بسم الله الرحمن الرحيم
abdelmoniem2@hotmail.com
الأيديولوجي لا يفرِّق بين العلم في جوهره وبين استخدامه كأداة قهر لأنَّه لا حاجة له بالجوهر، فهو يبحث عن شيء يطفئ ظمأً نفسيَّاً خاصَّاً به نشأ نتيجة حرمان أو تجربة تعذيب نفسي أو بدني أو جنسي في بداية حياته، فهو كالغريق الذي يتشبَّث بأوَّل قطعة خشب يجدها تطفو بقربه في دوامة نهر الحياة العظيم. وعندما يجد إحساساً بالأمان يتشبَّث بقطعته الخشبيَّة ويظنُّ أنَّ جميع الناس يجب أن يتشبَّثوا بها أيضاً لأنَّ فيها إنقاذهم من بؤس الحياة.
وهو يغفل عن أنَّ ظروف حياته هي التي أرسلت له قطعة الخشب تلك ولكن هناك قطع خشب أكبر وقوارب وسفن مصنوعة من الخشب تؤدِّي إلى نفع أكبر لو أنَّه رفع نظره وتجوَّل في الآفاق ليراها وليختار منها.
ولأنَّ الأيديولوجي يستخدم سلاح العلم في معاركه، وهو أبعد ما يكون عن العلم، فقد رأينا أن نتحدَّث عن مفهوم العلم لنري سعة الإنسان العلمية الممكنة، حتى نستنتج هل تكفي سعته لإدراك الحقيقة أم أنَّه يحتاج إلى مصدر آخر لإدراك الحقيقة؟
تعريف مفهوم العلم:
العلم يُعرَّف لغةً على أنَّه: إِدراك الشيء بحقيقته.
وقد عرَّفه الفيلسوف العربي أبو الحسن العامريِّ على أنَّه: ” الإحاطة بالشيء على ما هو عليه من غير خطأ ولا زلل”. والخطأ لغةً كما يعرِّفه جامع المعاني “هو ضدَّ الصواب وهو العُدول أو الميل عن الحق بغير قصد مثل الذي يرمي سهماً فلا يصيب الهدف أو قد يُصيب أحداً بغير قصد”.
والخطأ ينشأ نتيجة النسيان أو السهو في الغالب، أو لقلَّة العلم، وهو شيء لا أهميَّة له إن طرأ من مُتعالم ولكن لا يُتجاوز عنه إن حدث من عالم، لأنَّ تأثير رأي الأوَّل لا يمسُّ دائرة كبيرة من الناس، بينما رأي الثاني تنتج عنه أضرار كثيرة، ولهذا كانت مسئوليَّة العالم أكبر ولذلك قال المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم: إني أخافُ على أمتي من بعدي من أعمالٍ ثلاثة، قالوا ما هنَّ يا رسولَ الله؟ قال زَلَّةُ عالمٍ، وقال سيدنا عمرُ بنُ الخطابِ يهدِم الإسلامُ زَلَّةُ عالمٍ.
هذا هو الخطأ ونحن نعرف في حياتنا من أصابتهم طلقات الرصاص خطأً في الأفراح. أمَّا إذا كانت الإصابة عن قصد وعلمٍ فهي خطيئة. والزلل هو الخطأ الذي يحدث بلا وعي مثل أن تنزلق قدمك في الطين في الظلام أو عن عاطفة شديدة مثل أن تسوقك عاطفتك للتَّصرُّف بطريقة مُخالفة لطبيعتك فتقول كلاماً تندم عليه. والخطأ والزلل مفهومان مترادفان وبينهما فرق لطيف.
وأُضيف لهذا التعريف: “العلم هو النفي التَّام والكامل والشامل للجهل، ويُتحصَّل عليه بالإدراك وبالفهم وبالإحاطة التَّامَّة بوعيٍ كامل بالشيء، ظاهره وباطنه، على ما كان، وما هو عليه كائن، وما سيكون، في سياق ما حوله تفاعلاً وتأثُّراً وتأثيراً بحيث تنعدم فرصة الصدفة”. والتَّام، وهي من صفات الله الحسني، وتعني المُنزَّه عن النقص والعيب وهو نهاية أو اكتمال التكوين للشيء كأن تقول تمَّ العمل في بناء المنزل.
والكامل بمعني ثبوت صفات الكمال فيه وهي صفات الجمال التي تجعل الشيء مفيداً يؤدِّي وظيفته بمرونة وقدرة وسلاسة وهي من اللطف بمكان إذا انحرفت عنها تظهر المفاسد في المدي القريب أو البعيد فليس بعد الكمال إلا النُّقصان. وفي هذين المفهومين يقول المولي عزَّ وجلَّ:
“الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي”. والشيخ الشعراوي، رضي الله عنه قال عن هذه الآية: “والإكمال هو أن يأتي الشيء على كماله، وكمال الشيء باستيفاء أجزائه، واستيفاء كل جزء للمراد منه. وقد أتم الله استمرار النعمة بتمام المنهج. قال: ” أكملت ” فلا تزيد، وقال: ” أتممت ” فلا استدراك”.
والشامل تعني الإحاطة بكلِّ صغيرة وكبيرة، لا تفوت الإنسان شاردة ولا واردة، ونجد وصفاً لمعني الكلمة في قوله سبحانه وتعالي:
“وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ”.
وفي مفهوم الإحاطة فالمولي عزَّ وجلَّ يقول ذلك مباشرة ليوضِّح أهميَّته في مسألة العلم:
” وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا”.
والوعي هو الشعور بما في نفسك وما يُحيط بك بالحفظ والتَّقدير، والفهم وسلامة الإدراك:
“لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ”.
والتذكرة هي العبرة والعظة وتتمُّ بالقرآن الحكيم: ” إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ”.
والتذكرة هي الجسر بين العلم والفعل، لأنَّ مرحلته يعقبها التَّقرير، ولذلك يقول المولي عزَّ وجلَّ عن موقف سيدنا داود وسليمان عليهما السلام: “وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ”.
فالحكم هو القرار الأخير الذي يلي التفكُّر في حيثيات القضيَّة، ولكن برغم وعي سيدنا داود عليه السلام بالظلم الواقع على الطرف الثاني فطريقة تفكيره كانت في حدود سياق القضيَّة الراهن ولم ينتبه للسياق في المستقبل، ومن غير هذا الوعي الشامل المدرك لأبعاد الزمن فلن يتمَّ الفهم، وهو يعني استيعاب المعاني والحكمة من الشيء: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا”. ولا يمكن الوصول لمرتبة الفهم إلا بإدراك التفاصيل أوَّلاً وهو بلوغ أقصي درجة في العلم الممكن بحثاً في الدليل لتُميِّز الحقَّ من الباطل قبل أن تصدر حكماً، وهو ما فعله سيدنا سليمان عندما سأل الطرفين عن حيثيات النزاع، وعن تقييمهما للحكم الذي صدر من أبيه، وهي درجة الإحاطة التي هي الإلمام بالشيء بعناية، والتَّمكُّن منه بالعلم به وبما يُحيطه أو يقود إليه.
والصدفة هو ما يحدث عرضاً أو فجأة دون اتِّفاق أو دون قصد أو توقُّع ودون إعداد مُسبق.
ولذلك العلم ينفي حدوث الصدفة وعليه فالتجارب العلميَّة مثلاً عندما تُجرِّب دواء أو تبحث عن سببيَّة شيء فهي تحاول أن تنفي عنصر الصدفة عنه ولهذا عندما يتكرَّر الأمر ثلاث مرَّات فأكثر في التجربة، مثل أن يستجيب المرء لنفس العلاج أكثر من ثلاث مرَّات، فتقلُّ احتماليَّة الصدفة ويكون الربط بين العلاج والاستجابة أكثر احتمالاً، ولكن عندما تتمُّ الاستجابة لأكثر من مائة مرَّة فالذي يقول إنَّ السببيَّة غير مباشرة ويحتاج إلى تجارب أخري ليتأكَّد من فعالية الدواء فهو إنَّا موسوس أو مناكف أو مريض عقليَّاً.
