أخبار عاجلة

د. عبد الله علي إبراهيم…من ضمير اليسار إلى منابر التبرير

علاء خيراوي
khirawi@hotmail.com

في التاريخ السياسي، لا شيء أكثر إثارة للدهشة من تحوّلات النخب الفكرية حين تنكسر أمام إغراء السلطة أو تستسلم لمرارة الهزيمة. هناك لحظة دقيقة يتبدّل فيها موقع المثقف من ضميرٍ ناقدٍ للسلطة إلى محامٍ مُتطوّعٍ عنها؛ من شاهدٍ أخلاقيٍ على الجريمة إلى صانعِ مبرّراتٍ لها. هذه اللحظة ليست مجرّد “تغيّر رأي”، بل انقلابٌ في البوصلة، وانحرافٌ في المسار، وانقلابٌ على ذاكرةٍ كاملة من النضال اليساري الذي قام أصلاً على مناهضة الاستبداد، وفضح توظيف الدين في السياسة، والدفاع عن حرية الفكر والجسد والضمير.

فحين يتحوّل رجلٌ خرج من رحم اليسار إلى مدافعٍ شرسٍ عن منظومةٍ إسلامويةٍ صنعت بيوت الأشباح، وشرعنت القتل، وأفسدت الدولة، ومهّدت الطريق للحروب المتعاقبة، بما فيها الحرب الراهنة التي تمزّق السودان اليوم، فإننا لا نكون أمام اختلافٍ فكري، بل أمام خيانةٍ معرفية وسياسية وأخلاقية. هكذا يظهر د. عبد الله علي إبراهيم؛ مثقفٌ كان يُفترض أن يقف حيث يقف الضحايا، فإذا به يقف، ببلاغةٍ متلوّنة، في صفّ الجلاد؛ يُخفّف عن الكيزان أثقالهم، يُعيد تأطير جرائمهم “كسوء فهم تاريخي”، ويحوّل الدم إلى مادةٍ للتنظير، لا للمساءلة.

ففي لحظاتٍ بعينها، لا تعود الأسئلةُ عن “مَن نفّذ” كافية، ولا يصبح “مَن صرخ في “ساحة المقصلة” تفصيلاً ثانوياً. تلك اللحظة هي صباح ١٨ يناير ١٩٨٥؛ يوم أُخرج الأستاذ محمود محمد طه إلى حبل المشنقة بعد محاكمةٍ خاطفة بدأت جلساتها في ٧ يناير ١٩٨٥، وانتهت إلى عقوبةٍ قصوى في مناخٍ سياسي وديني مُعبّأ، ثم نُفِّذ الحكم علناً.
بعد واحدٍ وأربعين عاماً، يعود د. عبد الله علي إبراهيم ليعيد تعريف الجريمة؛ لا “الكيزان” في مركز الاتهام، بل “المشيخة” لا سطوة السياسة، بل “جغرافيا استعمارية” تُقسِّم الفضاء إلى حداثةٍ وتقليد؛ لا التحريضُ والتنفيذُ وتواطؤ الدولة، بل “نباحٌ على الشجرة الخطأ” من” الحداثيين”. هكذا يطرح الرجل سرده الإسلاميون “موزورون” ولكنهم “أقل جرماً”، أما الخصومة “الحقّة” فهي مع قسمٍ شرعيٍ ومصلحة شؤونٍ دينيةٍ وعلماء معهدٍ، ويستدعي في الطريق فرانز فانون بوصفه مفتاحاً تفسيرياً، ويستشهد بـحسن الترابي وبقولٍ منسوبٍ إليه نقلًا عن منصور خالد، ثم يبني الخلاصة؛ السياسة التي جعلت تنفيذ حكم ١٩٦٨ ممكناً في ١٩٨٥ هي المدخل الوحيد “لتحديد من قتله على وجه اليقين”، وما عدا ذلك تزيّدٌ حداثي.

لكن المسألة هنا ليست “قصة تفسير” بين نظريتين؛ بل هي امتحان للمعيار؛ هل يمكن فصل الإعدام السياسي عن القوة السياسية التنفيذية التي جعلته ممكناً؟ وهل يُعقل أن نُبدّل مركز الثقل من الدولة وأجهزتها وتحالفاتها إلى “هيئة” تُصوَّر كأنها تعمل وحدها خارج ماكينة الحكم؟
إذاً لنبدأ من الثابت الذي لا يختلف عليه جادٌّ؛ الإعدام جرى في عهد نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري، وبغطاء “قوانين سبتمبر” التي صار تطبيقها في سياق ذلك العهد جزءاً من شرعية السلطة لا مجرد رأيٍ فقهي. ووفق سرد عبد الله نفسه، فإن الحكم القديم بالردة عام ١٩٦٨ لم يُنفّذ لأن التنفيذ كان بيد القضاء المدني، ثم تغيّرت الشروط السياسية لاحقاً بما أتاح تحويل “حكمٍ معطّل” إلى “مشنقةٍ عاملة”. هذه ليست حجةً لتبرئة الإسلاميين، بل إقرارٌ صريح بأن السياسة هي الجسر الإلزامي بين ورق الحكم وحبل التنفيذ.

ثم إن ما يسميه “المشيخة” أي الجهاز الديني/الشرعي داخل بنية الدولة لا يملك، بذاته، أدوات القبض والحبس والحراسة والحشد والإعلام والتنفيذ. هذه كلها أدوات دولة. وعندما تقع جريمةٌ بهذه الطبيعة، يصبح السؤال الحاسم؛ من جعل أدوات الدولة تعمل في اتجاهٍ واحد؟ من وفّر الغطاء؟ من أدار “المشهد” بوصفه رسالة ردع عامة؟ من سمح بتحويل الخلاف الفكري إلى عقوبة موتٍ معلنة؟
هنا تتهاوى لعبة “التخفيف” التي يحاولها عبد الله؛ الاعتراف بأن الإسلاميين شجّعوا، وهتفوا، واستثمروا، ثم القول إن دورهم “ثانوي”. فهو بنفسه يثبت في سطرٍ شديد الدلالة؛ أن شهوداً سمعوا هتاف “سقط هبل” أثناء الإعدام.
والهتاف في مثل هذه اللحظة ليس “انفعالاً شعبياً” بريئاً؛ إنه إعلان ملكية سياسية ورمزية للجريمة؛ نحن هنا، نحن المنتصرون، نحن الذين نُسقط “هبل” نحن من يكتب معنى الدولة في أجساد المختلفين.

والأخطر من الهتاف؛ محاولة تحويله الجريمة إلى نزاعٍ بين “حداثيين” و”تقليديين”، وكأن أولياء الدم المجتمع، والضمير العام، وحق الحياة مجرد طرفٍ في سجالٍ معرفي. بينما الوقائع تُشير إلى أن محاكمة ١٩٨٥ كانت بحسب توصيفات حقوقية لاحقة نموذجاً لإجراءاتٍ معيبة. منظمة العفو الدولية وثّقت أن محمود محمد طه أُعدم علناً بتهمة “الهرطقة/الردة” بسبب طرحه تفسيراً مغايراً للإسلام، وأشارت إلى طبيعة الإعدام بوصفه حدثاً سياسياً/حقوقياً بالغ الدلالة.

بل إن المعنى الأكثر فداحة يأتي لاحقاً من خلال صدور أحكام/قرارات قضائية بعد سقوط نميري تنقض شرعية ما جرى وتعيد الاعتبار، على نحوٍ صريح في مصادر سودانية حقوقية وإعلامية؛ منها ما يشير إلى أن المحكمة العليا أبطلت/نقضت الحكم وأعادت الاعتبار في قرارٍ عام ١٩٨٦ (مع اختلاف تواريخ الإشارة بين المصادر).

وهنا تتبدد محاولة “نقل القتل” إلى مجرد “فضاء استعمار” أو “نقابة قضاة شرعيين” أو “وزارة أوقاف”؛ فلو كان الأمر مجرد “خصومة مهنية” داخل جهاز إداري
معزول، لما احتاج إلى سقوط النظام كي يبدأ القضاء في تفكيك بنيته والاعتراف بعلله الدستورية والإجرائية. أما الاستناد إلى الكاتب الإسلاموي عبد الوهاب الأفندي باعتباره “مؤرخ الحركة الإسلامية” ثم البناء على رواية “التواصي بالحسنى” مع الجمهوريين، فهو في أحسن أحواله اعترافٌ بأن الحركة كانت حاضرةً في المشهد، تتفاعل معه وتخسره وتربحه، وتُفاجَأ “بحماستها” عند صدور الحكم. لكن “المفاجأة” لا تمحو المسؤولية؛ هي فقط تصف انتهاز اللحظة؛ عندما فتحت الدولة الباب، دخلت القوى التي تعرف كيف تحوّل الفقه إلى سلاح، والعداء إلى سياسة، والمحكمة إلى منصة.

الحقيقة التي تغاضى عنها عبدالله، ان الكيزان تاريخياً لم يكونوا موظفين صغاراً في هامش تلك الحقبة؛ كانوا جزءاً من إعادة تركيب السلطة بعد المصالحة الوطنية ١٩٧٧، ومن صناعة المناخ الذي يجعل “التكفير” سياسةً عامة، ويحوّل اختلاف الرأي إلى “تهديد للأمن”، ويجعل الحكم بالإعدام مقبولاً اجتماعياً لدى كتلةٍ منظمة تعرف كيف تحشد وتضغط وتحتفل. وبهذا المعنى، فإن السؤال ليس؛ هل الكيزان وحدهم؟ بل؛ هل يمكن أن يحدث ما حدث دونهم ودون تحالفهم مع الدولة في تلك اللحظة؟ عبد الله يريدك أن تجيب؛ نعم. بينما المنطق السياسي يقول؛ صعبٌ إلى حد الاستحالة.

لذلك، فالمعضلة الأخلاقية في أطروحة عبد الله ليست في رغبته “إضافة فاعلين” إلى القصة، بل في نزوعه إلى قلب ميزان المسؤولية؛ تحويل الجريمة من قرارٍ سياسي مكتمل الأركان إلى “تاريخ مهني” لجهازٍ ديني، ومن تحالف سلطةٍ وحركةٍ إلى “مانوية استعمارية” بين فضاءين. وهذ مهما تزيّنت بمفردات النظرية ليست قراءةً تُنصف الشهيد، ولا تُنصف التاريخ، ولا تُنصف فكرة العدالة الانتقالية التي لا تقوم على تفكيك اللغة بقدر ما تقوم على تفكيك السلطة. العدالة ليست تمريناً في البلاغة. العدالة تسمّي الأشياء بأسمائها؛ دولةٌ قرّرت، وجهازٌ شرعيٌ شرعن، ومحكمةٌ نفّذت تحت ظلّ نظام جعفر نميري، وحركةٌ إسلاميةٌ رأت في الإعدام انتصاراً رمزياً، فحضرت وهتفت واستثمرت، ثم جاء ما بعد ١٩٨٥ ليكشف قضائياً وحقوقياً، مقدار العطب في تلك المحاكمة.

ولأولياء دم محمود، بالمعنى الواسع؛ كل من يرى في الحرية حقاً، لا يُطلب منهم أن يفتحوا بلاغاً ضد “الجغرافيا السياسية للعنف”. يُطلب منهم فقط ألا يسمحوا بتزوير مركز الجريمة؛ الجريمة كانت سياسيةً بامتياز، والدين كان أداتها، والقضاء كان مسرحها، والدولة كانت ذراعها، والكيزان كانوا من أبرز من صفقوا لها، لا لأنهم وحدهم صنعوها، بل لأنهم عرفوا دائماً كيف يحولون الموت إلى”مَأْثَرة”، ثم يهربون من تبعاته حين تحين لحظة الحساب.

خلال هذه الحرب، واصل خطاب د. عبد الله علي إبراهيم وكأنه ينتقل بخفّةٍ لافتة من موقع المثقف الذي يشهد على الخراب إلى موقع المعلّق الذي يُلطّف بشاعة المشهد؛ ففي الوقت الذي كانت فيه المدن تُقصف والأحياء تُمحى من الوجود، شبّه الصراع بـ”رقصة تانغو”، في استعارةٍ أنيقة لفظاً لكنها فظة أخلاقاً، لأنها جرّدت الكارثة من دمها وألمها وحوّلت المأساة إلى مشهدٍ جمالي بارد. ولم يكتفِ بذلك، بل تجنّب الدعوة الصريحة لوقف فوري للحرب، مفضّلاً الحديث عن “تهيئة شروط التفاوض”، وكأن أرواح المدنيين يمكن أن تنتظر اكتمال حسابات النخب، وهو موقفٌ يضع الزمن السياسي فوق الزمن الإنساني. وفي تحليلاته ظلّ يمرّ على الكارثة الإنسانية مروراً عابراً، مُغرقاً النقاش في التجريدات النظرية، وكأن ملايين النازحين والمقتولين هامشٌ ثانوي أمام هندسة المفاهيم، وهو ما كشف فجوةً أخلاقية بين البلاغة والمعاناة. والأخطر أنه أعاد توزيع المسؤولية بطريقةٍ تُخفّف العبء عن آلة العنف نفسها، موجّهاً سهام الاتهام نحو قوى الحرية والتغيير والقوى المدنية بوصفها “المحرّض الخفي” على الحرب، في انقلابٍ صارخ يجعل الضحية متّهماً والجلاد محلّلاً. هذا المنحى لم يأتِ فجأة مع الحرب؛ فقد سبقها بخطابٍ يشيطن “الحداثيين” ويبرئ الكيزان من كثيرٍ من جرائمهم، ممّا مهّد نفسياً لتطبيع ما يجري اليوم. وفي كل ذلك بدا تحليله أقرب إلى التواءٍ أكاديميٍ بارع في تفادي الإدانة الواضحة، يُغرق الوقائع في التنظير بدل أن يسمّي الفاعل باسمه. وهكذا تحوّل نقده لمسارات الثورة والانقلاب إلى هجومٍ متواصل على المدنيين، بينما ظلّت بنادق الدولة والميليشيا خارج دائرة الغضب الأخلاقي، ليغدو موقفه، في مجمله، شاهداً على كيف يمكن للغةٍ رفيعة أن تُستخدم لتخفيف ثقل الجريمة بدل فضحها.

في النهاية، ليست القضية مجرد اختلافٍ في القراءة أو تنوّعٍ في التحليل، بل هي صراعٌ على معنى العدالة والذاكرة والمسؤولية. حين ينحاز المثقف إلى لغةٍ تُلطّف الدم وتُؤنسن الجلاد وتُجرّم الضحية، فإنه لا “يفكّك المشهد”، بل يعيد إنتاجه أخلاقياً. ما فعله د. عبد الله علي إبراهيم في هذه الحرب، كما في تبرئته للكيزان من دم الشهيد محمود، ليس اجتهاداً بريئاً، بل إعادة ترتيبٍ مقصودة لموازين الإدانة؛ نقل الجريمة من ساحة السلطة إلى فضاء التجريد، ومن بندقية الدولة إلى خرائط النظرية، ومن حبل المشنقة إلى “الجغرافيا” و”المشيخة”. لكن الدم لا يقبل المجاز، والضحايا لا تُطمس أسماؤهم في هوامش التنظير. سيظلّ تاريخ السودان يذكّرنا بأن الجرائم تُرتكب بأيدٍ محددة، وتُشرعن بسلطةٍ محددة، ويُحتفى بها من قبل منظوماتٍ محددة، وأن محاولة غسلها بالبلاغة لا تزيدها إلا وضوحاً. وإذا كان هناك درسٌ أخيرٌ لهذه الحرب، فهو أن الوطن لا يُنقذ بالتماهي مع الجلاد ولا بتجميل القبح، بل بالوقوف الصريح مع الحقيقة، ومع الضحايا، ومع العدالة التي لا تُساوم ولا تُوارب، حتى وإن طال الطريق.

عن علاء خيراوي

علاء خيراوي

شاهد أيضاً

الفعل المدني المتواصل… الطريق الأقصر لإرباك الديكتاتور الصغير

khirawi@hotmail.comعلاء خيراويفي اللحظات التي تفقد فيها السلطة ثقتها في شرعيتها، لا تجد ما تتكئ عليه …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor