد الذين تريد الحكومة توطينهم فى أراضى ودارات هؤلاء المساكين البؤساء, وربما كانت هذه السياسة تمثل الثمن الذى وعدتهم الحكومة به لمساعدتها فى حربها ضد ثوار دارفور وعليها الوفاء بها بكل السبل الممكنة حتى وإن تمثل ذلك فى غض طرفها عن إبادة هؤلاء الناس. لقد دفع الجنجويد  ب "20" ألف مقاتل مثلَّوا قوات المشاة فى هجوم الحكومة على مواقع الثوار خلال شهر مارس الماضى بينما إكتفت الحكومة بقصف سلاح الطيران, وطالما أنَّهم قد أدوا ما عليهم من واجبات فعلى الحكومة أن تفى بوعدها كذلك؟
لذلك, ونسبة لشكوك أهل دارفور المتعاظم تجاه كل ما يصدر من حكومة الإنقاذ نحوهم, فإنَّه يستوجب أن نتلقى مثل هذه الخطط بشأن إعادة التوطين بحذر شديد, فقد يكون السمُّ مدسوس فيها, وفى هذا السياق فقد صرَّح الفريق آدم حامد موسي والى ولاية جنوب دارفور المعزول في مؤتمر صحفي عقده بنيالا نهاية العام الماضى أنَّ ولايته ستضطر إلى إنشاء مستوطنات خاصة للنازحين, الذين يعتبرون 95% منهم من خارج الولاية, وذلك في حالة تعذر إعادتهم إلى مواطنهم الأصلية (أخبار اليوم 18/12/2003م), هؤلاء النازحين من خارح الولاية هم تحديداً الذين طُردوا من أراضيهم فى جبل مرة ووادى صالح ودار المساليت ووسط شمال دارفور, هم المزارعون المستقرون منذ وجودهم على أرض دارفور, والسؤال الذى يتبادر إلى الذهن فوراً هو لماذا وكيف ستتعذر إعادة أولئك النازحين إلى مواطنهم الأصلية؟ وإن كان سيادته سيتكفل ببناء مستوطنات خاصة لأولئك التعساء فلماذا لا يتم إنفاق تلك المبالغ ذاتها لإعادة تعمير قراهم التى طردوا منها ومد الخدمات إليها؟ إذاً لا بد أن يكون فى الأمر (إنَّ)! مثلاً تمليك تلك الأراضى والدارات لأولئك المجرمين الذين إرتكبوا الإبادة والتصفية العرقية ضد السكان الأصليين, أما الذين يعرفون حقيقة نوايا الفريق آدم حامد وسبب عزله من منصبه كوالى فلا بد أن يصيبهم شك فى كل ما يصرِّح به, وللأسف فقد صدَّقَت بعض التنظيمات الوطنية التى تعمل لمساعدة النازحين تلك الفرية وبدأت تخطط بدون وعى لتنفيذ خطة الحكومة الماكرة, فقد جاء فى الأخبار أنَّ منظمة شبكة دارفور, وبالتعاون مع الجهات المعنية في الدولة!, بدأت في عمليات إعمار وإعادة تأهيل «30» قرية بولايات دارفور الثلاث "لإعادة توطين" المتأثرين بالمنطقة، وقال حسن برقو الأمين العام لشبكة دارفور إنَّ الشبكة تستهدف إيواء «500» ألف نسمة في «15» قرية بشمال دارفور، و«8» قرى في غرب دارفور و«7» قرى بجنوب دارفور (الرأى العام 11/5/2004م).
وبذهاب الفريق آدم موسى, غير مأسوف عليه, يبدو أنَّ وزير الداخلية ممثل رئيس الجمهورية بدارفور اللواء عبدالرحيم محمد حسين قد إستلم الراية للمضى قدماً فى تنفيذ تلك الخطة, فقد ورد فى الأنباء أنَّ سيادته قد أعلن الشروع في إجراءات أمنية واسعة للتعامل مع كل أشكال الخارجين على القانون, وأنَّ خطة عمله بدارفور سينصب جلُّه في إعادة المواطنين إلى قراهم وتجميع القرى في مناطق من أجل توفير خدمات الصحة والتعليم والمياه وغيرها (الرأى العام 29/6/2004م), وقد فصَّل خطَّته تلك بأنَّه سيتم تجميع نازحي دارفور في "18" موقعا حتى يتسنى تقديم معونات غذائية ورعاية صحية لهم, وقال إنَّ ثمانية مجمَّعات ستقام فى ولاية جنوب دارفور وخمسة في كل من ولايتي شمال وغرب ردارفور, وأضاف أنَّه سيتم كذلك تدريب النازحين على حمل السلاح ليتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم!, وأوضح أنَّ هذه التجمعات "ستسهل تقديم الخدمات والحماية للأهالى الذين يقيمون الآن في قرى مبعثرة" (الصحافة 2/7/2004م), لقد أشار حسن برقو فى الخبر المنشور أعلاه إلى إنشاء "30" موقعاً لكنَّ الوزير يخفض ذلك إلى "18" فقط, ونلاحظ أنَّ حسن برقو أشار إلى مجموع "23" مجمَّع بولايتى شمال وغرب دارفور مما يتسق نسبياً مع الأعداد الكبيرة من النازحين من هاتين الولايتين تحديداً, لكنَّ الوزير يخفض ذلك إلى أقلَّ من النصف إذ يشير إلى إنشاء "10" مجمعات فقط فى نفس الولايتين بينما يحدد مقابلها تقريباُ (8 مجمعات) بولاية جنوب دارفور وحدها, وإذا علمنا بأنَّ معظم النازحين هم من الولايتين الأخريتين, خاصة ولاية غرب دارفور, فما الذى يهدف إليه سيادة الوزير؟ هل يريد حجز أولئك النازحين فى جنوب دارفور إلى الأبد وعدم تمكينهم من العودة مرة أخرى لقراهم أو بالأحرى أراضيهم؟ ثمَّ إنَّ الخبرين لم يوضِّحان ما إذا كانت تلك المجمعات ستكون مؤقتة أم دائمة, لكن غالب الظن أنَّها ستكون دائمة, بمعنى آخر أنَّ هؤلاء النازحين سيُنقلون إلى بلاد جديدة يتم توطينهم فيها ولا يملكون فيها ناقة أو جمل, بل وسيفقدون فى نفس الوقت بلادهم وأراضيهم الأصلية التى ولدوا فيها ونشأوا وترعرعوا عليها من أجل تمليكها للجنجويد. تلك حيلة لا تنطلى على أى متابع لحيل الحكومة.
ومن الأخبار التى وصلتنى مؤخراً من داخل دارفور إشارة إلى أنَّ البشمرقة (قوات الدفاع الشعبى القبلية) قد إستولوا على بساتين الفواكه فى جبل مرة ووادى صالح بعد أن طردوا أصحابها منها وأحرقوا قراهم, وأنَّهم ظلُّوا يجنون تلك الفواكه ويبيعونها فى الأسواق المحلية, وفى سوق نيالا ذاتها, دون أن يستطيع أحد أن ينازعهم عليها, بل أنَّ بعضهم قد إستولى على عدة جنائن للفواكه دفعة واحدة وأعلنها صراحة بأنَّها ملكه الحر حتى وإن عاد أولئك النازحين يوماً يسألون عنها! إلى هذه الدرجة تغض الحكومة بصرها عن الظلم المحدق والتربص الدائم بإنسان دارفور المسكين وحقوقه المشروعة, ناهيك عن حقِّه فى الحياة, فما الحل؟ نعتقد أنَّه طالما أنَّ الحق أبلج فلن يضيع طالما وراءه طالب, وإنَّ تلك الأراضى والدارات هى حقوق لأناس وقبائل ظلُّوا  يملكون حقوقها الشرعية قبل أن يتكون هذا السودان نفسه والذى يحاول حكامه اليوم تغيير مجرى نهر التاريخ لكنَّهم نسوا أنَّ المثل الدارفورى يقول "الوادى ما بخلى دربه", وبناءاً على ذلك نعتقد بضرورة التفكير فى الآتى:
* كل قبيلة فى دارفور تعرف حدود دارها تماماً ولذلك لا مجال لتغيير ذلك تحت أى قوى كانت, وسيتم مراجعة ذلك وفق الخرائط الأساسية التى رسمها الإنجليز عقب إحتلالهم لدارفور عام 1916م, فقد ظلوا لمدة ست سنوات يرسمون تلك الخرائط وفق ما كان سائداً فى تاريخ الإقليم وظلَّت كما هى وإلى مطلع التسعينات.
* بمجرد الوصول للسلام وإستتباب الأمن وتمكين الإدارات الأهلية من أداء واجباتها يجب مراجعة وإلغاء أى تغيير فى خريطة دارات القبائل, بجانب إلغاء خطة الحكومة التخريبية التى أسمته "نظام الأمارة".
* على الدولة أن تكون حاسمة مع المعتدين والمغامرين بشأن "الأرض", وأن تفهم أنَّ ذلك هو جزء صريح فى طبيعة النزاع الناشب الآن فى دارفور, كما إنَّ عليها وقف وحلِّ مليشيات البشمرقة والجنجويد الذين عاثوا فساداً فى الإقليم تحت رعايتها وبصرها.
* على حركات دارفور المسلَّحة أن تتعامل بحسم مع هذه الخطط الماكرة وأن تدفع بموضوع التوطين وإعادة التوطين إلى ملف المفاوضات السياسية. إنَّ إعادة إعمار القرى المحروقة بدارفور يجب أن تتم عبر صندوق دولى من أجل توفير التمويل المطلوب, بالرغم من أنَّ ذلك لا يعفى الحكومة من تحمل القسط الأكبر منها طالما هى التى خططت بالأساس لتدمير تلك القرى.
* إذا كان للجنجويد حقوق على الحكومة فعليها أن تتصرف معهم حيال ذلك بعيداً عن الإخلال بحقوق أهل دارفور التاريخية, وعليها أن تعلم بأنَّ أبناء دارفور سوف لن يسكتون على أى ظلم بعد اليوم.
(6)
النائب دوسة والدكتور مضوى وثمن الكلمة الشريفة:
ظلَّ النائب البرلمانى على حسين دوسة, عضو المجلس الوطنى عن دائرة مدينة نيالا, يمثل أبرز نوَّاب دارفور وأكثرهم جرأة ووقوفاً مع حقِّ أهله وقاعدته الإنتخابية والتعبير عن قضاياهم العادلة بصدق وتجرد, وهل يجدر بالنائب البرلمانى ألاَّ يفعل غير ذلك؟ لكنَّ الأنظمة الشمولية دوماً وأبداً, حتى وإن تدثرت بثياب الديمقراطية زيفاً وبهتاناً, تظل عارية كالفرعون المختال, فهذه الأنظمة تخشى أكثر ما تخشى صدى الكلمة الشريفة وتعتبرها رصاصة مصوَّبة نحوها تعمل لتخطيها بكل السبل, وأقصر الطرق لذلك هو تكميم الأفواه, والنائب المحامى دوسة هو اليوم من سجناء الضمير يقبع فى الحراسة تحت تهم ملفقَّة القصد الوحيد منها هو إسكات صوته الأصيل فى قاعات البرلمان, وقد ظلَّ يُدخِل الحكومة مراراً وتكراراً فى حرج شديد فى العديد من القضايا الهامة, فإعتبرته شوكة فى جنبها وقررت إخراسه, وحسب مزاعم المسؤلين فى الأجهزة الأمنية أَّنَّه كان يعقد إجتماعات بمنزله بحضور شخصيات أجنبية لمجموعة من العناصر التي لها صلة بالخارجين على القانون بدارفور فضلاً عن أنشطة مشبوهة أخرى ظلَّت السلطات ترصدها وكان معظمها يتعلق بتقويض ومناوءة جهود الدولة لتحقيق السلام وإستغلال موقعه للتنسيق مع المتمردين ودعمهم بالمعلومات. من ناحيتنا نعلم وغيرنا ببطلان هذه وغيرها من التلفيقات والإتهامات المرفوعة بحق الرجل, فإذا إجتمع النائب دوسة بأهله فى دارفور فإنَّه قد فعل ذلك داخل مدينة نيالا, وهى ذات المدينة التى يمثلها فى البرلمان دستورياً, فلماذا لا يجتمع بهم؟ وإذا كانت الحكومة تعلم أنَّ الذين إجتمع بهم فى داره هم من الخارجين على القانون بدارفور, حسب زعمها, فلماذا لا تقبض عليهم بالأساس؟ وحتى إن إجتمع النائب دوسة بأجانب فقد كانوا فى الغالب أجانب غربيين من المهتمين بعمليات الإغاثة وحقوق الإنسان, سمحت لهم الدولة بدخول البلاد والتحرك حتى الوصول إلى نيالا, فما الخطأ فى ذلك؟ وإذا كان النائب البرلمانى يمثل الصوت الشرعى لممثليه فعلى ماذا يلام إن إجتمع مع كل من يستفسر عن أحوالهم ولا يبتغى إلا الخير لهم؟ لقد فعلوا نفس الشيئ مع النائب البرلمانى عبدالله جار النبى لقوله الحق فى وجه الحكومة, فشنَّعوا به بالرغم من أنَّه كان المبادر بسودنة قطاع البترول السودانى من شركة شيفرون الأمريكية.
مثل المحامى دوسة يقبع الدكتور مضوي إبراهيم قيد الحراسة بتهم موازية تزعم دعمه لمسلحي دارفور, الدكتور أستاذ فى كلية الهندسة بجامعة الخرطوم ويرعى منظمة طوعية لمساعدة الأبرياء المتأثرين بالحروب بعد أن فشلت كل المنظمات الأخرى التى تدَّعى الإسلامية فى مد يد العون لهم, فما الخطأ فى ذلك؟ وبالرغم من فشل ممثل الإتهام فى إثبات أى جرم إرتكبه هذا الرجل, حسب متابعتنا للتغطية الإعلامية المكثَّفة على القضية ومراقبة لصيقة من ممثلى العديد من جمعيات حقوق الإنسان العالمية, من بينها منظمة العفو الدولية, لها إلاَّ أنَّ القاضى مدَّ حبال التحقيق رغم فشل الإتهام فى إثبات أى إدعاء بصورة قطعية.
الرجال الثلاثة أعلاه كلهم من غرب السودان, دوسة من دارفور والآخران من كردفان, كل منهم يعمل فى نشاطه وما يتطلبه موقعه وجهده لخدمة مجتمعه, لم يطالبوا بفصل غرب السودان من الجنوب, أو ينشؤوا منبراً لفصله عن الشمال, وقدرهم الوحيد أنَّهم غرَّابة. وعندما نشاهد الصورة الكاملة لأبناء الغرب فى الخدمة الحكومية نشعر بأسى حقيقى إذ نجد أنَّ أغلبيتهم قد تمَّت تصفيتهم من وظائفهم عبر برنامج منظم, من كل القطاعات الهامة فى خدمة الدولة, خاصة فى الأجهزة الأمنية مثل الجيش والشرطة وجهاز الأمن والجمارك, وإذا كان التوظيف فى القطاع الحكومى قد ساد لبعض الوقت على أساس القبيلة والجهوية, خاصة قطاع البترول, وهو السبب الذى جرَّ على عبدالله جار النبى غضبة الحكومة المضرية بكشفه لها, فإنَّ الأقلية التى كانت موَّظفة من قبل قد تمَّ التخلص منها أيضاً, الشيئ الذى يعنى خسران من الناحيتين وتجفيف كامل لوجودهم فى أجهزة الخدمة الحكومية. نقول لهؤلاء الإخوة "البِعَيِّشْ الله", ولا بد أن ينبلج الفجر مهما طالت حلكة الليل.
التحية لتجمع روابط طلاب دارفور بالجامعات والمعاهد العليا.
ونواصل...

 

آراء