كتيبة البراء بن مالك في السودان: النشأة، البنية، الأدوار، والتأثيرات في سياق النزاع والتحولات السياسية (الجزء الأول)
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
تتناول الدراسة كتيبة البراء بن مالك ضمن سياق الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 بوصفها حالة نموذجية لتحول بنية الفاعلين المسلحين في السودان من احتكار الدولة للعنف إلى تعدد مراكز القوة المسلحة. وتوضح أن هذا التحول لم يكن مجرد تطور عسكري طارئ، بل نتيجة تراكم تاريخي مرتبط بتفكك مؤسسات الدولة، وتوسع الاعتماد على تشكيلات مسلحة موازية، واندماج البعد الأيديولوجي والديني والسياسي داخل البنية العسكرية.
يركز المقال على نشأة كتيبة البراء بن مالك في سياق الحرب السودانية بعد أبريل 2023، حيث يُستخدم اسم البراء بن مالك كرمزية دينية تاريخية تمنح التشكيل طابعًا تعبويًا يربط القتال بالشرعية الأخلاقية والدينية، وهو نمط شائع في بعض الجماعات المسلحة التي توظف الرموز الدينية لتعزيز الهوية والتجنيد.
تأتي نشأة الكتيبة ضمن بيئة حرب معقدة اتسمت بانهيار جزئي للدولة وتعدد الفاعلين المسلحين في مناطق مثل الخرطوم ودارفور وكردفان، ما أدى إلى بروز تشكيلات جديدة خارج الأطر الرسمية. وتُفهم الكتيبة باعتبارها جزءًا من هذا التوسع في الفاعلين المسلحين الناتج عن الفراغات الأمنية وضعف مؤسسات الدولة، في سياق مشابه لنزاعات سابقة في السودان.
يرتبط تكوين الكتيبة بمزيج من الدوافع الأيديولوجية المرتبطة بالإسلام السياسي، والسياق العسكري للحرب، حيث يُستخدم الخطاب الديني في عمليات التعبئة والتجنيد، خصوصًا بين الشباب، عبر شبكات اجتماعية وسياسية قائمة. ويعكس ذلك استمرار تأثير شبكات الإسلام السياسي في المجال غير النظامي بعد 2019.
تفتقر الكتيبة إلى توثيق رسمي واضح لنشأتها، وتعتمد المعلومات المتاحة عليها على مصادر إعلامية وروايات غير رسمية، مع اختلاف حول توقيت ظهورها بين بدايات الحرب أو جذور سابقة مرتبطة بشبكات تعبئة أقدم.
تنظيميًا، تتسم الكتيبة بقيادة ميدانية موزعة دون مركزية بيروقراطية صارمة، ما يمنحها مرونة عملياتية عالية لكنه يؤدي إلى تعدد مراكز القرار. وقد ارتبطت بها أسماء قيادية مع تقديرات متباينة لأعداد المقاتلين الذين شهدوا توسعًا سريعًا خلال الحرب.
يعتمد هيكلها على وحدات صغيرة مرنة تعمل في جبهات متعددة داخل الخرطوم وولايات أخرى، مع قدرة على إعادة التشكيل السريع وفق متطلبات القتال، وهو ما يتماشى مع أنماط الحروب الأهلية الحديثة.
في جانب التجنيد، يعتمد التنظيم على الدوافع الأيديولوجية والشبكات الاجتماعية والظروف الاقتصادية الناتجة عن الحرب، مع تنوع في الخلفيات الاجتماعية للمقاتلين من طلاب وشباب وفئات متضررة اقتصاديًا، وتوزع جغرافي واسع داخل السودان.
أما التسليح فيقوم على أسلحة خفيفة ومتوسطة يتم الحصول عليها من مصادر متعددة تشمل مخازن الجيش والسوق السوداء والتهريب، إضافة إلى انتشار السلاح نتيجة انهيار السيطرة الأمنية.
عسكريًا، تشارك الكتيبة في عمليات دعم القوات النظامية في عدة جبهات، وتستخدم تكتيكات حرب المدن مثل الكمائن والتحرك السريع والانتشار المرن في مناطق متعددة. أما سياسيًا، فلا تشكل كيانًا سياسيًا مستقلًا، بل يرتبط دورها بخطاب تعبوي ديني-عسكري.
إعلاميًا، تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي لنشر محتوى تعبوي وميداني يسهم في تشكيل صورتها العامة، وأحيانًا تضخيم دورها في بعض العمليات ضمن “حرب سرديات” موازية.
في العلاقات، ترتبط بشكل غير رسمي مع القوات المسلحة السودانية ضمن تعاون ميداني ظرفي دون اندماج مؤسسي، بينما تتسم علاقتها مع حركات دارفور المسلحة بالتنسيق المحدود وغير المستقر، وترتبط أيديولوجيًا بشبكات الإسلام السياسي دون بنية تنظيمية موحدة. أما إقليميًا، فالتأثير غير مباشر من خلال ارتباطها بسياق الحرب وانعكاساته على دول الجوار.
على مستوى التأثير، ساهمت الكتيبة ضمن مشهد أوسع في تعقيد النزاع وتحوله إلى صراع متعدد الفاعلين، مع تصاعد العنف والخسائر البشرية والانهيار الكبير في البنية التحتية والنزوح الواسع. كما أدى ذلك إلى تآكل احتكار الدولة للعنف وتفكك المركزية الأمنية.
في حقوق الإنسان، أدى تعدد الفاعلين المسلحين إلى صعوبة تحديد المسؤوليات عن الانتهاكات، مع تقارير عن عنف واسع ضد المدنيين وانهيار الخدمات الأساسية.
يخلص التحليل إلى أن الحالة السودانية تمثل نموذجًا لدولة متشظية تتقاسم فيها القوة بين الجيش وتشكيلات غير نظامية، مع تداخل العسكري بالأيديولوجي، وتآكل احتكار الدولة للعنف، وتحول الحرب إلى بنية مستمرة لإعادة إنتاج السلطة والعنف داخل المجتمع.
تشير السيناريوهات المستقبلية للنزاع في السودان إلى أن استمرار تعدد الفاعلين المسلحين خارج إطار الدولة منذ حرب أبريل 2023 يمثل العامل الأساسي في إطالة أمد الحرب وتفكك مؤسسات الدولة. وقد أدى توسع القتال في الخرطوم ودارفور وكردفان وشرق السودان إلى ظهور عشرات التشكيلات المسلحة غير النظامية ذات طابع أيديولوجي أو قبلي أو سياسي، بما في ذلك كتيبة البراء بن مالك ومجموعات محلية أخرى نشأت خلال الحرب دون أطر مؤسسية أو اتفاقات سلام.
في هذا السياق، يبرز ضرورة التمييز بين الحركات المسلحة ذات التاريخ السياسي التفاوضي التي انخرطت في مسارات سلام سابقة، وبين المليشيات الجديدة التي تشكلت أثناء الحرب خارج أي إطار قانوني أو تفاوضي، وغالبًا ما تحمل طابعًا حزبيًا أو عقائديًا أو قبليًا. وتوضح الأدبيات المقارنة أن دمج هذه التشكيلات غير النظامية داخل الجيوش يؤدي عادة إلى إضعاف احتكار الدولة للعنف وإعادة إنتاج الصراع داخل المؤسسة العسكرية بدل حله.
بناءً على ذلك، يتبنى التحليل موقفًا واضحًا يقوم على رفض دمج كتيبة البراء بن مالك وكل التشكيلات المسلحة المؤدلجة أو القبلية أو الحزبية، بما في ذلك المجموعات التي نشأت خلال الحرب الحالية دون تفويض سياسي، أو التي تحولت من دفاعات محلية إلى قوات قتالية مستقلة، وكذلك أي تشكيلات تعمل خارج التسلسل القيادي الرسمي للقوات المسلحة. ويُعتبر إدماج هذه القوى داخل الجيش عاملًا يؤدي إلى تكوين جيش متعدد الولاءات، ما يهدد تماسك المؤسسة العسكرية ويقوض أي انتقال سياسي مستقر.
في المقابل، يُقترح حصر عمليات الدمج وإعادة التسريح في ثلاث قوى رئيسية فقط تمتلك مسارات تفاوضية معترف بها، وهي: قوات الدعم السريع التي نشأت في إطار مؤسسي سابق وتتطلب إعادة هيكلة أو دمجًا تدريجيًا تحت سلطة الدولة، وحركات دارفور المسلحة الموقعة على اتفاقات سلام والتي تمتلك وضعًا تفاوضيًا مؤهلاً للدمج المشروط أو التسريح، والحركة الشعبية شمال التي تمثل طرفًا تاريخيًا في نزاع طويل مع مسارات تفاوض مستمرة. أما باقي التشكيلات، فيجب إخضاعها لعمليات تفكيك لا دمج.
ويشير التحليل إلى أن دمج المليشيات غير النظامية دون تفكيكها تنظيميًا وأيديولوجيًا يؤدي إلى مخاطر بنيوية تشمل تفكك الانضباط العسكري، وتعدد مراكز القرار داخل الجيش، وإعادة إنتاج الصراع داخله، وتحويل المؤسسة العسكرية إلى تحالف فصائل مسلحة بدلًا من جيش وطني موحد. وتؤكد التجارب المقارنة أن هذا النمط يؤدي إلى ما يشبه عسكرة الدولة من الداخل بدل تعزيز استقرارها.
كما يُبرز التحليل أن استمرار دمج أو بقاء المليشيات المؤدلجة داخل البنية العسكرية يرسخ نموذج الدولة المتشظية، حيث تتداخل الولاءات السياسية والعسكرية داخل الجيش، وتتحول المؤسسة العسكرية إلى ساحة صراع داخلي بدل أن تكون أداة احتكار للعنف.
وتخلص الرؤية التحليلية إلى أن مستقبل الدولة السودانية يعتمد على إعادة بناء احتكار مركزي ومنضبط للعنف، يقوم على تفكيك المليشيات غير النظامية المؤدلجة والقبلية، وحصر الدمج فقط في القوى ذات المسار التفاوضي، باعتبار أن أي دمج غير مشروط يعيد إنتاج الصراع بدل إنهائه ويؤسس لدورة جديدة من عدم الاستقرار.
النص الكامل للمقال
- السياق التاريخي والسياسي
يرتبط تحليل الفاعلين المسلحين غير النظاميين في السودان بفهم المسار التاريخي لتطور الدولة، التي نشأت في سياق استعماري دون بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة التنوع الإثني والجغرافي، مما أدى إلى استمرار التوترات بين المركز والأطراف (Young، 2012). وقد اعتمدت الدولة منذ الاستقلال على نموذج حكم مركزي ضعيف، يعتمد على التحالفات مع النخب المحلية، وعلى استخدام القوة لضبط المناطق الطرفية (de Waal، 2015).
شهدت الدولة السودانية تحولات متعددة، تميزت بتناوب الحكم المدني والعسكري، حيث لعبت الانقلابات العسكرية دورًا محوريًا في تشكيل النظام السياسي، مما أدى إلى ترسيخ دور المؤسسة العسكرية كفاعل رئيسي في الحكم (Johnson، 2016). وقد انعكس ذلك في عسكرة الدولة، حيث أصبحت الأجهزة الأمنية والعسكرية جزءًا أساسيًا من بنية السلطة، وليس مجرد أدوات تنفيذية (Young، 2012).
تُعد العلاقة بين الدولة والمؤسسة العسكرية عنصرًا حاسمًا في فهم الديناميات السياسية، حيث تتمتع المؤسسة العسكرية بدرجة عالية من الاستقلال، وتلعب دورًا مباشرًا في تحديد مسار الحكم، خاصة في فترات الأزمات (de Waal، 2015). وقد أدى ذلك إلى تداخل المجالين السياسي والعسكري، وإلى ضعف المؤسسات المدنية.
شهد السودان تحولات عميقة في مجال الإسلام السياسي، خاصة منذ وصول الجبهة الإسلامية القومية إلى السلطة في عام 1989، حيث تم إدماج الأيديولوجيا الإسلامية في مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش والأجهزة الأمنية، واستخدامها كأداة للشرعية والتعبئة (Marchal، 2011). وقد أدى ذلك إلى تعزيز العسكرة العقائدية، وربط العمل العسكري بالخطاب الديني، خاصة خلال فترات الحرب (Marchal، 2011).
ساهمت هذه السياسات في إعادة تشكيل بنية الدولة، وفي خلق شبكات مرتبطة بالإسلام السياسي داخل المؤسسات وخارجها، وهو ما لا يزال يؤثر على المشهد السياسي والأمني. كما أدى ذلك إلى تداخل الأيديولوجيا مع الممارسة العسكرية، مما ساهم في ظهور فاعلين مسلحين ذوي طابع عقائدي.
مع استمرار النزاعات، وتبني الدولة لسياسات أمنية تعتمد على تسليح مجموعات محلية، تفكك احتكار الدولة للعنف، حيث ظهرت قوى مسلحة متعددة، بعضها يعمل بالتنسيق مع الدولة، وبعضها يعمل بشكل مستقل أو في مواجهتها (Weber، 1978). ويُعد ذلك من السمات الأساسية للدول الهشة، حيث تتعدد مراكز القوة، وتتراجع قدرة الدولة على فرض سيطرتها (de Waal، 2015).
شهد السودان تحولات سياسية كبيرة في السنوات الأخيرة، خاصة بعد سقوط النظام السابق في عام 2019، حيث دخلت البلاد في مرحلة انتقالية اتسمت بعدم الاستقرار، نتيجة للصراع بين القوى المدنية والعسكرية، وغياب توافق سياسي شامل (International Crisis Group، 2023). وقد أدى ذلك إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتصاعد التوترات بين الفاعلين السياسيين والعسكريين.
تفاقمت هذه التوترات مع اندلاع النزاع المسلح في عام 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مما أدى إلى تفكك إضافي في بنية الدولة، وفتح المجال أمام فاعلين مسلحين جدد (International Crisis Group، 2023). وقد تميز هذا النزاع بتعدد الأطراف، وتداخل التحالفات، واتساع نطاق العمليات العسكرية.
في هذا السياق، تصاعد دور الفاعلين المسلحين غير النظاميين، الذين أصبحوا جزءًا أساسيًا من المشهد الأمني، سواء من خلال مشاركتهم في القتال، أو من خلال سيطرتهم على مناطق معينة، أو من خلال تأثيرهم على السكان (Staniland، 2014). ويعكس ذلك انتقال السودان إلى نظام أمني متعدد، تتقاسم فيه القوة عدة جهات.
يمثل السياق السوداني حالة مركبة، تتداخل فيها الدولة الحزبية مع الدولة الأمنية، حيث تلعب الأحزاب السياسية دورًا في تشكيل الفاعلين المسلحين، بينما تعتمد الدولة على الأجهزة الأمنية والعسكرية في إدارة السلطة (Young، 2012). كما يتجلى هذا التداخل في إنتاج فضاء شبه عسكري، تنتشر فيه تشكيلات مسلحة متعددة تعمل داخل وخارج إطار الدولة.
تستند هذه التشكيلات إلى مرجعيات متنوعة، تشمل الأيديولوجية، مثل الإسلام السياسي، والمناطقية، مثل الانتماءات القبلية، والسياسية، مثل الولاءات الحزبية، وهو ما يؤدي إلى تعقيد المشهد الأمني، ويجعل من الصعب التمييز بين الفاعلين الرسميين وغير الرسميين (de Waal، 2015).
- نشأة كتيبة البراء بن مالك
يرتبط اسم الكتيبة بالشخصية التاريخية “البراء بن مالك”، وهو أحد الصحابة في السردية الإسلامية، ويُستدعى في الأدبيات الدينية بوصفه نموذجًا للشجاعة في المعارك والتضحية القتالية، خاصة في سياقات الحروب المبكرة في التاريخ الإسلامي، حيث ارتبط اسمه بروايات تعكس الإقدام والانخراط المباشر في القتال، مثل مشاركته في معركة اليمامة التي وقعت حوالي عام 632–633 ميلاديًا ضمن حروب الردة في شبه الجزيرة العربية، حيث تُنسب إليه أدوار قتالية بارزة في اقتحام التحصينات (Donner، 2010). ويعكس استخدام هذا الاسم في تسمية الكتيبة توظيفًا مقصودًا للرمزية الدينية، حيث يتم استدعاء نموذج تاريخي ذي دلالة قتالية لإضفاء الشرعية الرمزية على التشكيل العسكري، وربطه بإطار ديني يمنحه بعدًا أخلاقيًا ومعنويًا، كما هو شائع في العديد من الجماعات المسلحة ذات الطابع العقائدي في الشرق الأوسط وأفريقيا، مثل استخدام أسماء دينية أو تاريخية لتعزيز الهوية القتالية (Juergensmeyer، 2003).
يمثل هذا الاستدعاء الديني والقتالي أحد عناصر بناء الهوية التنظيمية، حيث يتم دمج البعد العقائدي مع الوظيفة العسكرية، بما يعزز من تماسك المقاتلين، ويُسهم في إنتاج خطاب تعبوي يقوم على مفاهيم مثل الشجاعة والتضحية والانتماء الديني، ويُستخدم في عمليات التجنيد والتعبئة، خاصة بين الفئات الشبابية التي تبحث عن معنى وهوية في سياقات النزاع (Marchal، 2011). كما يؤدي هذا التوظيف الرمزي إلى تأطير الصراع ضمن سياق أوسع يتجاوز الأبعاد السياسية المباشرة، ليشمل أبعادًا دينية وأخلاقية، وهو ما يلاحظ في حالات مشابهة مثل الجماعات المسلحة ذات المرجعيات الإسلامية في مناطق النزاع، حيث يتم استخدام الرمزية الدينية لتبرير العنف أو لتأطيره (Kalyvas، 2006).
تبلورت الكتيبة في سياق الحرب الداخلية في السودان، خاصة مع تصاعد النزاع المسلح في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهو نزاع امتد إلى مناطق مثل الخرطوم، وأم درمان، وبحري، إضافة إلى إقليم دارفور (مثل الجنينة ونيالا)، ومناطق في كردفان، وأدى إلى انهيار واسع في البنية الأمنية، ونزوح ملايين السكان داخليًا وخارجيًا (International Crisis Group، 2023). وجاء هذا التبلور ضمن بيئة تتسم بتعدد مراكز القوة المسلحة، حيث لم تعد الدولة تحتكر العنف، بل ظهرت تشكيلات متعددة تعمل بشكل متوازٍ أو متقاطع، بما في ذلك قوات شبه نظامية، ومليشيات محلية، ووحدات ذات طابع عقائدي، وهو نمط سبق أن ظهر في السودان منذ حرب دارفور التي اندلعت عام 2003 (de Waal، 2015).
ويعكس هذا التبلور نمطًا متكررًا في النزاعات الممتدة، حيث يؤدي ضعف الدولة إلى نشوء كيانات مسلحة جديدة تستجيب لحاجات ميدانية أو لفراغات أمنية، كما حدث في دارفور منذ عام 2003، حيث ظهرت مجموعات مثل حركات التمرد المسلحة والجنجويد، نتيجة لغياب السيطرة المركزية وتفكك المؤسسات (Tubiana وآخرون، 2012). وفي هذا السياق، يمكن فهم نشأة الكتيبة كجزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل الفضاء الأمني في السودان، حيث يتم إنتاج فاعلين جدد في كل مرحلة من مراحل النزاع.
ارتبطت نشأة الكتيبة بعملية تعبئة عقائدية ذات طابع ديني واضح، حيث لعب الخطاب الديني دورًا في استقطاب المقاتلين، وتوفير إطار تعبوي يربط بين القتال والانتماء العقائدي، خاصة في ظل الإرث السياسي للحركة الإسلامية في السودان منذ استيلاء نظام عمر البشير المدعوم من الجبهة الإسلامية القومية على السلطة في عام 1989، وما تبعه من دمج الدين بالسياسة والعسكرية (Marchal، 2011). كما يظهر طابع سياسي ضمني في هذه النشأة، حيث تتشكل الكتيبة في سياق صراع على السلطة والنفوذ داخل الدولة، حتى وإن لم تُعلن عن نفسها كفاعل سياسي مؤسسي، وهو ما يعكس تداخل العسكري والسياسي في السودان.
يتداخل في نشأة الكتيبة سياقان رئيسيان: السياق العسكري، الذي يتمثل في تصاعد العمليات القتالية والحاجة إلى وحدات إضافية لتعويض النقص في القوات النظامية أو لدعمها، والسياق الأيديولوجي، الذي يوفر الإطار المرجعي للتعبئة والتنظيم، وهو ما يتماشى مع تحليلات تشير إلى أن الجماعات المسلحة في الدول الهشة غالبًا ما تجمع بين الدوافع المادية والعقائدية، مثل الحماية، والدخل، والانتماء (Staniland، 2014). ويؤدي هذا التداخل إلى إنتاج تشكيلات تجمع بين الوظيفة القتالية والمرجعية العقائدية، وهو ما يميز العديد من الجماعات المسلحة في البيئات الهشة، مثل السودان والصومال وأفغانستان، حيث تتداخل الديناميات المحلية مع الخطاب الديني (Reno، 2011).
تتسم عملية تأسيس الكتيبة بغياب وثائق رسمية مستقرة، حيث لا توجد مصادر مؤسسية واضحة تحدد تاريخ التأسيس أو ظروفه بشكل دقيق، وهو ما يعكس طبيعة هذه الجماعات التي تنشأ خارج الأطر الرسمية، وغالبًا ما تتجنب التوثيق العلني لأسباب أمنية تتعلق بالحماية من الاستهداف أو الرقابة (Reno، 2011). كما يغيب الإعلان العلني الواضح عن نشأتها، وتعتمد المعلومات المتاحة على مصادر غير رسمية أو روايات إعلامية أو محتوى رقمي متداول، مما يؤدي إلى تباين الروايات الزمنية حول ظهورها، حيث تشير بعض التقديرات إلى ارتباطها المباشر بتصاعد الحرب في عام 2023، بينما تلمح روايات أخرى إلى جذور سابقة في شبكات تعبئة عقائدية أو شبابية كانت موجودة منذ سنوات ما قبل الحرب (International Crisis Group، 2023).
يرتبط ظهور الكتيبة بشكل وثيق بتصاعد الحرب الأخيرة في السودان، حيث أدى انهيار التوازنات الأمنية إلى بروز موجة أوسع من التشكيلات المسلحة، التي تتسم بطابع تعبوي عقائدي، وتعمل في بيئة تتسم بتفكك الهياكل الأمنية التقليدية، بما في ذلك ضعف سيطرة الدولة على مخازن السلاح، وانتشار السلاح بين المدنيين، وظهور اقتصاد حرب قائم على الموارد المحلية مثل النهب أو السيطرة على الموارد، وهو ما لوحظ في مناطق النزاع المختلفة (de Waal، 2015). ويعكس ذلك تحولًا في طبيعة النزاع، حيث أصبح أكثر تعقيدًا، نتيجة لتعدد الفاعلين، وتداخل الأبعاد العسكرية والأيديولوجية، واتساع نطاق العمليات ليشمل مناطق حضرية كثيفة السكان مثل الخرطوم، وهو ما يزيد من تأثير النزاع على المدنيين.
كما تُظهر هذه الحالة أن نشأة الكتيبة ليست ظاهرة معزولة، بل جزء من دينامية أوسع تتسم بانتشار الجماعات المسلحة، وتراجع دور الدولة، وتزايد الاعتماد على التعبئة العقائدية كأداة لتنظيم القوة، وهو ما يعكس طبيعة التحولات التي يشهدها السودان في سياق النزاع المعاصر، خاصة في ظل استمرار الصراع منذ 2023، وغياب تسوية سياسية شاملة، وتداخل العوامل المحلية والإقليمية، مثل تأثير دول الجوار والتوازنات الإقليمية (Staniland، 2014). ويؤدي هذا السياق إلى استمرار إنتاج فاعلين مسلحين جدد، وإلى تعقيد أي محاولة لإعادة بناء الدولة أو احتكارها للعنف.
- البنية التنظيمية والقيادة
3.1 القيادة
تتسم قيادة كتيبة البراء بن مالك بطابع ميداني شديد الكثافة والانخراط المباشر في مسارح العمليات، وهو نمط يتسق مع خصائص الجماعات المسلحة غير النظامية التي تعمل في سياقات انهيار جزئي للدولة وتعدد مراكز القوة المسلحة، كما هو الحال في الحرب السودانية التي اندلعت في 15 أبريل/نيسان 2023 في الخرطوم وتمددت لاحقًا إلى أم درمان وبحري وولايات أخرى (Staniland، 2014؛ International Crisis Group، 2023). هذا النمط القيادي لا يقوم على مركزية بيروقراطية تقليدية، بل على شبكة من القادة الميدانيين الذين يتولون اتخاذ القرار الفوري في الجبهات، بما في ذلك الخرطوم جنوب وشرق النيل ومحيط القيادة العامة وسلاح المدرعات، وهو ما يعكس نموذج “القيادة الموزعة” في الحروب الأهلية الحديثة (Reno، 2011).
ويترتب على هذا الشكل القيادي أن عملية اتخاذ القرار العسكري تتم في مستويات متعددة ومتداخلة، تشمل القيادة العامة والقيادات القطاعية والوحدات القتالية الصغيرة، ما يؤدي إلى درجة عالية من المرونة التكتيكية، لكنه في الوقت ذاته يخلق تفاوتًا في الأولويات العملياتية بين الجبهات المختلفة، خاصة في بيئات مثل سنار وكردفان ودارفور حيث تتغير خطوط السيطرة بسرعة. كما يسمح هذا النمط بتعدد مراكز القرار داخل الكتيبة، الأمر الذي يعزز القدرة على البقاء في بيئة الحرب المفتوحة، لكنه يحد من إمكانية بناء تسلسل قيادي مؤسسي مستقر.
تتداول المصادر المفتوحة أسماء قيادات رئيسية مرتبطة بالكتيبة، أبرزهم القائد العام المصباح أبو زيد طلحة، إلى جانب أنس عمر، حذيفة إسطنبول، محمد الفضل عبد الواحد عثمان، حذيفة آدم، قصي بشرى، مهند فضل، وهي أسماء ترتبط بشكل مباشر ببنية التنظيم الميداني (Wikipedia، 2025). وتشير تقارير ميدانية إلى مقتل بعض القادة مثل حذيفة آدم وقصي بشرى في يوليو/تموز 2024 في منطقة مِيرنو جنوب سنار، ما يعكس الطبيعة القتالية المباشرة للقيادة وعدم فصلها عن خطوط المواجهة (Wikipedia، 2025).
وتُظهر البنية القيادية كذلك ارتباطًا عضويًا بالحركة الإسلامية السودانية، حيث تشير مصادر متعددة إلى أن القيادة الأساسية تضم شخصيات ذات خلفيات تنظيمية إسلامية، أبرزهم المصباح أبو زيد طلحة وأنس عمر وحذيفة إسطنبول، وهو امتداد تاريخي لشبكات الإسلاميين التي تشكلت منذ حقبة الجبهة الإسلامية القومية ثم نظام عمر البشير (Marchal، 2011). هذا الارتباط يعكس استمرار إعادة إنتاج شبكات الإسلام السياسي داخل البنية العسكرية غير النظامية في السودان بعد 2019.
أما من حيث الحجم العددي، فتشير التصريحات القيادية إلى توسع كبير خلال فترة قصيرة؛ إذ أعلن المصباح أبو زيد في أبريل/نيسان 2024 أن عدد المقاتلين بلغ 21,000 مقاتل، ثم أعلن في أبريل/نيسان 2025 تحول الكتيبة إلى “فيلق” مع تقديرات تصل إلى 35,000 مقاتل، في حين تشير تقديرات إعلامية أخرى إلى نطاق يتراوح بين 20,000 و50,000 مقاتل (Al Jazeera، 2026؛ Egypt Window، 2025؛ Ayin Network، 2025). ويعكس هذا التباين اتساع عمليات التعبئة وصعوبة التحقق المؤسسي في بيئة حرب غير مستقرة تتسم بتضارب البيانات.
3.2 الهيكل التنظيمي
يتسم الهيكل التنظيمي لكتيبة البراء بن مالك بتداخل واضح بين البنية الهرمية التقليدية والبنية الشبكية المرنة، وهو ما يعكس طبيعة التحول من تشكيل صغير إلى كيان شبه عسكري واسع الانتشار. فالتنظيم يتدرج من قيادة عامة إلى قيادات قطاعات ثم وحدات قتالية صغيرة، دون وجود مؤسسات بيروقراطية صارمة كما في الجيوش النظامية، مما يتيح مرونة عالية في إعادة الانتشار وإعادة التشكيل (Staniland، 2014).
وقد مر الهيكل بثلاث مراحل رئيسية مترابطة:
مرحلة التأسيس الأولى خلال 2023 بوصفها كتيبة صغيرة في بداية الحرب
مرحلة التوسع في 2024 عندما تحولت إلى لواء مع وصول العدد إلى نحو 20,000 مقاتل (Ayin Network، 2025)
مرحلة التحول إلى فيلق في 2025 مع تقديرات تصل إلى نحو 35,000 مقاتل (Al Jazeera، 2026)
هذا التدرج يعكس تحولًا تنظيميًا سريعًا من وحدة محدودة إلى تشكيل واسع النطاق قادر على العمل في عدة جبهات متزامنة.
تعتمد الكتيبة على وحدات قتالية صغيرة الحجم، غالبًا ما تتراوح بين 5 و20 مقاتلًا، تعمل بشكل شبه مستقل مع قدرة عالية على التنسيق العملياتي، ما يسمح لها بالانتشار في مسارح متعددة تشمل الخرطوم (القيادة العامة، سلاح المدرعات، بحري، أم درمان)، إلى جانب ود مدني، سنار، جبل موية، الفاشر، وكردفان. وقد شاركت هذه الوحدات في عمليات واسعة النطاق مثل معارك الخرطوم (2023–2025)، سنار، ود مدني، والفاشر، ما يعكس قدرتها على العمل في بيئات حضرية وريفية معقدة (Wikipedia، 2025).
ويؤدي هذا النمط التنظيمي إلى قدرة عالية على إعادة التشكيل المستمر، حيث يمكن دمج الوحدات أو تفكيكها أو إعادة توزيعها وفق متطلبات المعركة، وهو ما يمثل سمة أساسية في الحروب الأهلية ذات الطابع المفتوح حيث تتآكل الهياكل العسكرية التقليدية (Reno، 2011).
3.3 التجنيد
يعتمد نموذج التجنيد في الكتيبة على مزيج من التعبئة الأيديولوجية الإسلامية والشبكات الاجتماعية والظروف الاقتصادية الناتجة عن الحرب. فالتعبئة الأيديولوجية تستند إلى خطاب مرتبط بالإسلام السياسي والحركة الإسلامية السودانية، مع استدعاء رمزية دينية لشخصية البراء بن مالك بوصفها نموذجًا للقتال العقائدي، وهو ما يعكس توظيف الدين في الشرعية القتالية (Juergensmeyer، 2003).
كما تلعب الشبكات التنظيمية دورًا محوريًا في عمليات التجنيد، وتشمل:
شبكات الحركة الإسلامية
شبكات طلاب الجامعات
علاقات قبلية ومجتمعية
روابط جغرافية في الخرطوم والولايات
وتشير بيانات إلى أن الكتيبة ضمت عناصر ذات تعليم جامعي في مجالات الهندسة والتكنولوجيا، وهو ما يفسر استخدامها المتزايد للتقنيات الحديثة مثل الطائرات المسيّرة (Hafryat، 2024).
أما بيئات التجنيد فتتوزع جغرافيًا على نطاق واسع يشمل الخرطوم الكبرى (الخرطوم، بحري، أم درمان)، ولاية الجزيرة (ود مدني)، نهر النيل (عطبرة)، سنار، دارفور، وكردفان. وقد ساهمت الحرب منذ 2023 في توسيع قاعدة التجنيد بشكل كبير نتيجة النزوح الذي تجاوز ملايين السكان وتدهور الاقتصاد وانهيار الخدمات العامة (International Crisis Group، 2023).
3.4 عدد المقاتلين
تتسم تقديرات عدد المقاتلين بدرجة عالية من التباين نتيجة غياب الإحصاءات الرسمية، وتشمل:
نحو 1,500 مقاتل في المراحل الأولى
نحو 20,000 مقاتل بنهاية 2024 (Ayin Network، 2025)
21,000 مقاتل في أبريل/نيسان 2024 وفق تصريح قيادي (Al Jazeera، 2026)
نحو 20,000 مقاتل في تقديرات عامة لعام 2025 (Wikipedia، 2025)
نحو 35,000 مقاتل في 2025 بعد التحول إلى فيلق (Al Jazeera، 2026)
تقديرات إعلامية تصل إلى 50,000 مقاتل (Egypt Window، 2025)
ويعكس هذا التباين الديناميكية العالية للتوسع، إذ تشير البيانات إلى تضاعف الحجم عدة مرات خلال فترة قصيرة بين 2023 و2025، وهو ما يعكس قدرة تعبئة غير مركزية تعتمد على الشبكات الاجتماعية والأيديولوجية.
3.5 الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية
تظهر البيانات أن غالبية المقاتلين ينتمون إلى الفئة العمرية بين 18 و35 عامًا، وهي الفئة الأكثر عرضة للتجنيد في سياقات النزاع الأهلي (Kalyvas، 2006).
وتشمل الخلفيات الاجتماعية:
طلاب جامعات
خريجون في تخصصات علمية وتقنية
شباب من الطبقة الوسطى المتدهورة
فئات فقيرة ومهمشة
أما الخلفيات الجغرافية فتشمل:
الخرطوم الكبرى
ولاية الجزيرة
نهر النيل
سنار
دارفور
كردفان
ويعكس هذا التنوع غياب نمط إثني أو جهوي موحد، مع اعتماد واضح على التجنيد الشبكي بدلًا من التجنيد الهوياتي، وهو ما يتسق مع أنماط الحروب الأهلية المعاصرة (Staniland، 2014).
3.6 التسليح والعتاد
تعتمد الكتيبة على مزيج متنوع من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والمتقدمة، تشمل:
بنادق كلاشنيكوف (AK-47)
مسدسات فردية
رشاشات ثقيلة
قذائف RPG
بنادق قنص متقدمة
طائرات مسيّرة قتالية واستطلاعية (Hafryat، 2024)
وتشير تقديرات إلى أن السودان يحتوي على ملايين القطع من الأسلحة الخفيفة المنتشرة بين السكان والجماعات المسلحة، ما يسهل عمليات التسليح غير الرسمي (Small Arms Survey، 2012).
وتتنوع مصادر التسليح بين:
مخازن الجيش السوداني
الاستيلاء على أسلحة قوات الدعم السريع
السوق السوداء المحلية
التهريب عبر الحدود مع ليبيا وتشاد وجنوب السودان
ويعكس هذا النمط بيئة حرب مفتوحة تتسم بتعدد الفاعلين وغياب مركزية احتكار السلاح، مما يؤدي إلى تفاوت كبير في نوعية العتاد بين الوحدات المختلفة داخل الكتيبة نفسها (Reno، 2011).
وتستخدم هذه الأسلحة في تكتيكات تتناسب مع طبيعة الحرب، مثل القتال الحضري، الكمائن، العمليات السريعة، والانتشار المرن في مناطق النزاع.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم