رحيل الطيب الجد: تراجُع دور العائلات الدينية في السُودان الشمالي

زرياب عوض الكريم

في الوقت الذي يُغادرنا جيل الستينيات الإجتماعي والسياسي ، لا يمكن تجاهُل غياب التأثير السياسي والإجتماعي للعائلات والمرجعيات الدينية وحتى القبائلية في السُودان الشمالي ، التي لعبت دوراً مُهماً في الحقبة البريطانية منذ الثلاثينيات حتى الإنقلاب العسكري الشيوعي (مايو 1969) واليميني (يونيو 1989).

بعد مرور أربعين عاماً من حكومة نظام الإنقاذ 1989 ، الذي مثل (مهدية جديدة) فاشلة ، يُمكننا مُلاحظة ورصد تجريف البنيات الإجتماعية بوضوح.

نحن أمام إجتثاث قبلي وطائفي وهوياتي مُتعمد.

لم تعد لتلك البنيات الإجتماعية بما فيها العائلات الدينية والمرجعيات الروحية الإسلامية للتصوف ، دور في التنمية الإجتماعية أو الخدمة الإجتماعية أو فض النزاعات.

كما لم يعد لهم دور رئيسي في التعليم الديني – اللاهوتي ولا القضاء العُرفي ولا حتى الخدمة الدينية والتعبدية liturgy.

بعد أن صادر أفندية الإسلاميين كل هذه الوظائف الإجتماعية ، التي تشكل مورداً سياسياً للشرعية الإجتماعية والتنافس السياسي ، لصالح نُخبتهم البديلة , من الموظفين البيروقراطيين والموظفين الأمنيين والسلفية المُستوردة من الخليج.

وقد إقتصرت المساحات الأمنية المُقيدة للإدارة الدينية والأهلية في زمن النظام السيكروقراطي الإنقاذي ، على الأدوار الأمنية والوساطات الإجتماعية المشبوهة المدفوعة من السلطة وشراء ذمم التأييد الزبوني في الإنتخابات ، مُقابل الأموال المدفوعة للطرق والزوايا الصوفية التي تعاني من العجز المالي للتعبئة الإجتماعية وغياب رئة الإقتصادات المُستقلة.

تقزيم المرجعية الدينية (الزوايا الصوفية) وحصر دورها ، إلى وظيفة إحتفالية مسرحية ceremonial Function.

لعبت ثورة أكتوبر 1964 التي مثلت ثورة بروليتاريا ريفية قبلية أساساً ذات أحلام برجوازية ، بتوجهها اليساري الغالب دوراً مهماً ، في تفكيك البنيات التقليدية في المجتمعات السودانية والقطيعة معها ، بشكل لا رجعة فيه.

بموجب ذلك أصبحت العائلات الدينية ودور قوى الإقطاع التقليدي الريفي عموماً ، عقبة أمام طموحات الشباب البروليتاري والنخبة البرجوازية معاً.

وبموجب تلك الثورة أيضاً ، أصبحت النُخب والبرجوازيات القبلية ، تتناسل مُتنافسة في الريف في سياق من التدافع والتناحُر وصولاً إلى الحروب الأهلية في ريف دارفور وكردفان منذ (1983).

إلى الظاهرة الشبابية (البروليتاريا الرعوية والفلاحية) المُتحورة إلى (بروليتارية نفطية) و(بروليتاريا ريعية) ، تتغذى على ريع الدولة وريع الجباية والفساد ، دون أن تكون طبقة أو طبقات مُنتجة.

وهذه الظاهرة الشبابية ، ذات الطموحات الجامحة ، هي أكبر مهدد للتركة الإستعمارية والدولة الوطنية الجامعة ، للسلم الأهلي والتعايُش الطبيعي والدستوري ، وكل ميراث التعاقد الإجتماعي وإمكانياته في المُستقبل المنظور. بعد أن إستبدلت التعاقدات الإجتماعية التي ضمنت السلم الأهلي الطويل للسير ونجت باشا (1898-1916) وما تلاه حتى (1969) ، بشرعية جمهوريات الخوف والإرهاب الثوري.

Northernwindpasserby94@gmail.com

عن زرياب عوض الكريم

شاهد أيضاً

السُعودية والمُشكلة السودانية : إمكانية تصحيح علاقة المركز العربي بمُجتمعات الأطراف

زرياب عوض الكريم مَسألة سُودانية أم مُشكلة سُودانية ؟ المُشكلة الوطنية في السُودان ، هو …