وبناءً على أسس هذا التَّعريف فإنَّ من يحقِّق أركانه كلَّها هو الله سبحانه وتعالي وحده إذ أنَّه ليس في وسع الإنسان أن يصل إلى هذه المرحلة ولذلك فله الحقّ كلَّه أن يخبرنا:
” وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ”.
ومن الأقوال الطريفة لكارل بوبر مؤسِّس فلسفة العلم الحديثة:
“معرفتنا لا يمكن إلا أن تكون محدودة، أمَّا جهلنا فغير محدود بطبيعته” وقد سبقه الإمام الشافعي بقوله:
“كلـما أدبني الدهـر أراني نقـص عقـلـي
وإذا ما ازددت علماً زادني علما بجهلي”
. ويقول كارل بوبر ساخراً من الأيديولوجيين الذين يجدون في نظريَّة واحدة تفسيراً وحلولاً لكلِّ شيء:
“إذا ما ظهرت لك نظريَّة على أنَّها الوحيدة الممكنة فاعتبر ذلك مؤشراً على أنَّك لم تفهم النظرية ولم تفهم المشكلة”، وهو يشير في قول آخر للجهلاء: “لا يمكن أن يكون لحجَّة منطقية تأثير منطقيِّ على من لا يريد أن يتبني أسلوباَ منطقياً”. ولا نأخذ أقوال كارل بوبر على أنَّها الحقيقة المطلقة ولكنَّه من ابتدع فلسفة العلم الحديث الذي يعتمد الملاحدة على الاستشهاد بفلسفته ولأنَّه ينبِّه بطريقة بارعة على أسلوب تفكير الأيديولوجيين.
فالعلم في حدود الإنسان هو أكثر أنواع التخمين معقوليَّة لأنَّ وراء كلِّ مرحلة علم مرحلة أعمق منها فنحن لا نري إلا ظاهراً من ظواهر الحياة وفي عبارة أخري لكارل بوبر:
“الاختبارات الجيدة تقتل النظريات الواهية، ونبقي نحن أحياء لنُخمِّن مرة أخري”. وكلَّما ابتعد العلم عن التعقيد وصار سلساً بسيطاً كان أقرب للحقيقة، فالجاهل يستسهل العلم ويظنُّ في تعميته للأفكار ورمزيَّته عمقاً، ولكنَّه أسلوب من تشوَّش عقله وغامت رؤيته فلا يري إلا أوهاماً يعتقدها محض الحقيقة، مثل الذي يري حبلاً في الظلام فيظنُّ أنَّه ثعبان، ولهذا فهو يلجأ للشتم والبذاءة إذا قصَّر به جهله عن إدراك الحقيقة وعجز منطقه عن الرد.
وفي قصَّة سيدنا موسى رسول الله والرَّجل الصالح نبيُّ الله الخضر عليهما السلام تقول:
“وجاء عصفور حتى وقع على حرف السفينة ثمَّ نقر في البحر، فقال له الخضر: “ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر”.
وهذا تنبيه للناس أن يتواضعوا لله ولا يغترُّوا بعلمهم، فهو لا شيء وهم لاشيء، إذ أنَّهم أقلَّ من حجم ذرة تافهة القيمة في ملك وملكوت الله، وإذا لم يجدوا الله سبحانه وتعالي في آخر رحلة علمهم فقد فقأ علمهم أعينهم بدلاً من أن يزيدها نوراً:
” لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”، ونفي العلم عنهم هو إثبات للجهل.
وقد ترك الله سبحانه وتعالي اكتمال تأويل القرآن الكريم إلى يوم القيامة بحيث تظهر معانيه وتكون مجالاً للأنس مع الله سبحانه وتعالي في مجلسه للذين يهتمُّون بالفكر، ويجدون فيه لذَّاتهم، فليست الجنَّة أكلاً وشرباً ونكاحاً فقط بل رؤية الله سبحانه وتعالي ومؤانسته هي قمَّة اللذات كما جنَّة الفردوس سيّدة الجنَّات: ” هلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ.
