محمد صالح محمد
أنا بحكي ليكم لا لكي أملأ الفراغ بالكلمات بل لأنّ صدري ضاق بقلبٍ يفيضُ وجداً ولأنّ اسمَها باتَ يسري في دمي كنشيدٍ صوفيّ قديم. سأحدثكم عن تلك التي غابت جسداً واستوطنت في زوايا الذاكرة نبضاً لا يهدأ وشجناً يعزفُ ألحانَه على أوتارِ العمرِ المتعب.
كانت حبيبتي ولا تزال هي القصيدة التي لم تكتمل واللحن الذي ظلّ عالقاً بين الشفاه. هي التي علمتني كيف يكونُ الصمتُ صلاةً وكيف يكونُ البعد اختباراً قاسياً لصلابةِ الروح.
أريدكم أن تعرفوا أنها لم تكن مجرد امرأة عابرة في حياتي بل كانت شمساً أشرقت في لياليّ المعتمة ثم آثرت الغروب تاركةً خلفها شفقاً من الحنينِ يحرقُ ما تبقى من صبري.
ملامحٌ من نور… وشجن
حين أحكي عنها لا أجد الكلمات التي تليقُ برقتها. كانت عيناها موطناً للأحلام و يسكنُ فيهما سحرٌ غامضٌ يشبهُ غموضَ البحرِ في ليلةٍ مقمرة. في ضحكتها كان ينبتُ الياسمين وفي نبرةِ صوتها كان ينسكبُ الأمانُ في روعي.
ولكن ما أصعبَ الحديثَ عن الغائبين بصيغةِ الحاضر! فكلما قلتُ “هي كذا” تذكرتُ أنها الآن “هناك” خلفَ أسوارِ المسافاتِ والظروف هذا البعدُ ليس مجرد أميالٍ تُقطع بل هو خنجرٌ من الشجنِ يغرسُ نصلَه في كبدِ الأيام. أنا بحكي ليكم عن “حبيبتي” التي جعلتني أعشقُ الانتظار رغم مرارته، وأقدسُ الذكريات رغم وجعها.
رسالةٌ في مهبّ الريح …
رغم هذا البعاد ما زلتُ أتنفسُ عطرها في نسماتِ الفجر وأراها في تفاصيلِ الأشياءِ الصغيرة؛ في فنجانِ قهوتي و في سطورِ كتبي وفي وجوهِ الغرباء الذين لا يشبهونها أبداً.
“أيتها البعيدة القريبة يا وجعي الجميل وعيدي المستحيل أخبريهم أنني ما زلتُ على عهدِ الوفاء أنني أقتاتُ على طيفكِ حين يشتدُّ بي البرد وأنّ حكايتي معكِ هي الحقيقةُ الوحيدة في عالمٍ من الأوهام”
أنا لا أحكي لكم لكي تشعرو بالشفقة علي بل لكي تعلموا أنّ الحبَّ الحقيقي لا يقتلهُ الغياب بل يصقلهُ الحنين. حبيبتي التي أحدثكم عنها هي “الوطن” الذي نُفيتُ منه وما زلتُ أحملُ مفتاحهُ في قلبي آملاً أن تشرقَ شمسُ اللقاءِ يوماً وتكفَّ غيومُ الشجنِ عن البكاء.
سأبقى أحكي عنها وسيبقى صوتي مخنوقاً بهذا الوجد فما الحبُّ إلا دمعةٌ صامتة في محرابِ غائبٍ وصلاةٌ طويلةٌ في انتظارِ المعجزة.
ويبقى طيفُكِ الملاذ …
وهكذا أطوي أوراق حكايتي أمامكم لكنني لا أطوي ذكراها أبداً. فبرغم هذا البعاد الذي ينهشُ من جرفِ الروح وبرغم الشجن الذي اتخذ من قلبي سكناً سأبقى أحملُ حبها كتعويذةٍ تحميني من قسوة الأيام.
لقد علمتني حبيبتي أن الغياب ليس نهاية الحكاية بل هو فصلٌ طويل من الوفاء الصامت حيث يسكنُ المحب في تفاصيل الغياب أكثر مما يسكن في الحضور.
سأظلُّ يا رفاق أحكي عنها للنجوم حين يغفو العالم وأهمسُ باسمها للريح علّها تحملُ إليها نبضاتِ قلبي المتعب. فما زالت هي المبتدأ وهي الخبر وهي النقطة الأخيرة في نهاية كل سطرٍ من حياتي وإن لم تشرق شمسُ اللقاء في دروب الأرض فسيظلُّ حبي لها شمعةً لا تنطفئ تضيءُ ممراتِ الروح حتى يعجزَ النبضُ عن النداء ويبقى طيفُها هو الوطن، والمنفى، وأجملُ أقداري.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم