دَوَّامة التّوْهـــان: بين تعاليم الإسلام وسلوك المسلمين .. الإلتصاق الصفيق والبُعد السحيق .. السودان نموذجاً (3) .. بقلم: محمد فقيري
30 أغسطس, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
35 زيارة
قلنا أنه مهما كان ، ومهما ظن الناس ، فإن في تسيس الدين أو تديين السياسة خسارة للدين ، فسوف تُرتكب بإسمه الجرائم ، وسوف يُفرّغ الدين عن محتواه ، فلا الدين سياسة ، ولا السياسة دين. ولا تحتاج تجربة السودان إلي شرح ، فهي تشرح نفسها بنفسها. الغريب أن بعض المتشيخين من أصحاب المنابر ، وبعض أدعياء (العلم الشرعي) من منتسبي هيئات ورابطات (العلماء) المحلية والعالمية ، لم يروا أي تناقض بين ما يدّعون تمثيله ، وبين (مائدة) السلطان الدسمة ، فأكلوا معه حد التخمة ، وشربوا معه حد الإرتواء ، وهونوا له الفساد ، وعاشوا عيشة الأمراء ، ولكن ، الأعجب من كل ذلك ، أن البعض ، من غير المستفدين من هذا الفساد غير المسبوق إليه في تاريخ البشرية ، يؤيدون عودة الفاسدين، بحجة أنهم يدْعون إلي دين الله وتطبيق الشريعة الإسلامية ، وهؤلاء مغيبون ومُستعطفون ، يحتاجون إلي ثورة مفاهيمية رادكالية لإعادة الوعي إليهم.
الإسلام السياسي ، هذا المصطلح هو ما تعارف الناس عليه في وصف محاولة البعض للحكم بإسم الدين في العالم الإسلامي، وليس هناك مصطلح بإسم (السياسة الإسلامية) ، ذلك أنه لا يكمن أن يكون هناك سياسة دينية ، فالدين والسياسة مختلفان ، السياسة تُحكم بها الدولة في جمعها لأشتات الناس من كل جنس ولون وعرق ومُعتقد، والدين يَحكم الأخلاق على الصعيد الفردي والمجتمعيي للمسلم ، ولأنه من المُمتنع أن يتحول الدين إلي سياسة ، فقد تم دمغ السياسة بدمغة دينية ، أو تم صبغه بصُبغة دينية ، وهي صُبغة زائفة ، إذ سرعان ما تذوب وتتلاشى مع أول (غسلة) ، فتظهر حقيقة السياسة عارية كما هي ، بكل درنها وأوساخها ، ولذلك ، فمن الأفضل والضروري أن يُفصل الدين عن الدولة ، عن الدولة ، وليس عن المجتمع ، وفي ذلك نفعٌ وتأصيل لكليهما ، الدين والسياسة ، وحتى تتضح الرؤية ، فلابد من معرفة ما هي الدولة وما هو الدين. الدولة هي الأرض والشعب ، بمعنى أن هناك شعب معين يعيش في أرض معينة بصورة مستقرة ودائمة فتتكون منهما (الدولة) ، تُحكم هذه الدولة التي تتكون من أفرادها وأرضها بسلطة سياسية مستقلة في وضعها وأساسها عن الأشخاص الذين يمارسون هذه السلطة . والنظام الذي يَحكم ليس هو الدولة ، النظام جزء من الدولة ، الدولة لا تقتصر على النظام الحاكم ، ونستعمل مصطلح (نظام) هنا لتقريب الفكرة ، إستعاضةً عن (الأحزاب) ، فنحن في عالمنا الثالث أُبتلينا بأنظمة دكتاتورية فردية تريد أن تَحكم للأبد ، وتعتقد هذه الأنظمة أنها هي الدولة ، وتوهم الشعب بأنها سيده وسيد الأرض التي يعيش فوقها ، وهكذا تضيع المفاهيم ويُغّيب الوعي وتُزوّر المعرفة وتنعكس الآيات. الدولة في تعريفها البسيط هي الشعب والأرض المملوكة لهذا الشعب ، يضع هذا الشعب ، عن طريق البرلمان أو المجلس التشريعي المُكون من أفراد مُنتخبين إنتخاباً حراً ، يضع (دستوراً) وضعياً إنسانياً دائماً ، دستور إنساني يعبّر عن كل فرد من أفراد هذه الدولة ، دستور يجعل الإنسان غاية في ذاته ،الإنسان بما هو إنسان ، هو الغاية ، كان مسلماً أو غير مسلم ، كان غنياً أو فقيراً ، كان سليماً أو معاقاً ، كان وزيراً أو غفيراً ، كان رجلاً أو كانت أنثى ، كان طفلاً أو كان بالغاً ، والدستور هو القانون الذي يجب أن يربي الحاكم والمحكوم ، يضع الشعب دستور يحميه ويحمى أرضه وينظم شئون حياته ويحدد سلطات الهرم السياسي وطبيعة هذه السلطات وإختصاصتها وعلاقاتها ببعضها وحدودها ، ويعبر الدستور بروحه عن أشواق وتطلعات الإنسانية في العدل والمساواة في كل شئ ، ويُقنن العلاقة (الدنيوية) بين أفراد هذا الشعب ، و يبين الحقوق و الواجبات الخاصة بالمواطنين و المسئولين ، ويضْمن أداء هذه الحقوق للمواطنين ، ،أفراداً وجماعات ، وينص على صيانة الحريات الشخصية ، يحدد الدستور طبيعة أو شكل (الدولة) ، ويحدد الدستور ،مع القوانين الملحقة به ، يحدد بوضوح وبصورة مفصلة إختصاص السلطات الثلاثة التي تتكوّن منها منظومة الحُكم ، وهي السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية ، والدستور قانون إنساني وضعي واحد يتساوى أمامه الجميع دون إستثناء ، غض النظر عن أعراقهم أو ألوانهم أو إنتماءاتهم أو معتقداتهم. تحت هذا الدستور الدائم بقوانينه ولوائحه الثابتة ، تتنافس الأحزاب ببرامجها الخدمية والتنموية ، ومن يفوز بأغلبية الأصوات في الإنتخابات يكوّن السلطة التشريعية و(الحكومة) أو السلطة التنفيذية ، هذه السلطة التنفيذية تعمل على تنفيذ برنامجها التي وعدت به ، ملتزمة بالدستور والقوانين واللوائح الموضوعة أصلاً عن طريق (الدولة) ، والحزب الفائز لا يُنشأ دولة ، إنما (يخدم) الشعب بالقوانين التي وضعها الشعب عن طريق نوابه المنتخبين ، والموظفون من كبيرهم لصغيرهم خُدام للشعب ، وليسوا أسياداً له ، والدستور هو القانون الأعلى في الدولة ، ويجب على القوانين واللوائح الفرعية أن تتوافق مع المحتوى الكلي للدستور ، وأن لا تتعارض مع المبادئ الأساسية التي تنص عليها الدستور ، ومع أن القوانين الفرعية يمكن تعديلها إذا تتطلب الأمر ، يبقى تعديل بنود الدستور من الصعوبة بمكان ، إذ يتطلب ذلك ، الإعلان عن هذه التعديلات ، وإعطاء وقت كاف للتدوال ، ولا يعدّل أي بند إلاّ بموافقة ثلثي النواب ، كما أنه لا يعدّل إلاّ يالألية التي نص عليها الدستور. كما أنه من الضروري إنشاء (المحكمة الدستورية) كمحكمة عليا في السلطة القضائية ، تختص هذه المحكمة بالفصل بين دستورية القوانين والتشريعات والأحكام القضائية ، وقراراتها قطعية لا تقبل النقض ، كل هذه الإجراءات الصارمة تُنص في الدستورحتى لا تتغول الحكومات المتعاقبة على الدستور ومحاولة تعديلها وفقاً لمصلحة الحزب، وعلى الحزب الذي يرى أن هناك مادة محتاجة إلي تعديل ، عليه أن يطرح هذا الإقتراح ضمن برنامجه الإنتخابى حتى يقرر الناس التصويت له أو ضده. ما أود الوصول إليه هو أن القوانين الأساسية والتي تحدد شكل الدولة وينظم عمل السلطات المختلفة ثابتة ومضمنة في الدستور ، ولا يُمكن أن يأتي حزب ما بايدلوجيا معينة ليحكم بها ، ويعطل العمل بالدستور القائم ، فذلك إنقلاب ، وهو ما يفعله الإنقلابيون.
نواصل
fageer05@gmail.com