فَاطنَة أم زُميِّم وأحاجي من وسط السودان- 4
الخُدِّيْر والفارس ود النِمِيِر
ترويها مَيْ زُمراوي
حررها عادل سيد أحمد
كانت هناك بنت في غاية الجمال والروعة تدعى الخُدِّيْر لأنها كانت خدرا الخُدرة الناعمة (وهي سَمَار لون البشرة الهادئ)، وكانت الخُدِّيْر هذه أميرة تعيش في قصر أبيها الملك، وقد كان ذلك القصير فخماً وضخماً يحوي أكثر من ثلاثمائة وخمسين غرفةً مُحاطةً بالأسوار العالية.
وكانت الخُدِّيْر منقطعة داخل القصر من الناس، فلا تزور أحد ولا يراها أحد، ومع ذلك كان الناسُ معجبين بها ويتداولون أخبارها باهتمامٍ كبير.
وكان القصر محروساً بالأسود والنمور والضِباع، ومن خلفهم أرتال من النمل الأبيض يليه جيش جرار من أسراب النحل، بحيث يفكر من يريد الدخول للقصر ألف مرةٍ قبل أن يغامر ويعرِّض نفسه لهذه المخاطر والعواقب من اختراق هذه الحصون الحيَّة التي تحرس الأميرة الخُدِّيْر.
وكان الفارس ود النِمِيِر يسمع أخبارَها من الناس، فاهتم لأمرها وقرر أن يذهب ويدخل القصر ليراها ويتعرف على هذه الأميرة الجميلة التي لا يستطيع كائنٌ من كان الدخول إليها ومقابلتها ورؤياها.
كان الفارس قد سمع عن عجوزٍ حكيمة فقرر أن يذهب عندها ويطلب رأيها ونصحها الذي يساعده في دخول القصر ومقابلة الخُدِّيْر.
فقالت له العجوز الحكيمة:
- لا لا يا وليدي! هذا كلامٌ صعب، يجلبُ الموتَ… فستُقتَل لا محالة، فلا أحد دخل لها، ولا يستطيع أحد أن يدخل عليها، وقصرها محروس بأسود ونمور وضباع وبخدم وحشم وبأرتال من النمل الأبيض وجيوش من أسراب النحل. فلن تقدر أن تدخل إلى هناك وتتجاوز كل هذه العقبات، وبعد ذلك كله توجد في هذا القصر أكثر من ثلاثمائة وخمسين غرفة، فحتى لو استطعت الدخول فلن تعرف في أيٍ من هذه الغرف تقيم الخُدِّيْر، ولن تقدر أن تذهب إليها ولا أن تراها.
فقال لها مُتوسلاً: - فقط ساعديني يا أُمي على دخول القصر، وبعد ذلك سأعرف كيف أجد الأميرة لأقابلها وأحادثها.
- الدخول للقصر يحتاج منك مجهوداً كبيراً جداً، فهو يحتاج لأن تذهب وتأتي بكميةٍ وفيرةٍ من الصيد للحيوانات المتوحشة القابعة حول الأسوار من الأسود والنمور والضباع، فيجب أن تُحضر كمية كبيرة من الصيد وترميها لهم ليأكلوا منها وينشغلوا بها فينصرف انتباههم عنك وبذلك تقدر أن تمر من أمامهم. ومحتاج لخرز وسكسك مُلوَن للخدم والحشم فوق الرمال لكي ينشغلوا عنك بنظمه فتقدر بذلك أن تمر أيضاً من جانبهم. ومحتاج لجلب كمية من عيش الذُرة والسمسم لتلهي بها جموع النمل فتنشغل عنك بالتقاطها فتمرُّ أنت من جنبها بسلام. كما تحتاج لإيقاد كمية من الحطب فتصدِر نارُه دخاناً تطرد به جيوش النحل فيطير بعيداً وتنجو أنت من لسعاته وتمر إلى الداخل في أمان.
ودعت له بالتوفيق، فودعها وانصرف لتحضير كل ما نصحته تلك العجوزُ الحكيمة بتحضيره.
ومنذ الصباح الباكر قرر أن يقضي كل اليوم في الصيد، فذهب ليصطاد ولم يترك حيواناً في الخلاء إلا وصاده من غزلان وأرانب وطيور الحبار ودجاج الوادي، كلها أتى بها معه استعداداً للغدِ الموعود.
ثم ذهب إلى السوق فاشترى كميةً وفيرةً من الخَرَز والسُكسُك للحاشية، وعدداً مُقدراً من جوالاتِ الذرة والسمسم ليُلهي بها النمل الأبيض. بعد ذلك حمل فأسه وذهب إلى الغابة المُجاورة فاحتطب، ثم ربط الحطب بالحبال استعداداً لإيقاده في الغد حتى يطرد الدًخان النحل.
ثم عاد (ود النِمِيِر) إلى بيته، واستلقى على فراشه يفكر في يوم الغد ويؤمل على نجاحه في الوصول الى الأميرة الخُدِّيْر.
وجاء اليوم الثاني، فذهب ود النِمِيِر محملاً بكل الأشياء التي جلبها بالأمس إلى القصر.
هناك رمى اللحم للأسود فأكلت وأكلت حتى شبعت. ثم رمى للنمور نصيبها أيضاً فأكلت وأكلت حتى شبعت. ثم للضباع فأكلت وأكلت. وبمجرد أن شبعت جميع الحيوانات أحست بالخمول، وداهمها النعاس، فنامت. وبذلك وجد ود النِمِيِر طريقه سالكاً، فتجاوزها وعبر في طريقه إلى داخل القصر.
ثم ألقى السكسك الملون والخرز للحاشية، فلما رأوه فرحوا، وبدأوا يلقِّطونه وينظموه، فانشغلوا بذلك أيضاً عن ود النِمِيِر الذي تخطاهم إلى الداخل.
ووصل إلى مكان النمل الأبيض، حيث شتت لهم عيش الذرة والسمسم وواصل طريقه إلى الداخل.
لما وصل عند النحل أشعل ناراً في حِزَم الحطب، فطرد دخانها النحل، وبذلك تخطى الفارس ود النِمِيِر الحاجز الأخير الذي يفصله عن الأميرة الخُدِّيْر ودخل إلى القصر.
عندما دخل القصر فوجئ بضخامته فخامته، فقد كانت الأبهة والرقي تفيضان من جميع أركانه.
وفي البداية تاه وسط الغرف الكثيرة، واحتار أين يمكن أن يجد الأميرة؟ وفي أي غرفة تقيم الخُدِّيْر؟ ووقف يتلفت بين الغرف الثلاثمائة وخمسين لا يعرف إلى أي اتجاهٍ يجب أن يسير.
وفجاءةً داعبته رائحة جميلة للغاية لا بد أنها فائحةٌ من بخور وعطور ملكية، فسار كالمسحور نحو مصدر الرائحة، وسار في الاتجاه الذي تزيد فيه تلك الرائحة ويشتد فيه عَبَق البخور، إلى أن وصل الغرفة التي تفوح منها هذه الروائح الملكيَّة، ففتح بابها فتأكد إن رائحة العطر آتية من داخلها، وأشتد عليه السحر لأن الغرفة كانت جميلةً، ومفروشة فرشاً وثيراً وفخماً فخامة فوق المعتاد.
في منتصف الغرفة كانت الخُدِّيْر تستلقي نائمة في سريرٍ مذهب وعليه وسائد محشوة بريش النعام، فبدت له جميلة جمالاً أخاذاً تشبه حور الجنة وكانت تلبس ملابس فخمة وتتزين بالجواهر والياقوت.
فتأمل ود النِمِيِر هذا الجمال و(الخُدرة الناعمة) والأُبُهة التي تكسي الأميرة، فعرفها على الفور، وأيقن إنها الخُدِّيْر التي يتحدث عنها كل الناس.
أمَّا هي فأحست بوجود شخص غريب فاستيقظت على الفور، ولما رأته ارتعبت وروِّعت من هذا الغريب الذي دخل لها في قصرها الحصين، لأنه لا أحد قد سبقه إلى فعلته هذه، ولم يقدر أو يتجرأ أي شخص على الدخول إليها، ناهيك عن أن يقتحم الغريب مخدعها وينتهك حرمتها، فكان ذلك الحدث بعد أن فاقت من خوفها مثاراً لدهشتها واستغرابها الشديد، فسألته والغضبُ يسيلُ من كلماتِها قائلةً: - من أنت؟ وكيف دخلت إلى هنا؟ وكيف تتجرّأ وتدخل على بنات الناس في مخادعهم؟ وكيف… وكيف؟
فعرفها بنفسه وقال لها: - أنا الفارس ود النِمِيِر وأنا والله سمعت بك وبجمالك وروعتك فاهتممتُ لأمرك وقررت أن أتناسى كل المخاطر واتجاوزك كل الصعوبات لأظفر بلُقياكِ ورؤياكْ.
ما حدث بعد ذلك كان غير طبيعياً وغير متوقعاً لأن الشيء الطبيعي هو أن تصرخ بمجرَّد رؤيتها للغريب فينتبه الحراس، وينتبه أبوها، فيهبوا لنجدتها هذا هو رد الفعل الطبيعي لما فعله ود النِمِيِر. لكن المذهل أنها باشرته بحديثٍ عادي وهادئ بدلاً عن الضجة والانفعال، ولامته لوماً يسيراً قائلةً لهُ وقد تملكها الفضول: - لماذا فعلت ذلك؟ وكيف دخلت إلى هنا؟
ولأن ود النِمِيِر كان فارساً مغواراً وشاباً وسيماً مفتول العضلات فقد أعجبت به من فورها، فأجلسته بجزارها وبادلته أحاديثاً عذبةً وشجيَّة، ثم خرج منها وهو في غاية الفرح والسرور من هذا اللقاء الدافئ الودود.
ولأنه أتى بما لم يفعله أحد من قبله، من اقتحام للقصر والدخول على الخُدِّيْر والظفر بمؤانستها، فقد أصابه الغرور، فمشى بين الناسِ في كل مكان مُختالاً وهو يُردد: - أنا دخلت على الخُدِّيْر
وينوُ الصَّبِي البِعَشِّي الطير…
انا دخلت على الخُدِّيْر
وينو الصَّبِي البِعَشِّي الطير!
وعندما جاء قبالة القصر سمع كلامه الحراس، فغضبوا وقرروا أن ينقلوا ما سمعوا للملك، وقالوا له:
هناك شخص يأتي إلى القصر ويقول: - أنا دخلت على الخُدِّيْر…
وينُو الصَّبِي البِعَشِّي الطير!
فأمرهم الملك بالقبض عليه واحضاره ليمثل أمامه، فالحراس وتنفيذاً لتعليمات الملك، ذهبوا وكمنوا للفارس ود النِمِيِر، فلما جاء وهو يردد في كلامه عن الخُدِّيْر قبضوه، ثم أحضروه مُقيداً للملك.
عندنا مثل ود النِمِيِر أمام الملك انشرح له صدره لأنه رأى فيه سمات الفارس من شجاعةٍ وذكاء وطيب أصل لا يليق به اقتحام القصر والتعدي على بنته والتشهير بها، فأمر بفك قيده ثم أخذ يحادثه بهدوءٍ ورضا، فسأله: - من أنت؟ ومتى وكيف دخلت القصر؟ وبأي طريقة؟ وكيف جَاز لك أن تقول عن بنتي كلاماً جارحاً؟ أتقبل ذلك الأمر لأختك أو بنتك؟ ومن البائن أنك فارس ولا تقبل التعدي على بنات الناس، فما الذي دفعك لتفعل فعلتك المُشينة هذه؟
فحدثه ود النِمِيِر بكل التفاصيل وعن العجوز الحكيمة ورد عليه قائلاً له: - والله أنا سمعت بحكاية الأميرة الخُدِّيْر لأن الناس ظلوا يتناقلون أخبارها كأسطورة لا يعرف أحد أهي حقيقة أم خيال؟ وهل توجد هذه الأميرة من الأساس أم لا؟
كل ذلك جعلني أرغب في التأكد من وجودها بنفسي، وها هو الدافع الذي أتى بي إلى القصر لأراها، فهي محبوسة في القصر ولا تخرج منه أبداً ولا يدخل عليها أحد فلا علاقة لها ببشر.
فكنت أرغب في معرفة ذلك، لذلك وجئت ودخلت، والحقيقة عندما رأيتها أسرني جمالها وأدبها وطريقتها معي في الكلام، فأعجبت بها جداً، ليس أعجابا للهو والتسلية وإنما قصدي كان طلب يدها للزواج منها، فلو توافق على أن أتزوجها وإذا هي وافقت أيضاً أن أكون زوجاً لها فسأكون في غاية السعادة وشاكراً لكم ثقتكم ورضاكم عني، فأرجو تصفح عني وتغفر لي ذلتي التي اقترفتها وتشفع لي، وتقبل بي زوجاً لابنتكم الأميرة الخُدِّيْر.
ثم حدث ود النِمِيِر الملك عن نفسه وأهله، فقال له: - أنا ولد فلان الفلاني، من أسرة معروفة. فأرجو أن أتقدم لهذه البنت وأخطبها منك. وسأفي بجميع ما تطلبونه مني لأكفر عن الذنب الذي اقترفته، فلا مانع عندي بأن أقوم بأي عمل يُرضيك أو يرضيها.
الملك سمع كلامه ود النِمِيِر كله، ولما كان حكيم ثاقب البصيرة قدر أن الناس ستتداول الحكاية وتخوض في سيرة بنته فقدر عواقب هذه المسألة فتجلب المشاكل، فوافق على طلب الفارس ود النِمِيِر، ولكن قال له: - تبقَّى أن نشاورها في الأمر. فإن قبلت بك زوجاً فلا مانع عندي.
أطلق الملك سراحه، ثم ذهب إلى الخُدِّيْر، فسألها عما كان من ود النِمِيِر، وحكي لها كل ما حدث معه، ونقل لها طلبه بالزواج منها، فسكتت بادئ الرأي، ثم بدأ عليها الرضا، فاعتبر أبوها إن سكوتَها علامةُ رضاء وموافقة.
بعد أيام يعني قليلاً أرسل لود النِمِيِر أن يأتي إليه، فلما جاء قال له:
د النِمِيِر قال له: - خلاص، لقد وافقنا على طلبك بالزواج من الأميرة، وسنشرع بإكمال مراسم الزواج.
وتمنى له السعادة والهناء في بيت الزوجية الموعود وأن يكون بيت مال وعيال إن شاء الله.
فطلب ود النِمِيِر أخذ الإذن منه بأن يُحضر أهله، ويتقدّموا رسمياً للخطبة ويشرعوا في الإجراءات العادية التي يقوم بها الناس في مثل هذه المناسبات.
وأتى بأهله: أمه وأبيه وأخواته وإخوانه، فتقدّموا للخطبة محملين بالهدايا الثمينة بحيث لم يتركوا شيئاً إلا وقدموه، ثم حددوا ميعاد المناسبة، وتم الزواج المهيب حيث دقُّوا النحاس ولمُّوا الناس وأقاموا الأفراح والليالي المِلاح، وأكثروا من الذبائح والولائم، وعرف كل الناس أن هذا هو زواج الخُدِّيْر من الفارس ود النِمِيِر.
وانتقل ود النِمِيِرة بزوجته الأميرة من قصرها الفخم إلى قصرٍ مشابهٍ له في بلاده وعند أهله فعاشت معهم في هناء ورغدٍ من العيش.
انتهت الحكاية
amsidahmed@outlook.com
