قوى إعلان الحرية و التغيير ، لن تكون مؤهلة لأن تأتي أو تبعث أي خارطة حل سياسية ، أو تضع بديلا لمبادرات الخارج سواء من البعثة الأممية ، أو من المجتمع الدولي ، وأعني قوى اعلان الحرية و التغيير ، بشكلها السابق ( ما قبل توقيع الاعلان السياسي ) بما فيها الحزب الشيوعي و الجبهة الثورية.
والسبب في ذلك لأنها مرتهنة إلى خطاب الاستحقاق ، و الذي يجعلها رافضة للدخول في أي اشكال عملية سياسية حقيقية ، فعطب السنوات و فقر القدرة ، و الارتهان هي من شكلت هذه القوى و وضعت حدودها السياسية.
حول الدور الذي يُمكن أن تلعبه دول الجوار ، كان يمكن أن تكون اثيوبيا هي الاقرب إلا أنها هي الاخرى تعيش حالة رغم الحرب لكنها أفضل حالا من السودان ، سواء من ناحية التقاطعات الدولية أو من ناحية الممارسة السياسية لقياداتها ، فإن كان أبي أحمد مجرد عابث ومغامر سياسي فجبهة تحرير تغراي متمرسة في الجوانب السياسية و رجال دولة.
الامارات و السعودية خارج المشهد بسبب موقف الدول الغربية الديمقراطية من التدخلات السابقة و البيان الرباعي خير دليل على ذلك ، وما بعد قفل ملف الفشقة فإن الامارات لم تعد هي الحليف السياسي الذي يُمكن الاعتماد عليه من قبل معسكر الانقلاب ، أما المملكة بقيادة محمد بن سلمان ليست هي مملكة الملك فهد أو الملك عبدالله.
تبقت مصر وهي الاخرى حُجمت من قبل الولايات المتحدة الامريكية ، ومن قبل شهدنا تدخلاتها و تأييدها للبرهان ، بالرغم أن مصر لا تدعم البرهان وانما تعمل وفق منطق امنها الاقتصادي الذي تعتمد فيه كليا على السودان ، من مصلحة مصر الا يحدث اي استقرار أمني و سياسي في السودان.
لا وجود لحل اذن إلا الحل الوطني الداخلي ، بكل الحسابات سواء بالنسبة للمجتمع الدولي و حتى داخل المؤسسة العسكرية فإن ايام برهان معدودة ، ولكن يظل السؤال ماهي الترتيبات السياسية القادمة ، وهل هناك عملية اصلاح حقيقية تقدم لشكل العملية السياسية ، فالمجتمع الدولي يعرف أن قوى اعلان الحرية و التغيير ليست سوى مراهقين سياسيين لا يُعتمد عليهم.
الشخصيات الوطنية هي الاخرى تنظر فقط تحت ارجلها و اتفاق البرهان – حمدوك ، كان مجرد اوراق الصقت بماء ، لا يوجد فيه اي حكمة أو رؤية طويلة المدى ، للخروج من الازمة واعتمد معسكر الانقلاب على حمدوك لشرعنة الانقلاب ولأنه طوق نجاة بالنسبة لهم
بناء العملية السياسية يحتاج أولا إلى قوة في الموقف ، وارادة وطنية ، وإلى معرفة بالادبيات السياسية السابقة و كيفية صياغة مخرج للازمة السياسية ، لكن في ظل عملية سياسية غير شفافة و مرتهنة للابتزاز الدائم و المستمر ستظل هذه اللحظة مغلقة ، و حتى الولايات المتحدة ستقف بجانب برهان وهو ما كان واضحا مؤخرا في الاتصالات الهاتفية الاخيرة بين كباشي ومساعدة وزير الخارجية الامريكي و بين برهان و الامين العام للأمم المتحدة.
نتذكر هنا موقف الراحل د.جون قرنق و نظام البشير من بداية المفاوضات في العام 2003 ، فبينما العمليات العسكرية في اشدها لم يتوقف الطرفان حول النقاش و الحوار (السياسي / السياسي ) ، لأن ذلك ما يميز السياسة و العمل السياسي.
يبدو أن المبعوث الاممي و بقية رفاقه من بقية المبعوثين ، لم يطلعوا على الأدبيات السياسية السودانية جيدا ، فالبند الذي يستند عليه لا وجود له فعليا في التصورات السياسية السودانية ، ولا يهم اي سوداني ، وظلت السياسة السودانية متعلقة بدهاليز العمليات الافريقية و ادبياتها.
لسنا وحدنا في القارة من توسط بينهم الاتحاد الافريقي أو شخصيات افريقية ، كما اسلفت سابقا ، وهو واقع تشهده الازمة الاثيوبية بدخول رئيس نيجيريا السابق في الازمة واعتماد المجتمع الدولي على الرئيس الاوغندي و الطرف الكيني وهو واقع غرب افريقيا ايضا
لا يمكن استبعاد الاتحاد الافريقي من المعادلة ، مهما كانت الظروف ، ولا يعول على الاتحاد الاوربي و الترويكا بدليل أن الاعلانات الموقعة في العواصم الاوربية ( برلين / باريس )، ففي النهاية هؤلاء الذين احتضنتهم هذه العواصم ظلوا مجرد فقاعة سياسية طوال حياتهم حتى هذه اللحظة.
فيما يخص الوساطة الجنوبية يديرها مراهقون ، وسلفاكير يعلم جيدا أن البرهان فاسد وكاذب ، لكن الجنوبيين لديهم من القدرات السياسية ( نموذج الشخصيات التي حضرت نيفاشا، هؤلاء يُمكن الاعتماد عليهم. فتلك شخصيات مخضرمة شهدت طاولات نيفاشا و صراع ديناصورات العمل السياسي (جنتل السياسة السودانية) بدلا من هؤلاء العابثين. هذا إن ارادوا إيجاد مخرج لاتفاق جوبا و ضمان استمرار الوساطة السياسية.
