على حافة الغابة البدائية: الحلقة (22)

 


 

 

الفصل التاسع
على حافة الغابة البدائية: الحلقة (22)
تجارب وملاحظات طبيب الماني في أفريقيا الإستوائية
كتبها: آلبرت شفايتزر
نقلها من الإنجليزية د. أحمد جمعة صديق
جامعة الزعيم الأزهري – السودان

• ديباجة

تعرفنا على كثير من الجوانب المظلمة في الحقبة التي تكالب فيها الإستعمار الأوربي على أفريقيا. وقد توالت الأحداث الجسام من تهجير وقهر وقتل، دأب المستعمر الأبيض على ممارستها، ليفرض سيطرته على إنسان أفريقيا ومقدراته وموارده التي نهبت - ردحاً من الزمن - ليعمّر بها العالم الأوربي، بينما يرزح الأفريقي صاحب كل ذاك الخير في فقر لا يدانيه فقر. ومازالت أفريقيا تعاني من استنزاف مواردها بطرق شتى، وما زال بنوها يعانون من الأمرّين: استغلال المستعمر المباشر وتغول بعض أبنائها المتسلطين على إهانة شعوبهم وسرقة مقدراتهم – بواسطة حفنة من الحكام الفاسدين. لقد خرج الاستعمار من الباب الأمامي ليتسلل مرة أخرى من الباب الخلفي.

كانت سيرة الاستعمار طوال وجوده في أفريقيا، ليست بالسيرة العطرة، غير أنه قد تخللت هذه السيرة غير المحبوبة، بعض الفضاءات المضيئة من أفراد بيض، آثروا أن يغلّبوا الجانب الانساني في علاقتهم بالانسان الأسود، بطرق عديدة، كالخدمات الطبية التي قدمها الطبيب والفيلسوف الألماني (آلبرت شيفايتزر) وزوجه، للانسان الأفريقي في الجابون الحالية، إذ قاموا ببناء مستشفى لخدمة السكان المحليين، هذا المجهود أهّله للترشيح والفوز بجائزة (نوبل) تقديراً لهذا العمل الإنساني الكبير.

هذه الصفحات هي ترجمة لمذكراته التي صدرت في كتاب بعنوان:
(On the Edge of the Primeval Forest)

************************
· ألم الأسنان. ضرورة العمل العقلي

صحتنا الخاصة ليست في حالة ممتازة، على الرغم من أنها ليست سيئة حقًا؛ فقد بدأ فقر الدم الاستوائي في الظهور. يظهر هذا في الاحساس المرء بالتعب للقيام بأدنى جهد؛ فأنا أحسا بأني مرهق تماماً، على سبيل المثال، بعد صعود التل إلى بيتي، وهو أمر يستغرق أربع دقائق فقط من المشي. نشعر أيضاً بأعراض ترافق ذلك، مثل العصبية المفرطة، وبجانب هذين الأمرين نجد أن أسناننا صارت في حالة سيئة.

زرعنا زوجتي وأنا حشوات مؤقتة في أسنان بعضنا البعض، وبهذه الطريقة أمنحها بعض الراحة، لكن لا يمكن لأحد أن يقوم بما هو ضروري حقاً بالنسبة لي، لأن ذلك يتطلب استخراج اثنين من أسناني أصابها السوس ولا يمكن إنقاذهما.

إذن ما هي القصص التي يمكن أن تُحكى عن ألم الأسنان في الغابة! كان أحد الرجال البيض الذي أعرفه في ألم شديد، قبل سنوات قليلة، حتى لم يعد قادراً على تحمله. "زوجتي"، صاح، "أحضري لي ملاقط صغيرة من صندوق الأدوات." ثم اضطجع، وزوجته جلست على صدره وأمسكت بالسن بقدر ما تستطيع. ووضع الرجل يديه على يديها ومعاً استخرجا السن، الذي كان كريماً بما يكفي ليجعل هذه الطريقة للعلاج ناجحة.

الغريب حقًا أنني حافظت على نشاطي العقلي بصورة تامة، على الرغم من فقر الدم والتعب. فإذا لم تكن اليوم شاقاً للغاية، يمكنني أن أخصص ساعتين بعد العشاء لدراستي في الأخلاق والحضارة كجزء من تاريخ الفكر البشري، حيث يتم إرسال أي كتب أحتاجها ولا أمتلكها معي من البروفيسور شترول من جامعة زيورخ. الغريب حقًا هي البيئة التي أدرس فيها؛ فطاولتي تقع عند الباب المحمي بالسلك النملي الذي يؤدي إلى الشرفة، حتى أتمكن من التمتع بأقصى ما يمكن من نسمات المساء الخفيفة.

يتجاوب النخيل مع الموسيقى الصاخبة التي تحدثها لليرقات والضفادع - "أوبليجاتو" ، وتأتي من الغابة صرخات قاسية ومرعبة من جميع الأنواع. كارامبا، كلبي الوفي، ينبح برقة على الشرفة، ليذكرني بأنه موجود، وعند قدمي، تحت الطاولة، تستلقي غزالة صغيرة. في هذه العزلة، أحاول ترتيب الأفكار التي كانت تتقاطر في داخلي منذ عام 1900، على أمل أن أقدم بعض المساعدة البسيطة لاستعادة الحضارة. أيتها الغابة البدائية، كيف يتسنى لى أن أجزل لك شكري على فيض كرمك المطلق بما أتحتِ لي من عزلة؟
كنت أخصص الساعة بين الغداء واستئناف العمل في المستشفى للموسيقى، كما هو الحال أيضاً بعد ظهر يوم الأحد، وهنا أشعر أيضاً بنعمة العمل "بعيدًا عن الزحام الجامح"، لأن هناك العديد من القطع الموسيقية للموسيقار ج. إس. باخ على الاورغن التي أستطيع الآن فقط فهم معانيها بسهولة أكبر وتقدير أعمق من أي وقت مضى.
إذا أراد الشخص أن يحافظ على صحته الأخلاقية في أفريقيا يجب أن يكون هناك عمل عقلي يؤديه؛ ومن هنا فإن الرجل المثقف، على الرغم من أن الأمر قد يبدو غريباً، يمكنه تحمل الحياة في الغابة بشكل أفضل من الرجل غير المتعلم، لأن الأول لديه وسيلة للترفيه لا يعرفها الآخر. فعندما يقرأ الشخص كتاباً جيداً في موضوع جاد، فإنه لن يعد ذلك الكائن الذي أرهق نفسه طوال اليوم، في صراع مع عدم موثوقية السكان الأصليين وقلق الحشرات المتعب؛ بل سيصبح مرة أخرى إنسانًا! فويل لمن لا يجتهد بطريقة ما ليستعيد عافيته ويجمع قوته؛ إذ سيؤدي اسلوب الحياة الأفريقية الرتيبة به إلى الدمار!

لم يمض وقت طويل على زيارة لي من تاجر خشب أبيض، وعندما رافقته إلى القارب عند مغادرته، سألته ما إذا كان بإمكاني تزويده بشيء ليقرأه خلال رحلته لمدة يومين. "شكرًا جزيلاً"، أجاب، "لكنني مزود بالفعل"، وأظهر لي كتاباً، هو "أورورا "Aurora " ليعقوب بوهما. يرافقه عمل الحداد والصوفي الألماني العظيم، الذي كتب في بداية القرن السابع عشر، في جميع رحلاته. الآن أدركت ماذا كان معظم المسافرين العظماء الي تلك الاصقاع الافريقية يحضرون معهم من كتب دسمة للإطلاع.
· أخبار الحرب

اصبحت تلك الصحف التي كان لا يمكن لأي شخص أن يتحمل النظر إليها الا بصعوبة في الاوقات العادية بالاضافة الى سلسلة المطبوعات من الكلمات، المكتوبة بهدف أن تقرأ في نفس اليوم والمرور عليها بسرعة ، تبدو كلها الآن وكأنها قد حققت وجودها بصورة إيجاببية غريبة. وسواء أردنا أم لا، فنحن جميعاً نعيش هنا تحت تأثير التجربة اليومية المتكررة بأن الطبيعة هي كل شيء والإنسان لا شيء. وهذا يدخل في رؤيتنا العامة للحياة - وحتى في حالة من هو أقل منا تعليماً- شيء يجعلنا ندرك حمى الحياة والغرور في حياة أوروبا؛ يبدو أنه شيء غير طبيعي تقريباً أن تكون الطبيعة ليست بذات بال بينما الإنسان كل شيء على جزء من سطح الأرض!
تصل إلينا أخبار الحرب بانتظام نسبي، إما من نجول، الذي يمر من خلاله الخط الرئيسي للبرق من ليبرفيل إلى الداخل، أو من كيب لوبيز، وتصلنا أخبار البرق كل أسبوعين، اخبار مختارةمتنوعة من العناصر اليومية، يتم إرسالها من قبل قائد المنطقة إلى المتاجر ومحطتي البعثتين عن طريق جندي من السكان الأصليين، الذي ينتظر حتى نقرأها ونعيدها له. ثم نفكر في الحرب بشكل عام لمدة أسبوعين آخرين فقط. لا يمكننا بالكاد تخيل ما يجب أن يكون الحالة العقلية لأولئك الذين يضطرون لتجربة إثارة قراءة أخبار الحرب كل يوم. بالتأكيد فهم في موقف لا نحسدون عليه.

أصبح معلوماً في هذا الوقت، أن من بين البيض الذين عادوا إلى بلادهم لأداء واجباتهم العسكرية، قد ُقتل عشرة بالفعل، وقد ترك ذلك انطباعاً كبيراً على السكان الأصليين. "عشرة رجال قُتلوا بالفعل في هذه الحرب!" قال رجل عجوز من قبيلة الباهوين. "لماذا لا تجتمع القبائل لعقد جلسة حوار؟ كيف يمكنهم دفع ثمن كل هؤلاء القتلى؟" لأنه بالنسبة للسكان الأصليين، هناك قاعدة تقضي بأن كل من يسقط في الحرب، سواء كان من الجانب المنتصر أو الجانب المهزوم، يجب أن يدفع ديته الطرف الآخر.

بمجرد وصول البريد، يوقفني ألويس، طباخي، ليسألني: "دكتور، هل لا تزال الحرب مستمرة؟" "نعم، ألويس، لا تزال الحرب مستمرة." ثم يهز رأسه بحزن ويقول لنفسه عدة مرات: "أوه، للا! أوه، للا!" إنه واحد من الزنوج الذين تملأ نفوسهم بالحزن عند التفكير في الحرب.

الآن علينا أن نكون اقتصاديين جداً في استهلاك المواد الغذائية الأوروبية، فقد أصبحت البطاطس من الأطايب. قبل فترة قصيرة، أرسل لي جار أبيض هدية عشرات من البطاطس عن طريق خادمه، مما استنتجت منه أنه لم يكن بصحة جيدة وسيحتاج قريباً إلى خدماتي، وقد كان الأمر كذلك!

دربنا أنفسنا منذ بداية الحرب على تناول لحم القرود. يحتفظ أحد المبشرين في المحطة بصياد أسود، ويرسل لنا بانتظام بعضاً من غنائمه؛ وغالباً ما تكون قروداً لأنه يجدها أسهل في الصيد. طعم لحمها يشبه إلى حد ما لحم الماعز، ولكنه يحمل طعماً من حلاوة قليلة لا توجد في لحم الماعز. قد يفكر الناس في الداروينية وأصل الإنسان، ولكن التحيز ضد لحم القرود ليس من السهل التخلص منه. "دكتور"، قال لي رجل أبيض قبل بضعة أيام، "تناول لحم القرود هو الخطوة الأولى نحو أكل لحوم البشر"!

تمكنا في نهاية الصيف (1916)، من الانضمام إلى جيراننا المبشرين، السيد والسيدة موريل، من سامكيتا، في زيارة لعدة أسابيع إلى كيب لوبيز، حيث قامت شركة تجارية، استفاد العديد من موظفيها من علاجنا وضيافتنا لهمء أثناء المرض، بتوفير ثلاث غرف لنا في إحدى متاجرها، وكان هواء البحر قد فعل فينا العجائب فقد تحسنت حالتنا الصحية تماماً .

aahmedgumaa@yahoo.com

 

آراء