في استعادة الذاكرة: المراوحة بين مسجد “مرفعين الفقرا” .. وكنيسة المسالمة !! .. بقلم: عزالدين صغيرون

 

نهضتّ فَزِعاً من السرير نهار الجمعة 4 فبراير من عام 1994 على لعلعة رصاص متواصلة في منزلنا بالحارة الأولى، وركضاً نحو جهة مصدر الصوت، التي قادتنا وجموع من أهل الحارة إلى ما تعارفنا على تسمته مسجد الشيخ أبو زيد، أو مسجد أنصار السنة. وبين نقل جثث القتلى والجرحى وكل واحد يبحث عن ابنه أو أخيه أو والده أو جاره، علمنا من الجرحى أن مجموعة من الإرهابيين قامت بمهاجمتهم أثناء تأدية الصلاة، وأن أحدهم كان يبتسم بسعادة وهو يحصدهم برشاشه الآلي، وفيما بعد علمنا بأن المجموعة كانت بقيادة عبدالرحمن الخليفى (ليبى الجنسية) يصاحبه كل من (عبدالباقى يوسف) و(ياسر) سودانيان. لقد راح ضحية الهجوم ١٦ مواطن سوداني. بالنسبة لنا كانت تلك أول فاتحات عهد الانقاذ الإسلاموي وعنوان هويته التي ستكتمل ملامحها خلال العقدين ونصف التالية من تلك المجزرة.

(2)
ترى ما الذي فعله هؤلاء المقاطيع في نسيجنا الاجتماعي؟. ما بذرة الفتنة والشر والكراهية والحقد الأعمى التي غرسوها في تربتنا الطيبة السمحة المتسامحة ؟.يا إلهي، كم يلزم من الزمن لنقتلع هذا الغرس من جذوره في تربة مجتمعنا ؟!. وها نحن نسمع صدى صوته القبيح يتردد على مسامعنا ليل نهار في الجدالات حول الهامش والحقوق السياسية، من قادة رأي وسياسيين يفترض أنهم جاؤوا لإصلاح التربة وتنظيفها من مخلفات من ذهبوا (في ستين داهية) !. فتج فحيح الفتنة والإقصاء والكراهية.
ما الذي حدث ؟!.
أجدني في مثل هذه الحالة من البلبلة والخوف على الدولة التي رزئت بعقوق وحقد بعض أبنائها أجر أقدامي إلى ماضيها، أم أن ماضيها هو الذي يأتي مسارعاً ليحقن شرايين خوفي وقلقي بجرعات من التفاؤل في مستقبل أحسن ؟!.

(3)
لم يكن عندنا في السودان أي نوع من الحساسية أو المشاكل بسبب اختلافات الناس الدينية، فالتسامح الديني وقبول الآخر المختلف دينياً كان أمراً طبيعياً ولا يدعو إلى التباهي أو التفاخر به.
ورغم أنني لم أعش في غير العاصمة التي ولدت وترعرعت في أحيائها ما بين الخرطوم وأمدرمان ، إلا أن الفترات التي قضيتها زائراً وعاملا ومتسكعا في مدن السودان الأخرى شرقا وغربا وشمالا ووسطاً لم أتفاجأ فيها بنمط مختلف من العلاقات بين الناس بسبب اختلافهم الديني أو الطائفي. فنسيج المجتمع في منتهى التماسك.
ومن الروايات التي تركت أثراً عميقاً في نفسي وأظنها ساهمت بقدر كبير في تشكيل مزاجيّ الفكري والوجداني، قصة تشييد الجامع الكبير بأمدرمان التي حكاها المؤرخ الاجتماعي والمجاهد التربوي حسن نجيلة في كتابه “ملامح المجتمع السوداني”.
فالقصة لا تجسد فقط أسمى أشكال التعايش والتسامح والقبول ، بل وتدل على سمو العاطفة الوطنية وتجاوز الحس الوطني لكل أشكال الانتماءات الأخرى. عاطفة ترقى لمستوى الحب، حب الأخر المختلف وقبوله.
القصة باختصار تتلخص في أن مواطنا مسيحياً من سكان حي المسالمة (لا يستحضرني اسمه) ثارت ثائرته لما رأى عجز القوى الوطنية عن اكمال بناء المسجد الذي يتوسط سوق امدرمان فألقى قصيدة نارية تفيض عاطفة في نادي الخريجين ندد فيها بالقوى الوطنية متعلمين وتجارا متسائلا فيها : كيف ندعي بأننا نطمح إلى الاستقلال وبناء الوطن ومجده بينما بيت الله بيننا خرائب ينعق في أرجائها البوم ونحن عاجزون عن اكمال تشييده؟. وقد استفزت القصيدة أهل امدرمان، وأثارت خاصة طبقتي الانتلجنسيا والتجار فيها، فهب الجميع لجمع التبرعات إلى أن تم إكمال بناء الجامع الكبير، وبفضل مسيحي من أمدرمان!.
هذا التسامح والقبول لدرجة الحب لم يكن شأن طبقة الانتلجنسيا أو النخب الحديثة وحدهما وإنما كان شعورا عاما يخترق كل الحواجز الطبقية ويتجاوز الاختلافات الاجتماعية والعرقية والثقافية وينتظم مختلف الشرائح على الجانبين. وهذا تراه في كل مدن وقرى السودان.

(3)
ومن المعروف بين الأمدرمانيين أن أقباطها كانوا يهدون السيد عبد الرحمن المهدي كل عيد شكر أو ميلاد ديك رومي محمر، وهو نفسه الذي، فيما يحكى الشيوعيون، أولم لضيوف الحزب الشيوعي السوداني بمناسبة زيارة وفد شبابي شيوعي (أظنه سوفيتي) للسودان حلَّ ضيفاً على رصيفه السوداني، رغم أن الايديولوجية الماركسية تصنف الطائفية في خانة الأعداء.
وتكتمل اللوحة حين نعرف بأن المقرئ المعروف الشيخ عوض عمر (الشقيق الأكبر للشيخ الإخواني يسن عمر الإمام عليهما رحمة) كان في بداية أمره معلم قرآن يلقي دروسه على الصبية في ظل حائط كنيسة الأقباط بحي المسالمة، وأن قساوسة الكنيسة قاموا ببناء تعريشة للشيخ وتلامذته حماية لهم من لهيب شمس أمدرمان.
أن يقول اليوم مسلم انني صليت مع صديقي المسيحي في الكنيسة يوم الأحد، أو يقول مسيحي بأنني صليت الجمعة مع صديقي المسلم في مسجدهم، في هذه الايام التي يُذبح فيها المسلم على يد مسلمين مثله بسبب اختلاف طائفته الدينية المسلمة، يبدو أمراً في منتهى الجنون، لا يُقبل عليه سوى رجلٍ ضاق بالحياة ذرعاً ويسعى للانتحار. ولكن هذا ما حدث مع أصدقائي في مراحل مختلفة من عمري.
فقد حضرت قداساً جنائزياً في كنيسة الخرطوم مع صديقي رفيق سمير في وفاة خاله، وذهب معي أكثر من مرة للعزاء في موتانا وكان يشيل الفاتحة ويقرأها على روح الفقيد المسلم بشكل عادي.

(4)
في مدينة أمدرمان، كنا في بدايات مرحلة الشباب نتلمس طريقنا في عالم الفن والفكر والأدب، مجموعة أصدقاء تباعدت أحيائهم الأمدرمانية وقرب بينهم الأدب والابداع، في غابة من الأفكار المتجاورة والمتحاورة في بداية السبعينات، وقد هدأ قليلا جدل الستينات: ماركسيون لينينيون وتروتسكيين وماويين، قوميون ناصريون وبعثيين، إخوان مسلمون، صوفيون وطائفيين ، وجوديون ولادينيين، عروبيون وأفريقانيين، وآخرين غيرهم، سودانويون، يستلهمون رموزاً من التراث التاريخي السوداني مثل جماعة آبادماك وتيار الغابة والصحراء ومدرسة الخرطوم التشكيلية، وهناك مستقلون بلا أي انتماءات ايديولوجية أو انحيازات فكرية. وكان الصراع بين هذه التيارات يتخذ من صفحات الصحف اليومية والمجلات والملاحق الثقافية الأسبوعية بالصحف اليومية والندوات مسرحاً له. ذاك كان حراكاً ثقافياً حيويا ومعافى في مناخ من الحرية، لشعب خرج لتوه منتصراً من ثورة شعبية مجيدة في اكتوبر 64، ممتلئاً بالثقة والتفاؤل والعنفوان.
ما كان يقربنا – سامي يوسف ومحمد نجيب محمد علي – مزاج فكري متمرد أقرب إلى تيار الرفض الذي انفجر في ستينيات القرن الماضي منطلقا من اوروبا في شكل حركة احتجاجية في جامعاتها لينتشر في العالم.
هنا في السودان كان يُنظر إلى هؤلاء الذين يحلقون خارج حظيرة الانتماءات الايديولوجية والسياسية ويعلنون رفضهم لكثير من التقاليد الاجتماعية والثقافية، بل ويجاهرون بتمردهم على “السلطة” بكل رموزها وتمثلاتها الأبوية الاجتماعية والثقافية والسياسية كزنادقة (ولكنهم لطفاء)..
بأنهم متمردون (ولكن) لا خطر منهم ..
فالمزاج العام كان ليبراليَّاً متسامحاً.
فالقاص والأديب عبد الله حامد الأمين كان بوذياً، وله ديوان أو مجلس يجمع شمل المبدعين على مختلف أطيافهم الفكرية.. وبشير الطيب كان وجودياً وأنشأ مجلة الوجود.
ما الضير في ذلك؟!.

(5)
كانت خالتي زكية سليمان تادرس تقول لي إن أخوك (سامي يوسف ولدها) لن يذهب إلى الصلاة في الكنيسة يوم الأحد ولكنك تستطيع أن تقنعه بذلك. وامتثالاً لطلبها كنت أقول له إنني ذاهب للصلاة في كنيسة حي المسالمة ، فيقول لي انتظر سأذهب معك. وبما أنني كنت من المارقين ولا أداوم على الصلاة في مسجد “مرفعين الفقراء” بالعباسية فإنه كان يحضني على صلاة الجمعة فيه ويصلي معي.
كنت أصلي معه في الكنيسة .. ويصلي هو معي في المسجد.
ولا نجد حرجاً في ذلك ..فسامي صديق طفولتي. وبيننا من الحب ما يجعل المسيحية والإسلام خيط من المحبة والقبول والاحترام بيننا.
قبل وفاته ببضع اشهر أو أقل صعد على رأس البيت وأذّن للصلاة .. قالوا إنها كانت نوبة جنون .. وأسأل الآن تفسي: من المجنون ؟
ذاك الذي يذبح الناس، ويسبي نساءهم، ويفجر مساكنهم ويغتصب حقوقهم ..
أم المسيحي الذي يشارك من يحبهم الصلاة في مساجد المسلمين؟؟!!.
ألا يدعو ذلك للتأمل والتفكر؟!!.
كنا على وفاق دائم وفطري على حب الخير لجميع ما خلق الله. وهذا شيء تربينا عليه من آباءنا وأمهاتنا، وكانت شعيرة الحب تسود في المدرسة والشارع وفي كل بيت.

(6)
على سبي المثال: حين تأتي الخالة زكية ونتغدى جميعاً، وترفع يدها عن الماعون بـ “الحمد لله”، تلح عليها أمي زهراء محمد سالم بإصرار أن تواصل الأكل. فترد زكية بأنها شبعت، وتقسم بالله على ذلك. وحين تعجز أمي عن عن ثنيها تقول “خصمتك بالرسول كان تاكلي”. وهنا تلين الخالة زكية وتأخذ لقمة وهي تقول لها “يا ست زهرة الرسول عزيز” وهي المسيحية !.
أرأيت ماذا يمكن أن تفعل الأديان في اختلافها حين يقوم على جوهرها من المحبة بين الناس ؟!!.

(7)
وقد ذكرت في غير هذا المكان وتحت عنوان “لصوص جديرون بالاحترام” قصتنا – سامي وأنا – مع قس من جماعة يهوه، كلفته الخالة زكية بأن يحاول وعبر دروس دينية أن يساعد في هداية ابنها الفنان القلق، وبالطبع ما كان لسامي أن يخضع لدروس مثل هذه، فهو وجودي النزعة، وكان لا بد أن أحضرها معه كي يخضع، وكان درس القس عن الخلاص، والذي يتمثل عنده في أن الإنسان مسؤول عن خلاصه الفردي، ومما ذكره في سياق ذلك أنه ذكر قصة آدم والسقوط من الجنة بصيغة لا تختلف عما ذكر في القرآن، بأن الشيطان ازل الزوجان فأخرجهما من الجنة، ولكن الشيطان في رواية القس ، ولا تختلف كثراً عن الرواية القرآنية طلب من الله أن يمهله لكي يريه أن آدم ونسله ليسوا جديرين بخلافته على الأرض، وليثبت وجهة نظره الشيطان طلب أن يمكنه الله من أرزاق البشر وصحتهم وأعمارهم فأذن الله الله بذلك. لقد أصابتني صدمة من هذه الرواية لأن الأمر كله بيد الله في القرآن.
– فقاطعته قائلاً: يعني الشيطان هو الذي يحكم العالم ؟!.
– فرد عليِّ بهدوء: طبعاً يا ابني.
– فسأته : إذن ما الحل؟ ماذا علينا نحن أن نفعل؟!.
– فقال لي وهو يلخص درس اليوم: أن تنجو بنفسك، العالم يا أبنائي مثل سفينة بها خرق كبير وهي تغرق. فالعاقل من ينجو فيها بنفسه.
ولكن هذه الاجابة لم تكن أقل من الأولى في وقعها الصادم بعنف لجهازي الأخلاقي. فقلت له:
– هذا لا ينفع، إنه حل جبان وأناني، لماذا لا نعمل جميعاً لنسد الخرق بملابسنا ونخرج جميعاً سالمين ؟. واشتد الجدل بيننا الثلاثة وسامي يؤازرني، ليعلن بعدها القس خيبة أمله في اصلاحنا.

(8)
لقد ختمت رواية هذه القصة مختصرة في ذلك المقال بالقول أنني وبعد أن بلغت من العمر عتيّاً أجد نفسي أتساءل عن مدى صحة ومعقولية كلام القس عن حكم الشيطان وتحكمه في الخلق قياساً بما نشاهده اليوم من تدمير متقن لكل ما هو صحي وصحيح وجميل وعقلاني، ليس في السودان المنكوب بنخبه الثقافية والسياسية والاجتماعية والدينية، والأخيرة بالذات، بل في كل هذا العالم الوحشي، الذي يموت الناس فيه جوعاً وقتلاً وغرقاً!.
وأسأل نفسي كثيراً: إلى أين نُقاد ؟. إلى أين تقودنا هذه النخب اللعينة، الملعونة، لولا بقية من يقين بأن الباطل إلى زوال (كان ذلك حتماً مقضياً) ، ببساطة لأن الله لم يخلق العالم باطلاً، ولم يكن سبحانه وتعالى لاعباً وهو يخلق الخلق، كما قال وهو أصدق القائلين. فثمة تحت هذه القشرة التي تعلو سطح حياة الناس جوهر لم تمسه يد القبح، وقد طفى على السطح ناصعاً وجليَّاً في ميدان الاعتصام أمام القيادة العامة، في سلوك تجلت فيه المحبة والإثرة والخروج من ضيق “الأنا” إلى فضاء “النحن” الرحب. وسيظهر دائماً كلما اشتد الظلام.

izzeddin9@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً