دون عينيك لا وطن- تأملات في قصيدة حميد

بقلم: زهير عثمان
في إحدى أمسيات منتدى الدكتورة هند الحكيم، حيث تتلاقى القراءات الشاعرة وتنفتح الآفاق على أسئلة الجمال العميقة، وقفت على نص للراحل محمد سالم حميد — قصيدته “ياتو وطن؟”
فإذا هي ليست مجرد غنائية عابرة، بل رحلة وجودية تعيد تعريف المفاهيم الكبرى الوطن، السكن، الحب، حتى العبادة
تفتتح القصيدة بسؤال لا يبحث عن إجابة جغرافية “ياتو وطن؟” , إنه استفهام يقلب المعادلة < أين يتحقق الوطن حقًا؟ في الخرائط أم في العيون؟ منذ اللحظة الأولى، يؤسس حميد معادلته الشعرية الأكثر جرأة لا وطن بلا عين
وتصبح “العين” مركزًا دلاليًا تتقاطع عنده الذاكرة والهوية والعاطفة
و يتكرر البناء اللغوي وكأنه تعويذة “دون عينيك راح يبقى وطن” — ليس تكرارًا إنشائيًا، بل إيقاعًا يغرز الفكرة في اللاوعي
لكن ما يميز حميد هو قدرته على أنسنة الأشياء. المنديل هنا ليس قماشة، بل كائن حي “غازل خدك”، “هاج”، “اغمي عليه”، “رطن من الدهشة” و هذه الحركة من الجمود إلى الحياة ليست زخرفًا بلاغيًا، بل استراتيجية فنية تجعل العالم كله متورطًا في تجربة الحب
وحين تبكي العين، لا يبكي الإنسان فقط، بل تهتز الأشياء من حوله , وكأن الجمال حين يبلغ ذروته يصبح أثقل من أن تحتمله المادة

ثم يمضي حميد إلى إعادة كتابة الذاكرة العاطفية للإنسانية. يستدعي عنترة وقيسًا، لكنه لا يقارن — بل ينقل مركز الثقل “أصل القصة عيونك انتي” , التاريخ ليس نموذجًا، بل انعكاس و المعنى لا يُورَّث، بل يُخلق في كل لحظة حب
غير أن الذروة الحقيقية تبلغ عندما يقترب النص من التخوم الفلسفية والروحية. يقول حميد-
“واعبد الله الرسمك جوة” — وهنا تكمن المجازفة اللغوية الكبرى
كيف يصبح “الرسم” (المحدود الثنائي الأبعاد) محلاً للعبادة؟ هذا التوتر هو سر الجمال
حميد لا يؤله الحبيبة، بل يجعل جمالها دليلاً على الجمال المطلق. يتقاطع العشق الإنساني مع الحس الصوفي في لحظة دقيقة، بلا انزلاق ولا ادعاء

والمقطع الأكثر سحرًا في القصيدة هو الذي يتكرر كالبصمة الموسيقية –
“وقام منديلك… غازل خدك
غطي عيونك… غصبا عنك
هاج منديلك… اغمي عليه
ومن الدهشة الفيهو رطن”

هذا التكرار ليس حشوًا، بل إيقاع يحاكي حالة الدهشة والحب اللذين لا ينتهيان , وإنه نبض القصيدة، وتثبيت للصورة في ذهن القارئ كما يثبت المنديل دمعة العين
ويعود السؤال الأول، لكنه يتحول من استفهام إلى نتيجة حاسمة “مافي وطن في الكون الواسع دون عينيك”
الإنسان هنا لا يسكن المكان، بل يسكن المعنى الذي يمنحه إياه الحب. ليس الوطن ما نرثه، بل ما نشعر به. ليس ما نحدده على الخرائط، بل ما يتشكل في الأعماق.
بهذا، تثبت قصيدة “ياتو وطن؟” أن النقد الحقيقي يبدأ حيث ينتهي الإنصات
وأن الجمال حين يُكتب بصدق لا يكتفي بأن يعبر عن التجربة، بل يعيد تشكيلها من جديد , وفي جلسة مؤانسة كهذه، يبقى حميد شاهدًا على أن الحب هو أقصى درجات الوعي بالوجود.

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

مؤتمر برلين للسودان “انتصار مدني” فوق رمال متحركة.. قراءة في فجوة الشرعية والميدان

زهير عثمان انطلق في العاصمة الألمانية برلين مؤتمر دولي جديد بشأن السودان، متزامناً مع دخول …