وفي تأمُّلنا للآيات التي طلب منَّا المولي عزَّ وجلَّ أن نتفكَّر فيها ونتدبَّر حكمتها، حاولنا تطبيق هذا التَّعريف للعلم بأقصى ما لدينا من طاقة ولكن يخفي علينا أكثر ممَّا يظهر لنا، فإن بدا لنا شيء فقد غابت عنَّا أشياء، وهو حال من يحاول معرفة أسرار البحر بدراسة قدر كوبٍ من مائه.
وسنأخذ كارل ماركس كمثال، لأنَّه الفيلسوف والثوري الوحيد في العصر الحديث الذي قدَّم نظريَّة فلسفيَّة اقتصاديَّة ذات نسق ومتَّسقة في مضمونها، وتضع العدالة الاجتماعيَّة في قلبها مثل دين الإسلام، تجمع بين الفكر والحركيَّة وفقه الواقع، وكان وما يزال لها أثر كبير في العالم ولكنَّها صارت محبوبة للملحدين لماديَّتها التي تنقض الأديان.
فكارل ماركس كان ثائراً على الوضع الديني الذي حرم والده العدالة الاجتماعية لأنَّ القانون لم يكن يسمح لليهود بممارسة مهنة المحاماة فاضطُّر والده لتغيير ديانته للمسيحيَّة، ممَّا فتح نافذة وعي الصغير كارل ماركس فظلَّت حساسيته تجاه الظلم الاجتماعي عالية، فاتَّجه نحو الفلسفة وتأثَّر بفلسفة هيجل المثالية.
فالمؤلِّف الأصيل للفكر لا يعدو أن يكون في وضع النبي أو المتنبِّئ ويلحق نظريَّته مسوحاً دينياً، مهما كان أصل النظريَّة روحيَّاً كان أم ماديَّاً، فكارل ماركس مثلاً سمَّي الجزء الأوَّل من كتاب رأس المال “إنجيل الطبقة العاملة”، وقد تنبَّأ أنَّ الرأسماليَّة بطبيعتها غير المستقرَّة، وتوتَّرها الداخلي ستنتهي إلى دخولها في أزمات مستمرَّة وتحطيم نفسها بنفسها واندثارها النهائي ليحل مكانها مجتمع شيوعي لاطبقي تقوده الطبقة العاملة الواعية.
هذه نبوءة لم تتحقَّق بعد، وقد فشلت محاولات تطبيقها حتى الآن بعد أكثر من قرن على قولها، والسبب الأساس هو عدم أخذها بطبيعة الإنسان في معادلتها فتهتمُّ بالصورة الكُليَّة للحقيقة وينتهي بها الأمر إلى الجهل بالواقع كما هو. فكلَّ الفلسفات، على إطلاقها، لا تعطي طبيعة الإنسان الاهتمام اللازم فتجعله جوهر فلسفتها. وإنمَّا هي تعاظل أفكاراً فوقيَّة منفصلة عن طبيعة الإنسان الجشعة والجائعة لطعام روحي يعطيه معني لحياته، ويسنده لحظة الفقد أو العجز فلا تكفيه حالة الرفاهية الاجتماعيَّة في أعلى مراتبها. فالغني يمرض ويفقد الأحباب ويخاف من المستقبل ومن الموت.
والعجيب أنَّ كلَّ النظريات الفلسفيَّة تنطلق أصلاً من تجربة خاصَّة لمؤلِّفها ومن صفات شخصيَّته.
وطبيعته المتمرِّدة المتوحِّشة والمتطرِّفة الوقحة، التي لم يسلم حتى صديقه إنجلز من حدَّة لسانها، كانت مغموسة في طين الواقع بظلمه ومراراته التي جرَّبها، فجعلته إنساناً واقعيَّاً وإنسانيَّاً في تفكيره في مراحله الأولي. وهكذا يجب أن تكون طبيعة الفيلسوف الأصيل المجدِّد في اقترابه من آخر حدٍّ للمعقول مشاكسة ومدافعة فالحقيقة اقتناؤها ثمنه عزيز يدفعه الإنسان خسراناً مادياًّ ونفسيَّاً واجتماعيَّاً ولكن التَّمرُّد مع الخلق الطيِّب لا يتسنى إلا لمن له صلة برسالة سماويَّة تعينه على ترويض نفسه كما فعل الإمام الغزالي.
ولكن كارل ماركس في حمي فوران ثورته العارمة لم يقتنع بالحلول الفرديَّة ذات النطاق الضيِّق، فبذل مجهوداً خرافيَّاً لينتج حلاً للعالم بأسره بعيداً عن مثالية الفلسفة والأديان، والتي جرَّب ظلمها في أسرته، ورأي استخدامها لاستغلال الأغلبيَّة، والتي ماثلت العنصريَّة تجاه اليهود، وقد كان ذلك واضحاً أثناء الثورة الصناعيَّة مع غلبة النزعة العلميَّة الماديَّة وقتها بعد العصر التنويري وتزامنها مع نظريَّة التطوُّر، والتي اعتبر نظريَّته مُكمِّلة لها، فأدَّي كلُّ هذا الجهد إلى ضمور مناعته ومرضه المزمن وموته وهو لم يرحم جسده بتدخينه الكثير وشرابه الشره للخمر وأكله للمخللات.
المفكِّر الأصيل المؤثِّر في المجتمع يعيش فقيراً ويموت فقيراً في أغلب الأحيان لأنَّ له ارتباط عضوي بالجزء الفقير من المجتمع فتقوي طبيعة الإيثار فيه والانحياز للفقراء والمضطهدين ويكونون أوَّل من يسانده ويقاومه المترفون وهو حال شبيه لكلِّ الرسل بين أنَّ الفرق الوحيد أنَّ الرسل لم يدَّعوا أنَّهم أصحاب نظريَّة أو فلسفة نبعت من ذات أنفسهم ولم يقولوا نبوءة لم تتحقَّق لأنَّهم قالوا إنَّهم أصحاب رسالة سماويَّة مصدرها الله وقصدها العدل والمساواة بين الناس تحارب الظلم والاستغلال.
والمحزن أنَّ كارل ماركس لم يدرس الإسلام أو يعيش واقعه في أوَّل حياته فهو لم يعرف غير اليهوديَّة والمسيحيَّة كممارسة وليس كتعمُّق في علم اللاهوت، ولو أنَّه أدرك منهج الإسلام في مسألة العدالة الاجتماعيَّة، ونظرته لطبيعة الإنسان ونسقه للتوفيق بينهما لكان له شأن آخر ولربما كان أبا ذر الغفاري الحديث. ولكارل ماركس آراء طيبة عن المسلمين عندما اختلط بهم في الجزائر التي ذهب إليها مستشفياً على آخر أيامه.
وأحسب لو أنَّ كارل ماركس قرأ للإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه لرأي أن مفهوم فائض القيمة قد ذكره بل وربطه بالسبب الرئيس له وهو تراكم رأس المال عند الأغنياء من أجل المتعة والترف بما يعني أنَّ الأغنياء لا يقفون عند حدِّ كفاية الحاجة ولكنَّهم يكدِّسون المال باستغلال فقراء الناس ليعيشوا حياة الترف والنفوذ.
“إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ وَاللَّهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ”. ويعرف الإمام أيضاً ما يمكن أن يؤدِّي إليه الفقر من ذلِّة تنقص أخلاق المرء وتذهل عقله عن التفكير في الخلاص أو تغيير الحال السيئ وأنَّ الفقر هو الباعث لمقت الطبقات المستضعفة ممَّا يؤدي لثورتها فيقول ناصحاً ابنه:
“يَا بُنَيَّ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الْفَقْرَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ فَإِنَّ الْفَقْرَ مَنْقَصَةٌ لِلدِّينِ مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ دَاعِيَةٌ لِلْمَقْت”ِ. ويضيف الإمام كيف أنَّ التغيير الحقيقي لا يتمُّ إلا بتولِّي السلطة لأنَّ الناس تري رأي الحاكم هو الصحيح ولذلك فقد هاجم كارل ماركس عدم ثوريَّة الفلاسفة واكتفائهم بالكلام من غير العمل الثوري ويتضح ذلك في قول الإمام:
“صَوَابُ الرَّأْيِ بِالدُّوَلِ يُقْبِلُ بِإِقْبَالِهَا وَيَذْهَبُ بِذَهَابِهَا”.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم