غسيل الثروات  .. بقلم: ناجي شريف بابكر


حينما كنا ندرس النظرية النقدية في كلية الإقتصاد والعلوم الإجتماعية بجامعة الخرطوم في الثمانينات من القرن المنصرم، لم يحدث أن تعرفنا، ولا طرأ بمخيّلتنا ما يفيد بأن واحدة من الوظائف التي تؤديها النقود لحامليها قد تتمثل في حصاد الأرباح ومراكمتها !!
إن الوظائف التي صُكّت من أجلها النقود، وفقا لما تعلمناه على يد علماء أجلاء وما أطلعنا عليه لاحقا وفقا للتطورات في علم المال والإقتصاد، كانت تتمثل في عمل النقود كوحدات للحساب، وكوسائط مقبولة للمبادلات التجارية، وكمستودع للقيمة ومعيار لسداد الديون والإلتزامات الآجلة. لم يكن من بين تلك المهام التي تنهض بها النقود أن تعمل كوسائط لمراكمة الأرباح أو كقسائم رابحة للمقامرة.
البانكنوت ومقايضة النقود:
بمجرد تحررها عن القيود التي كان يفرضها معيار الذهب¹، أصبحت أسعار الصرف التبادلية للنقود فيما بينها طليقة مثل طائرة ورقية وقد تحررت حبالها الواهية من أيادى عابثين بها. لم تعد أوراق البانكنوت (الصكوك النقدية)² ترتبط بمعيار قيمتها من الذهب كما كانت في سابق عهدها، الأمر الذي ترك الحرية كاملة للقيم التبادلية لتلك الفئات النقدية فيما بينها، أن تتأرجح صعودا وهبوطا، متأثرةً في ذلك، على المستوى النظري على الأقل، بتدافع قوى العرض والطلب³ على القطاع السلعي والمبادلات التجارية،، محلية كانت أو عابرة للحدود.
إلا أنه وفي حقيقة الأمر، فإنه بالإضافة للتأثير الناتج عن التفاعل في قطاع الإقتصاد السلعي⁴، فإن حِراكا إفتراضيا للتبادل في القطاع المالي قد بدأ يتطور ويتعاظم تحت الظل، مباشرة خلال العقود التي تلت تعطيل العمل بمعيار الذهب في أعقاب حرب فيتنام. تمثل ذلك في نشوء تجارة المضاربة بالعملات⁵، فقد تنامت كعشبة السلعلع، تحت ظل منحنيات القطاع السلعي الحقيقي، أنشطة جعلت تتطور وتتعاظم، في سلوك طفيلي ربما فاق في ضغطه وتأثيره، الضغط والتأثير الواقعين على سوق العملات من عبء النشاط السلعي الحقيقي أضعافا عديدة. لم تحرك الأنظمة الرأسمالية السائدة ساكنا تجاه هذا السلوك التخريبي بل قامت بتقنينه وتعضيده وإطلاق المنصات الإفتراضية لرعايته.
العرض والطلب الوهميان.. على النقود:
إن أدوات أنشطة المضاربة الطفيلية في النقود والتي تتمثل في عقود الشراء الآجلة (قوينغ لونغ)، وعقود البيع الآجلة (قوينغ شورت)⁶ بمسمياتها وأشكالها المتعددة في بورصات العملات، ذلك بإستثناء ما يتعلق فيها بمتعاملين في القطاع السلعي، طرقوها راغبين في تحييد التذبذب في سعر الصرف على إلتزامات سدادهم الآجلة مقابل مدخلات الإنتاج ومستهلكاته، والتي مولوها بعملات خلاف عملاتهم الوطنية (هيدجرز)⁷، إنما هي أدوات تروج لأنشطة طفيلية آثمة في طبيعتها، في مخبرها ومبناها، بحسبان أنها إنما تحتمي تحت غطاء نشاط القطاعات الحقيقية من الإقتصاد الإنتاجي السلعي، وتتربح من خلال الأحمال التي تلقيها أنشطتها على تلك القطاعات السلعية الحقيقية. إن أرباحا طائلة من تلك الأنشطة الوهمية تجنيها قطاعات لا تساهم بصفة بناءة في العمليات الإنتاجية للإقتصاد السلعي، بينما تتغذى على حسابها وتحت ظل نشاطها الحقيقي والعرق المبذول فيها.
إن هذا الحصاد الطفيلي من الأرباح الذي تكفله أسواق المضاربة في العملات، برغم نشوئه في إقتصاد ظل وهمي لم يساهم بشرو نقير في العملية الإنتاجية للإقتصاد السلعي، إلا أنه يمثل عبئا جبارا لا يستهان به، تطرأ بموجبه ضغوطا وطفرات (شيفتس) في منحنيات الطلب الكلي، ينعكس ذلك في تعاظم الطلب الكلي على السلع والخدمات التي ينتجها الإقتصاد على مستوى العالم، بالتحديد حينما تتحول تلك الأرباح العملاقة، عاجلا أم آجلا في شكل عطايا ومستحقات (ديفيدانس) لصالح حملة الأسهم والعقود، ومن ثم إلى دخول قابلة للإنفاق في محافظ الأسر والوحدات الإقتصادية الإستهلاكية الأخرى.
غسيل الثروات:
إن تراكم الطلب الكلى على السلع والخدمات على كلا المستويين المحلي أو العالمي، إنما يتمخض حتما عن ضغوط تضخمية متنامية وطارئة (إكزوجينوس) في شكل تزايد مضطرد في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات، سرعانما تنعكس تلك الضغوط في تراجع القوة الشرائية⁸ لقطاع كبير من العملات الوطنية القابلة للتداول. هذا التراجع في القيمة الشرائية للعملات يرسل بدوره قطاعات كبيرة من المستهلكين في العالم تحت طائلة الفقر، يشمل ذلك المعاشيين، صغار الضباط والجنود، العمال والموظفين وأصحاب الأجور الثابتة، ملاك الودائع المصرفية الجارية وذات الأجل، وحملة الصكوك السيادية (السندات) المقيدة بمقابل معلوم من العملات المتأثرة. إن ذلك الفاقد الكبير في ثروات تلك القطاعات العريضة من سكان العالم، يماثل بالكاد المكاسب التي إستأثر بها المضاربون في بورصات التداول الإلكتروني في أسواق العملات، الذين مكن لهم النظام السائد من حصاد الثمرات المحرمة من العرق والدماء لقطاعات واسعة من سكان العالم العالقين في أدني هرم الثروة.
العملات الرقمية المشفرة:
في سنوات مبكرة من القرن الحادي والعشرين، فإن الأشياء قد تخذت منحى أكثر سوءا في هذا السياق، من خلال إنطلاق ما صار يعرف بالعملات الرقمية المشفرة (كريبتو كرنسيه)⁹ مثل البيتكوين، والإثيريوم والدوك. لم يكن إختراع هذه العملات يتعلق بالسعي لتحسين الوظائف التي تنهض بها النقود بصورة تقليدية، بقدرما أنهم أبتدعوها كيما تعمل كرهانٍ للمقامرة. لم تكن أيٍ من العملات المشفرة المعروفة الآن، وحتى قبل عامين من اليوم تتمتع بأي قبول تبادلي في الأسواق، ولا تبدو كوسيلة يمكن من خلالها معايرة الإلتزامات الآجلة وإيفاء الديون، ولا مخزنا للقيمة، هذا في نفس الوقت الذي تفتقر فيه للقيمة الذاتية التي تميز النقود المعدنية (إنترينسيك فاليو)¹⁰ وتعني مايمكن الحصول عليه لقاء ماتزنه العملات المعدنية من الفضة أو النحاس حينما يتجاوز ذلك المقابل القيمة الإسمية للصك (فيس فاليو). إن العملات الرقمية المشفرة، وحتى وقت قريب لم تكن تخدم أيا من تلك الوظائف فيما عدا كونها قسيمة رهان ربما يجني حاملها أرباحا طائلةّ غير منتظرة، أو أن يتكبد ما يماثلها من الخسائر.
المروّجون المتأخرون:
تمكنت بعض تلك العملات الرقمية المشفرة من تحقيق قبول يبدو أنه مفتعل في طبيعته، كقبول لا تسنده دوافع إقتصادية منطقية وفق قدر معقول من المخاطرة، تم ذلك من خلال الإعلان على منصات بعض الشركات العالمية استعدادها لمقايضة منتجاتها مقابل ما يعادل قيمتها من العملات الرقمية المشفرة. من ضمن تلك الشركات التي ساعدت في الترويج السيد إلون ماسك عبر شركته “تسلا إنكوربوريشن”، منظومة الوسيط المالي “بيه بال”، بالإضافة لبنوك مركزية لدول كالبرازيل وفنزويلا عانت حكوماتها استقطابا حادا في مواجهة الهيمنة الأمريكية¹¹. إلا أن كل ذلك ربما لا يكفي لنفي الظنون والإحتمالات المنطقية في أن فقاعة العملات الرقمية المشفرة قد تكون آيلةٌ يوما للإنفجار بينما هي في قمة تحليقها.
وعي الضحايا:
بنفس السياق الذي قدم به كارل ماركس طروحاته العملاقة، حينما أسرف في تعرية عسف الرأسمالية التي تعمل جاهدة في مراكمة الأرباح بينما تُقتِّرُ على العمال استحقاقاتهم، من خلال إستخلاصها لفائض القيمة¹²، أنه لا يهدف من ذلك لإدانة عناصر العملية الإنتاجية الرأسمالية، أكثر من أنه يسعى لتوعية الناس، والضحايا منهم على سبيل التخصيص، بأن الأشياء ليست على ما يرام كما تبدو لهم. أنه مع الفارق الجباروالتواضع وحفظ المقامات، فإني هنا بنفس القدر، لا أهدف لإدانة تلك الإنشطة والمؤسسات التي تقوم عليها، ولا أدعو ولا ينبغي لي لإزالتها واستئصالها من الوجود، أكثر مما أهدف لإلقاء الضوء ورفع درجات الوعي لدينا ولدى تلك القطاعات الواسعة من الجماهير التي ترزح من طائلة الفقر والفاقة حول العالم، لاستدراك مواطن بؤسها ومعاناتها، والتعرف على مقدار الجحود والتعرية اللذان تتعرض لهما في قهرها وسلبها من حقوقها وثرواتها الطبيعية والمكتسبة.
إنتهى
للإطلاع على المدونة
nagibabiker.blogspot.com
_______________________________
الحاشية
¹. معيار الذهب: يعود لالتزام الدول الأعضاء في النظام النقدي ما بعد الحرب العالمية الثانية، فيما يعرف باتفاقية بريتون وودز، أن تلتزم الدول الأعضاء في إصدار عملاتها الورقية (الصكوك النقدية) بالإحتفاظ ما يكافئ تلك الإصدارات من غطاء الذهب.
². الصكوك النقدية أو البنكنوت، هي أوراق تصدرها البنوك المركزية وتحمل التزاما قانونيا من السلطات النقدية بسداد مايقابلها من القيمة.
³. قوي العرض والطلب: العرض يعني المطروح في الأسواق من السلع والخدمات القابلة للتداول.. بينما الطلب هو مقدار ما يطلبه المستهلكون في تلك الأسواق من السلع والخدمات القابلة للتداول.
⁴. قطاع الإقتصاد السلعي وهو القطاع الحقيقي المنتج لتلك السلع والخدمات المحسوسة القابلة للتداول.
⁵. المضاربة بالعملات: تعني منصات التبادلات التي يتم فيها بيع وشراء العملات القابلة للتداول، ليس لحوجة لها، وإنما لتحقيق مكاسب من خلال تداولها.
⁶. أدوات المضاربة: تتمثل أدوات بورصات التداول في تجارة العملات في العقود الآجلة للشراء (قوينغ لونغ) والبيع الآجل (قوينغ شورت) أو ما يعرف بالدريفاتيفس، بالإضافة إلى أدوات الأوبشن تريدنغ “كول أوبشن” في الشراء، و”بت أوبشن” للبيع، وجميع هذه العقود تتيح للعميل سداد نسبة محدودة تقل في العادة عن 5% من قيمة الإرتباط مما يتيح ليفردج يعدل عشرين ضعفا من حجم رأس المال.
⁷. هيدجرز: مفردة انجليزية تعني أولئك المتعاملين في أسواق العملات سعيا لحجز عقود يتسلمون بموجبها عملات حرة بأسعار تم تثبيتها مسبقا، تحاشيا للخسائر التي ربما تنتج من تذبذب أسعار الصرف، وتسمى هذه المعاملة بالهيدجينغ.
⁸. القوة الشرائية: تعني مقدار السلع والخدمات الذي يمكن للمستهلك الحصول عليه مقابل العملة النقدية. التراجع في ذلك المقدار من السلع والخدمات نتيجة لارتفاع الأسعار، يعرف بتراجع القوة الشرائية للعملة المعنية.
⁹. العملات الرقمية المشفرة: هي عملات إفتراضية يمكن تملكها وإنفاقها عن طريق خوارزميات رقمية تعرف بسلسلة الكتل أو البلوكجين. تعاير تلك العملات الافتراضية بمايقابلها من العملات الأخرى وفق تدافع الطلب عليها رغبة في حصاد أرباح من خلال تملكها والمضاربة فيها
¹⁰. إنترينسيك فاليو: وتعني قيمة ماتحويه العملة المعدنية من المادة فضة كانت أو ذهبا أو نحاسا.. وهي بخلاف القيمة الأسمية (الفيس فاليو) والتي تصكها السلطات في واجهة العملة المعدنية.
¹¹. الهيمنة الأمريكية: بعض الأنظمة السياسية في أمريكا الجنوبية تبحث عن خيارات لعملات آمنة بديلة للدولار مقابل صادراتها النفطية والزراعية حتى تتخلص بذلك من هيمنة الحكومة الأمريكية.
¹². فائض القيمة: أو السيربلاص فاليو عند كارل ماركس تعود للفائض الذي تحققه العملية الإنتاجية بعد خصم حد الكفاية للعاملين.. وغالبا ما يتم تقسيم الفائض إلى إيجارة رأس المال الثابت (الأرض والآلة) ثم سعر الفائدة على رأس المال السائل، ثم الأرباح المستحقة لأرباب العمل.
nagibabiker@hotmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

2 shares