رسالتان في بريد اللص الشريف .. بقلم: عزالدين صغيرون
26 مارس, 2021
المزيد من المقالات, منبر الرأي
123 زيارة
قارئ كريم لفت نظري، رداً على ما جاء في الحلقة الأولى من هذا الحديث وكانت بعنوان “لصوص جديرون بالاحترام”، إلى أن “ما سقته من شواهد لا يسوق إلى السؤال: من يحكم هذا العالم: الإله الخالق أم الشيطان؟.
فهو على العكس يرى بأن ” الأجدر أن يكون السؤال لماذا استسلم الإنسان لإغواء الشيطان، فكل ما سقته يدل على تسليم الإنسان نفسه لإغواء الشيطان”.
ومن حقّ القارئ المتداخل عليَّ في ما أرى أن أسجل اختلافي معه في المنظور الذي يقترحه.
لأنني ببساطة لا أرى ثمة داع لإقحام الإله الخالق أو الشيطان في هذا الإشكال البشري.
كما أريد أن أؤكد بأن القوى الاجتماعية والأيديولوجيات التي ظلت تروّج على مرّ التاريخ لمثل هذه الفكرة إنما تفعل ذلك دائما لتكريس سيطرتها، وذلك بإحالتها ملفات الظلم والاضطهاد واللامساواة إلى السماء.
ومنظور مثل هذا لقضية حرية الإنسان وحقوقه، ولمبادئ العدل والمساواة، لن يؤدي في نتائجه إلا إلى “تأبيد” سلطة هذه القوى الاجتماعية وسيطرتها، وتأبيد الظلم والقهر والتسلط.
وهذا ما يؤكده احتجاج قارئنا الفاضل نفسه، حين يؤكد بأن استسلام الإنسان لإغواء الشيطان “لا يعني صحة نظيرة (نظرية؟) الشيطان في أن الإنسان لن ينجح في عمارة الأرض، فقد عمرها الإنسان وانظر لجوالك، وستري مقدرة الإنسان على عمارة الأرض، ولكن سيادة النزعات الشيطانية في الإنسان اليوم ناتج عن طمعه في تحقيق المزيد وإهماله للقيم، وهذه مرحلة تمر بها البشرية ليتأكد لها عمليا ضرورة سيادة القيم السماوية والعمل على إرسائها بعد إعمال عقله وفكره وبذلك تترسخ هذه القيم”. يقول القارئ الكريم.
أرأيت إلى أين يقودنا هذا المنظور الغيبي حين نسئ تفسيره أو تأويله، أو نسئ توظيفه سياسيا واقتصاديا واجتماعيّاً، أياً كان نصه المؤسِس قرآنا أم إنجيلا أم توراة؟!.
فبدلاً من أوجِّه بصري صوب الإنسان “فاعل” الفعل، وهو المتعين الشاخص في الزمان والمكان المعين أمامي ، أصرفه بحثاً وراء حُجب الغيب وأستاره الكثيفة عن مَن دفعه ليفعل ذلك!!.
ولن أقف هنا، لأن عقلي سيقول لي : حسناً، نقاوم مَن في هذه الحالة، هل نقاوم الإله الخالق أم نقاوم الشيطان، لنقيم القسط بالعدل في الميزان، فنعمر الأرض، ونملأها عدلاً بعد أن مُلئت جوراً؟.
ونحمِّل مَنْ مسؤولية تقبيح الأرض وإفسادها وقتل الناس جوعاً والقضاء على الحياة فيها؟.
وبعد أن نحدد المسؤول، سواء أن كان الإله الخالق أو مخلوقه الشيطان، هل نستطيع محاكمته، هل بمقدورنا محاكمته، وهل لدينا القدرة الفعلية لتنفيذ أحكامنا؟.
هل سيقوم بتصحيح خطأه، فيُصلح بنفسه ما قام بإفساده، ويقوم بتنفيذ ما يحب الرب الخالق؟، أم سيكلف من يقوم بذلك عنه؟.
المؤمن التقي سيجيب على كل هذه الأسئلة بإعادتك إلى المربع الأول ليؤكد لك بأن الشيطان هو المسؤول عن هذه الفوضى التي تعم العالم، إلا أن الإله الخالق سيتدخل في اللحظة المناسبة لإنقاذ الموقف وحسمه لصالح الإنسان والحياة والأرض، وتؤول الأمور في نهاياتها إلى خير.
وقد عبَّر قارئنا الكريم عن هذه القناعة بقوله ” لو نظرت لمجريات التاريخ تجد أن الإنسانية بين كل فترة وأخرى تتعرض لعوامل خطيرة جدا تهدد بقاءها فتتدخل القيادة الإلهية لتصحح لها المسار لتعي مزيد من الدروس”.
وقد ردّ على هذا الرأي من قبل عالم الرياضيات والفيلسوف الانجليزي برتراند رسل في كتابه “هل للإنسان مستقبل؟” كما أتفق في الرد عليه كاتب مقدمة الكتاب فيلسوف التاريخ آرنولد توينبي. حيث قال الأول بعد أن استعرض المصير الأسود الذي ينتظر الإنسان والحياة على الأرض كلها في حال نشوب حرب عالمية ثالثة تُستخدم فيها الأسلحة النووية، بأن كثير من المؤمنين الأتقياء كتبوا إليه ناعين ضعف إيمانه، فالله فيما يؤكدون له ساهر على حماية الأرض ولا داع لكل هذا القلق. يرد عليهم اللورد رسل متعجبا من ثقتهم ومتسائلاَ : إذا كانت نفس هذه العناية الإلهية قد سمحت من قبل بنشوب حربين عالميتين، فما الذي يجعلهم على يقين بأنها لن تسمح بقيام الحرب للمرة الثالثة؟!!.
وقد حسم الخلفة الراشد عمر بن الخطاب هذه الاشكالية بقوله لمن حاجه بقضاء الله وقدره فيما يرتكب الانسان من ذنوب وخطايا وأخطاء تعفيه من تحمل المسؤولية والجزاء “نحن نؤمن بقضاء الله ولكنا لا نحاكم به”.
أما إذا كنا سنستدل بالجوالات وأجهزة التواصل الحديثة والصواريخ وغزو الفضاء وما إليها من الكشوفات العلمية والوسائل التقنية المذهلة لنثبت بأن الإنسان بالفعل يسير في اتجاه رغبة الرب الخالق في إعمار الأرض، فإن نظرة للوجه الآخر للصورة تؤكد لنا بأن الإنسان – على العكس – قد جعل منها أسلحة فتاكة ووسائل أكثر كفاءة لفنائه، بل ولتدمير الحياة على الأرض وإبادة الأحياء فيها.
إن ما أحرزه الإنسان من تقدم خلال نصف قرن بقدر ما شكّل ثورة نوعية في الحياة على الأرض، بقدر ما طرح أيضاً من تحديات وتهديدات غير مسبوقة في تاريخ الإنسان والأرض.
وقد أحصى تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس طائفة واسعة، تتجاوز الخمسين من المخاطر الاقتصادية، والبيئية، والجغرافية-السياسية، والمجتمعية والتكنولوجية التي تشكل تهديداً مباشراً على مستقبل الحضارة والحياة على الأرض، حاثين الحكومات في تقرير “المخاطر العالمية 2013″، الذي أصدره المنتدى، على ضرورة التعلم من الشركات وتعيين “وزراء مخاطر”.، ومشيراً إلى أن “المخاطر التي تواجهها الأمم، والعالم بالطبع، تتسم دوما بالتعقد والتداخل”.
ويظهر التعقيد من خلال طائفة واسعة النطاق من المخاطر، تتمحور حسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي في: الصحة والاقتصاد والتنمية والانتشار الرقمي الفائق.
لكن هذه مجرد مخاطر ثلاثة من بين خمسين وصفها التقرير، وهي مخاطر تتباين من حيث كونها مخاطر أمنية مثل الإرهاب أو عسكرة الفضاء الى مخاطر وجودية تتعلق بنقص الغذاء والمياه.
بينما يفصِّل التقرير في وصف ما يسميه العوامل اكس (Factors X) أو “العواقب التكنولوجية والعلمية غير المتوقعة” بحسب ما ذكر، تيم ابينزلر، كبير محرري مجلة (نيتشير) المعنية بشؤون الطبيعة، الذي ذكر قائمة تضم خمسة مخاطر. تبدأ بالتغير المناخي مروراً بالهندسة الجغرافية مثل تكوين ظلال شمسية من خلال حقن جسيمات صغيرة في الجو تفضي الى حجب بعض الطاقة الشمسية ومن ثم تعمل على خفض الاحترار العالمي، وهي عملية تسبب الجفاف بدون قصد، انتهاء باكتشاف حياة كائنات أخرى، حيث يشير التقرير الى انه “أصبح من المسلم به على نحو متزايد احتمال اكتشاف وجود حياة لكائنات أخرى أو كواكب أخرى قد تدعم حياة الإنسان”..
هذه الاكتشافات والثورة التقنية لم تجعل حياة الإنسان على الارض أفضل ولم تجعله أكثر سعادة، وما من أحد غير الإنسان تسبب في كل هذه الأضرار (إنه بالفعل أحمق وظالم لنفسه).
عليه، وتأسيساً على كل ما سبق لا يأتي من يحدثنا عن قوى ما ورائية خارقة ما، هي السبب الأول والرئيسي وراء كل هذا الظلم ووراء كل هذه البلايا على الأرض.
لن نقبل هذا لسبب بسيط ، ليس من ضعف أو عدم إيمان بهذه القوى، ولكن لأن الظالم الواقعي أمام أعيننا “إنسان”.
وأظن أن الأديان تُجمع على أن الإنسان ظالم.
بل ويذهب بعضها إلى أن الإنسان ظالم لنفسه.
ولهذا وضعت الشرائع الدينية، والأعراف والتقاليد الاجتماعية، والدساتير والقوانين الوضعية، الحدود التي تنظِّم العلاقات وتحفظ الحقوق داخل الجماعة من جهة، كما وبين الجماعة والجماعات الأخرى. بل وحددت “العقوبات” الموجبة في حق من يخرقها ويهز أركان أمنها واستقرارها، بأفعال تضر بالآخرين، أو بمصالح المجتمع العليا.
فهل كان كل ذلك عبثاً لا طائل منه؟ّ!!.
وعودة إلى موضوعنا الذي اقتضت الضرورة تأجيله للوقوف قليلاً عند من يكتفون بتوجيه أصابع الاتهام إلى الشيطان وحده، نرجع إلى سؤالنا الأساسي : وفق أي معايير قيمية وأخلاقية نطلق صفة اللصوصية على أفعال تتشابه في كونها سرقة؟!. هل نحتكم إلى النتائج؟ أم النوايا؟.
هل نحن في حاجة إلى إعادة النظر في المفهوم؟
أم بحاجة إلى إعادة النظر في المنظومة القيمية المتوارثة؟.
(رسالة خاصة في عموميتها .. كلنا لوبين)
هذا جانب من ردود الأفعال أما رد الفعل الآخر فكان من صديق أثير إلى نفسي وهو شاعر وقاص وكاتب لا يشق له غبار ثم هو صاحب قلم مصادم خاض في سبيل قول الحق ما لا يستطيع مواجهته كثير من حملة الأقلام. وها أنا اورد ملخص رسالته (قبل إذنه !) مغفلاً اسمه.
كتب يقول أنه تجاوز مرحلة الإعجاب بأرسين لوبين (اللص الظريف)، إلى تطبيق مبادئه، وأنه في مرحلة التعليم الإبتدائي ولشدة إعجابه وافتتانه بأسلوبه قام بسرقة تتناسب وسنه آنذاك، وأعطى إمرأة فقيرة عجوز في الحي ما سرقه.
وكان ردي التالي على رسالته باللهجة المحكية أورده كما هو:
تعرف (يا ..) ما أظنك كنت أكثر اعجاباً وتأثراً بلوبين مني ولا كنت أكثر تماهيا مع موقفه المبدئي ولكنك إمكن تكون أكثر جرأة مني لتطبيق هذه المبادئ، التي كانت عندي توق وأمنيات ورغبة .. وإمكن دا نابع أو راجع إلى تأثري في ذات مرحلة الابتدائي بالشبح (لو تتذكره) وبئره أو كهفه السري لا أتذكر بالضبط.
وأظن (يقيناً) بأن هذه بذور الحس أو الضمير الأخلاقي .. هذا الاحتجاج على الظلم وعدم العدالة .. والشعور بالمسؤولية على تحقيق العدالة ..وإلا إنت مالك ومال المرأة العجوز الفقيرة (حبوبتك هي كانت؟).
بس ياخي ليه أنا الوحيد البعرف عنك القصة دي؟؟..دورك التنويري بيفرض عليك على العكس نشرها .. ليس من باب فضح نفسك كما يصور الأغبياء والمنافقين .. ولا من باب الفخر والتباهي بيقظة حسك الأخلاقي في سن مبكرة .. ولكن لتنوير الناس بأن مسألة الحس الأخلاقي دي ما حاجة تختص فقط بالزول لما يكون مسؤول ..بل هي في صميم تكوين الانسان ..عاملة كدا زي الايمان بوجود خالق للكون قبل ما الواحد يقرأ في علم الفلك ..مش الله قال (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم)؟ أها الحس الأخلاقي دا في فطرة الإنسان، واحد من آيات النفوس، يولد به الإنسان، لكن ضعف الإنسان أو تأثير المجتمع هو الذي (يسخت) هذه الفطرة السليمة.
هناك مؤشرات واقعية ودلائل واضحة على المسائل الكبيرة دي، تتجلى في مفردات حياة الإنسان اليومية البسيطة، ممكن تخرجها من تنظيرات الفلسفة والعلوم الإنسانية للواقع.
izzeddin9@gmail.com