بهذا كله لابُّد من بديل وطني للخطوات التي اعلنها فولكر ، بديل ليس من كل الذين تلوثت ايديهم ، ومن جهلوا التعقيد السياسي وكانوا ضعفين في رسم الحلول السياسية ، ولابد من دفع مواثيق اللجان القاعدية ثلاث خطوات للامام كمستوى سياسي افقي
من غير الارادة الوطنية السياسية الحقيقية فإننا سنشهد تعقيدات سياسية في ظل انهيار الدولة الخدمي و الاجتماعي ، سيسفر واقعا غير الذي نشاهده الآن.
أخيرا، إنه ليس وقت التشفي ، أو الشماتة في البعض ، الجميع يعلم ما بداخل الجبة ، الدماء على الطرقات ، و الامنيات واسعة ، واسعة بأن تجعلنا نحلم بطرقات على جروف النيل ، و الجهنميات تشرق بألونها على المياه ، الجو غائم و اغنيات وردي على مسامعنا ، و هواء الخريف يلفح خمار الصبيات السمراوات وهن يخرجن كأنهن جنيات عدن ، والخرطوم كفردوس مفقود.
إلا أن الواقع غير الذي نرجوه ، و ما نحن إلا صدى لعثرات التاريخ ، و انزلاقات الحاضر ، ورب امنية تمحيها تنبأ الدارس وهو ينظر إلى خيم السودانيين و السودانيات على مرتفعات ( قبقة ) وفي ( أم باشي ) و( تسني ) بجوار خيم قد سلفت ، ننتظر قدوم طائرات الامم المتحدة.
فإما حل سياسي يُؤطر لمرحلة واضحة وصريحة تُفضي لخيارات وطنية ، وتمارس السياسة وفق مصالح ابناء هذا الشعب ، أو فإن الخرطوم ستبدو مثل خرطوم غردون ، الجماجم على الرصيف و الجائع يأكل من لحم الميت . دعك من أقاليم ستبدو كبيوت سوبا تأكلها رمال بيوضة. وأهلها مستحاثات تدل على هول الفاجعة .. حينها سنبكي على قبورنا ، كما بكت من قبلنا شعوب ذات حضارة و تبيان.
كل حالات القتل التي حدثت في التظاهرات الأخيرة تبيّن أن القتل يتم بترصد و قصد واضح فوق الشك ، وأن هذه القوات لديها أوامر واضحة بإستخدام القوة المميتة ، في هذه الحالة تقع المسؤولية الجنائية علي القائد أولا ابتداء من البرهان و حميدتي و لا ينفد من هذه المسؤولية الجنائية أولئك الجنود المنفذين لهذه الأوامر إذ أن قتل الإنسان لا يمكن تبريره بالأوامر الصادرة من القيادات العليا..
من جهة أخرى .. “بوضوح، حين يسهم تيار ما في تعميق أزمة سياسيةفي بلد ما ما فيجب أن يرتب أوراقه للإسهام في حل الأزمة”
( نبضات أخيرة ) .. كلام يكتب بماء الذهب
• قال الرافعي في السحاب الأحمر:
واعلم أن أرفع منازل الصداقة منزلتان: الصبر على الصديق حين يغلبه طبعه فيسيء إليك، ثم صبرك على هذا الصبر حين تغالب طبعك لكيلا تسيء إليه.
وأنت لا تصادق الملائكة، فاعرف للطبيعة الإنسانية مكانها، فإنها مبنية على ما تكره، كما هي مبنية على ما تحب، فإن تجاوزت لها عن بعض ما لا ترضاه ضاعفت لك ما ترضاه فوفت زيادتها بنقصها، وسلم رأسمالك الذي تعامل الصديق عليه.
• مزامير لا تموت، وخلقت أوتار ” طنبوره ” من الحبال الصوتية لداؤود ، ونفخ في جوف حلقه عذوبه ليست لها مثيل . كأنه اذا صدح سمعت جميع الكائنات غناءه ، حتى الذاكرة التي تختزنها الجدات في اقدامهن من ليالي الرقيص في رمال الجزر المنسية ..
ربما كانت النخلة الأم التي ارتفعت ساعة حضور الباشا بالدرب الذي يوصل المشروع بالقرى ، تأخذ( شبالها )من ثغر الجُرف رويدا رويدا على صوت تعديل الأوتار ، ومن خشب بنادق الجاهدية صنعت له طبول ، كما أكتاف الشاويش ..
من عمامة مهدي الله ، صنعت له المثبتات ، فيمسح بهن كما يمسح الخضر على لحية ( سيدي الحسن ) فيبارك له كما تبارك الأرض أوراق (اللوبيا) مسامات الجنينة المتروك خراجها لفقراء خلوة (كترانج).
من هنا كانت غمامة الصيف ، مسارات القوافل ، شوالات الخيش العظيمة ، اصابع البنات وهي تلتقط التمرات اليابسة بين ” كرنوف” النخلات العجاف .. في بيوضة كان الجن يتحلقون في دوائر يستمعون الى ( الصديق ) كنبي يحرس الرسالة ،فيخرجون خمر الكوثر المسروق ، فينزلون الى النيل ، يتزوجون بالفسائل النابتة من ( القُنديل ) ليكون ودأحمد صديق آخر قمر سيأفل عن سموات الارض ..
ما يزال صديق احمد في عافيته ، وندعو الله أن يحفظه و يكون بأفضل حال.
.. وكان بحرنا نعومو .. ومافي كان اسرار ..
mido34067@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم