محمد صالح محمد
في زوايا الروح المعتمة حيث تنام الذكريات وتستيقظ الندوب ينبت همس الشوق كزهرة برية تتغذى على الدمع. ليس الشوق دائماً صراخاً يملأ الآفاق بل هو في أحيان كثيرة ذلك الصوت الخافت الذي يسكن حنجرة الغياب تلك النغمة الحزينة التي تعزفها أصابع الحنين على أوتار القلب المتعبة في جوف الليل المتثاقل.
نداء الغياب في غسق الذاكرة …
يبدأ الشوق بهمسة… نبضة متمردة تشق طريقها عبر الصدر لتقول “لقد رحلوا” ومع كل غروب حين يغلف الحزن عباءته السوداء حول العالم يتحول هذا الهمس إلى قيد غير مرئي. إن الشوق الحزين ليس مجرد رغبة في اللقاء بل هو نزيف الذاكرة التي ترفض النسيان. هو أن تشم رائحة عطرهم في هواء فارغ وأن تسمع صدى ضحكاتهم في غرف موحشة وأن تمد يدك لتلامس طيفاً يتلاشى كلما اقتربت منه.
في تلك اللحظات يصبح الزمان عدواً والمكان زنزانة جدرانها صور قديمة وكلمات لم تقال. نهمس لأسماء الغائبين في عتمة الغرفة وكأن الحروف قادرة على إعادتهم من وراء جبال الفقد.
أبجدية الوجع الصامت …
الحب الذي ينتهي بالوداع لا يموت بل يتحول إلى “شوق معتق” في زجاجات الروح. هذا الهمس الرومانسي الحزين هو لغة لا يفهمها إلا من كسر الخذلان قلبه ومن عرف أن أقسى أنواع الغربة هي تلك التي نعيشها ونحن في أوطاننا لأن الوطن الحقيقي كان قلباً قد رحل.
همس العيون: تلك النظرات التي تتجمد على صورهم باحثة عن لمعة حياة في ورق صامت.
همس الورق: رسائل نكتبها ولا نرسلها نسكب فيها وجعنا ثم نحرقها كي لا يقرأ أحد انكسارنا.
همس الأحلام: حيث اللقاء الوحيد الممكن وحيث تنتهي الرؤيا بصرخة صامتة عند الاستيقاظ على واقع يخلو منهم.
عندما يصبح الحنين قدراً …
يقولون إن الوقت كفيل بالشفاء و لكن الشوق يهمس في آذاننا كل ليلة بأن الوقت مجرد كذبة نخترعها لنتحمل عبء العيش. إن الرومانسية الحزينة تكمن في ذلك الوفاء للمستحيل؛ أن تظل مخلصاً لذكرى لن تعود وأن تحب غيابهم أكثر من حضور الآخرين.
الحنين هو ذلك الوجع الأنيق هو الهمس الذي يخبرنا أننا ما زلنا أحياء رغم أن جزءاً كبيراً منا قد مات معهم. هو أن تعيش على هامش الحياة تنتظر معجزة لن تحدث وتقتات على “بقايا همسات” كانت يوماً وعوداً بالبقاء الأبدي.
بقايا عطر وفراغ موحش …
وفي النهاية يبقى همس الشوق هو الصديق الوحيد لمن أضناه الفقد. هو الجرح الذي لا يندمل واللحن الذي لا ينتهي. سنظل نهمس للريح، وللبحر، وللمساءات الحزينة لعلّ صدى أشواقنا يصل إلى تلك الأرواح التي سكنت البعيد ونظل ننتظر في محطات الانتظار المهجورة يلفحنا برد الشوق ويحرقنا لهيب الحنين في حكاية رومانسية كُتبت بمداد الدموع وعنوانها الأبدي “أشتاقك… بوجع”.
وهكذا يظل همس الشوق هو تلك الغصة التي لا تُبتلع والدمعة التي تأبى السقوط لتظل تحرق المآقي من الداخل.
إنه الوجع الذي لا يهدأ والنداء الذي لا يلقى جواباً سوى الصدى الجاف لجدران قلوبنا المتصدعة. في نهاية كل ليل ندرك أننا لم نكن نهمس لنستعيدهم بل كنا نهمس لنقنع أنفسنا بأنهم كانوا يوماً هنا وأن تلك الحكاية لم تكن مجرد سراب.
سنبقى هكذا نحمل خيباتنا كأوسمة خفية ونقتات على فتات ذكرياتهم مدركين تمام الإدراك أن الشوق حين يهمس فإنه لا يطلب وصلاً بل يعلن بصوتٍ متهدج عن موت جزء منا مع كل غياب هي ذروة الرومانسية الحزينة؛ أن تموت اشتياقاً لمن يحيى فيك بينما لا تملك أنت في دنياه حتى حق الوجود. ونمضي والهمس في صدورنا يشيخ، والانتظار يذبل، ولا يبقى في الأفق سوى طيف راحل وقلبٍ تعلم أن ينبض بوجعٍ ليبقى حياً.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم