أخبار عاجلة

قرقاش: قصة قصيرة

قد تلاحظون ان حكاوينا عن أهل القرى في الجزيرة المروية لا تنتهي…وكلما ظننا أننا قلنا كل شيء، ظهرت حكاية جديدة، كأن الأرض تحفظ أسرار ناسها. ويلا نسوقكم لواحدة من تلك القرى ونعرفكم على بطل حكايتنا..
ذاك الشاب اسمه “قرقاش”… اسم غريب وعجيب مش. فيا ترى هل سمع أحدكم به من قبل؟
من غرابة اسمه فقد وجدنا ان أهل قريته لم يكونوا يعرفون لماذا اختار له أبوه هذا الاسم، وكأن الاسم نفسه جزء من الغموض الذي يحيط بهذه الأسرة.
وانت ياسيدي ان واتتك الفرصة ومررت بتلك القرية فسوف ترى بعض اهلها في الباكرية فرادى وجماعات بعضهم يمتطي حماره، و يحمل ما فاض من حصاده: ذرة، فول، عنكوليب، وقليل من الخضروات، ثم يمضي إلى سوق “أم دفقو” القريب، ليعود محمّلاً بما خفّ وزنه وغلا ثمنه: سكر، شاي، وبعض من اهمً مستلزمات الحياة.

كانت الحياة في تلك القرية بل المنطقه كلها كانت تمضي على وتيرتها… هادئة ومتوازنة. لكن ذلك كان قبل قيام مشروع الجزيرة. حين جاء المشروع جاء معه التغيير. ثم تبدلت الأرض، وتبدلت معها حياة الناس. انتقلوا من الزراعة المطرية والرعي إلى نظام زراعي جديد، تحكمه المواقيت والحسابات، ودخلت مفاهيم لم تكن جزءاً من عالمهم البسيط.
وسط هذا كله… كان قرقاش مختلفاً. لم ينشغل مثل بقية الشباب بالحواشات وتقسيم الأرض. كان يقف طويلاً عند أطراف الترع، ينظر إلى الماء كأنه يسمع شيئاً لا يسمعه غيره.
فقد قالوا عنه:
(الولد ده سرحان ساي) وفي قول آخر إنه (زول مهوود) لكن أمه كانت ترد بهدوء: “ولدي ده حلاته قلبه واسع وكمان ما زيكم.”

في جانب آخر تلاحظ انه ومنذ وجود مشروع، الجزيرة صار كل شيء محسوباً:
صار الماء يأتي بميعاد، والزراعة ببرنامج، وحتى الرزق كأنه صار مربوطاً بدفاتر لا بالأرض. أما قرقاش فلم يعجبه ذلك. لا ان كان ذلك اليوم قائظ، تأخر فتح المياه عن حواشة أبيه. اجتمع رجال القرية ، وارتفعت الأصوات شيء لم تألفه “الكبروس” من قبل. فعندما حل الليل وعم الظلام الدامس كل شي خرج قرقاش وحده..ثم مشى حتى إذا وصل الترعة، جلس عند حافتها، ومدّ يده في الماء، وظل يحرّكه ببطء… كأنه يوقظه.

وفي الصباح…قالوا إن الماء جاء قبل موعده.
لم يربط أحد بين الأمرين… إلا عجوزاً كانت تراقب من بعيد. هزّت رأسها وقالت: “الولد ده… بينه وبين الموية سر.”
ثم كبرت الحكايات.قالوا إنه يعرف متى تفيض الترع، وقالوا إنه يسمع الأرض، وقالوا
أشياء كثيرة. لكنه لم يشرح. فقد كان يبتسم فقط. حتى جاء الموسم الأصعب.
حينها شحّ الماء، واصفرت الحواشات، ودخل القلق البيوت. حتى الذين وثقوا في المشروع، بدت عليهم الحيرة. ولكن حدث شى لم يكن في الحسبان،ففي تلك الأيام… اختفى قرقاش. بحثوا عنه في كل مكان… بلا أثر.

وفي اليوم الرابع، وجدوه عند طرف الترعة الجافة، نائماً كأنه يحرسها. أيقظوه فتح عينيه ببطء وقال:
“الموية جاية… بس خلوها تمشي بطريقتها.”
لم يفهموا قوله. وفي تلك الليلة… نزل المطر.
من غير موعد..لم يكن مطراً عادي، امتلأت الترع، وارتوت الأرض، وعاد الأخضر. بعدها قلّ كلام قرقاش. كأن السر الذي بينه وبين الأرض… لم يعد يُقال. ثم جاء ذاك اليوم الذى لم يُنسَ.كان يعمل عند طرف الترعة، حين صرخ صرخة قصيرة… ثم سكت. فقد وجدوه ممدداً، وعلى ساقه أثر عضة صغيرة. قالوا: لدغة ثعبان. حملوه مسرعين، وتضاربت الأقوال.

أمه جلست عند رأسه، لا تبكي، تمسح على
جبينه وتتمتم بكلمات خافتة قال بعضهم إن جسده برد… وقال آخرون إنه فتح عينيه للحظة..اقتربت العجوز، نظرت إليه طويلاً، ثم همست: “السر رجع لصاحبه…”

في تلك الليلة… سكن كل شيء. وفي الصباح…
قال بعضهم إنهم رأوا الماء يتحرك ببطء…
كأنه جاء من بعيد، بلا موعد. وقال آخرون إن الترعة كانت كما هي. ومن يومها…لم يتفق أهل “الكبروس” على ما حدث لقرقاش.

هل ياترى مات قرقاش؟
أم ذهب مع السر الذي كان يحمله؟
أم صار شيئاً آخر… لا يُرى؟
فقط…حين يتأخر الماء، يقف بعضهم عند طرف الترعة، وينادون بصوت خافت:
“يا قرقاش… خلي الموية تمشي بطريقتها…”
وأحياناً… يقولون إنهم يسمعون رداً.
ولايدري احد قط علاقة اسم قرقاش بقرقش والماء والسر البينو وبينها..

عثمان يوسف خليل

osmanyousif1@icloud.com

عن عثمان يوسف خليل

عثمان يوسف خليل

شاهد أيضاً

ليه بنهرب من مصيرنا؟ بين هوس الكبر وتقدم العمر

عندما سُئل الممثل العملاق مورقن فريمان (Morgan Freeman) في لقاء تلفزيوني عمّا تعلّمه عن التعامل …