كفى مهانة: فلنعد للباسبورت السوداني مكانته واحترامه .. بقلم: السفير فاروق عبدالرحمن
28 أغسطس, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
34 زيارة
بسم الله الرحمن الرحیم
لقد طفح الكیل ، هل منكم یا معشر السودانیین من یدلني على شخص واحد منكم لم تصادفه خلال الثلاثین عاماً الماضیة الاهانه او البأساء والضراء بسبب حمله لهذا الباسبورت .. الازرق احیاناً والاخضر احیاناً أخرى .. وكان في الماضي التلید اسوداً وله شباك.
اصابتنا الانقاذ في مقتل في كل شیئ ، السیاسة ، الاقتصاد‘ الخدمات من تعلیم وعلاج بالإضافة الى الرمزیة المتمثلة في هذا الباسبورت الذي یقول للآخرین أننا سودانیون . كنا نفخر به وكان محل احترام الاخرین یفتحوا لنا به أبواب بلادهم دون مشقة او طول انتظار ..
1990 ومن بعدها اصبحنا كسودانیین لا نسوي شیئاً . – وبعضهم دون رسوم (اي مجاناً) ذلك كان الحال حتى عام 1989
سأحاول في هذا المقال ان أورد بعض الصور لما كان علیه الحال ثم ما صارت الیه وذلك بایراد ما حكاه بعض ممن تعرفون او لا تعرفون بالاضافة الى بعض التجارب الشخصیة التي تمتد في هذا المجال الى ما یقارب ال 60 عاماً استهلكت خلالها 7 من جوازات السفر متنوعة الألوان والدرجات ( لكنها كلها سودانیة ) فلنبدأ بشخص معروف لدیكم هو الطیب صالح فقد حكى لنا كیف أن مطار القاهرة كاد ان یخلو من البشر وهو واقف ینتظر ان یسمحوا له بالدخول وبعد ساعات وساعات یأتي أحدهم لیقول له :- مصر نورت مش حضرتك بتاع الطیور المهاجرة ..
رحمة الله عبد الله ثاني خریج سوداني من جامعة كیمبردج البریطانیة في نهایة أربعینات القرن الماضي یقف أمام موظفة صغیرة سناً ودرجة في سفارة كندا بلندن بعد ان اصطف ذلك الصباح الباكر وابتل رأسه من رزاز المطر لتسأله سؤال منكر ونكیر وتشكك في أنه ذاهب لزیارة ابنه طارق المقیم هناك لیواصل الى نیویورك لزیارة ابنه الأكبر مهند بعد ان توقف في بریطانیا وتفقد ابنته علیه . لم احزن لشخص في حیاتي مثل حزني ذلك الیوم عندما هاتفته وزرته في ما بعد في فندق إقامته . رحمة الله عبد الله أول سفیر للسودان في الهند ونیجریا ثم باریس (مرتین ) ثم مندوبنا للأمم المتحدة في نیویورك والدبلوماسي الوحید الذي ترأس مجلس الأمن الدولي یعرف جیداً ماذا یعني الإعداد للحصول على تأشیرة دخول لكندا أو غیرها فلم تكن تنقصه اي ورقة او وثیقه ..
مصطفى مدني ابشر السفیر والوزیر السابق الذي درس ایضاً في كمبرج – وعلى حساب والده – في مطلع الخمسینات ثم زار هذه البلاد عشرات المرات واحدى كریماته مقیمة هنا ، رفضت هذه البلاد عام 2016 منحه تأشیرة دخول بغرض العلاج وتوفي بعد ذلك بقلیل.
على التوم أوقف في مطار تونس قرطاج ساعات طوال بالرغم من انه یحمل تأشیرة دخول اكرامیه .. على التوم الخبیر الأممي في الاقتصاد الزراعي كان في مهمة رسمیة محددة و قبل ذلك شغل منصب وزیر الزراعة في حكومة مایو مطلع السبعینات وكان ممثلا في أدیس أبابا .. FAO لمنظمة الأغذیة والزراعة 1986 وابنه حاتم في مطار القاهرة یسمحون له بالدخول دون ابنه ذو الثمانیة أعوام – إبراهیم طه أیوب وزیر خارجیة الانتفاضة 1985 بعد ان كانا في القاهرة لمدة اسبوعین وذهبا منها الى كینیا وعند العوده للقاهره منع الصغیر من الدخول . وبعد معاناة مع المسئولین اضطر للاتصال بمكتب زمیله في الدبلوماسیة وصنوه عمرو موسى وزیر الخارجیة انذاك لحل الاشكال ..
محمد خیر عبد الرحیم الوكیل السابق لوزارة الشباب والریاضة وزوجته رشیدة عبد المطلب الوكیلة السابقة لوزارة الشئون الاجتماعیة امضیا بالقاهره بضعة ایام في طریقهما الى لندن وبعد اقل من شهر و في طریق العودة للسودان سمح له بالدخول دون زوجته واوقفوا في المطار لساعات طویلة الى ان اتصلوا بفاروق ابو عیسى الأمین العام لاتحاد المحامین العرب آنذاك لیتصل بدوره بوزیر الداخلیة المصري لفك الاشتباك.
شقیقي الاكبر الفاضل عبد الرحمن جاء من الابیض مرتین الى الخرطوم واصطف مبكراً مع المصطفین أمام السفارة البریطانیة لكنهم رفضوا منحه تأشیرة زیارة لبریطانیا بالرغم من تكفلي وإقراري كتابیاً بكافة التكالیف حتى للغرامة ان تاخر في الرجوع فعاد إلى الأبیض حزیناً بسبب حرمانه من فرصة الزیارة لبلد كان یتطلع لرؤیته منذ الصغر وغاضباً من تشكیكهم من انه مالك لمكتبة صغیرة منذ عام 1958.
الشاب انس ابراهیم أیوب الذي كان یقیم في اسبانیا ویذهب للجزائر في مهام من صمیم عمله اضطر لهجر الوظیفة إلى دول الخلیج بسبب ما أصبح یواجهه من صعوبات في الدخول لبلد كان في الماضي یعفینا من تأشیرات الدخول .
في عام 1992 حجاج بیت الله الحرام من السودانیین كانوا آخر من أذن لهم بالدخول بعد الجلوس في المطار لمدة 14 ساعة كامله علما بان الرحلة من الخرطوم لجدة تستغرق ساعة ونصف فقط.
صلاح احمد ابراهیم ادیبنا وشاعرنا العظیم الدبلوماسي المحترف وصل الامارات العربیه المتحدة بتأشیرة زیارة اكرامیة.. ابقوه ساعات وساعات دخلوا وخرجوا ثم دخلوا وخرجوا یحملون جواز سفره وهو القادم من باریس یرید فقط ان یزور بعضاً من اهله واصدقائه العدیدین . لم یستطع ان یتحمل الإهانة فقرر العودة في لیلته تلك الى الدوحة التي جاء منها وكتب رسالةً لسلطات ذلك المطار كنت اتمنى ان احصل على صورة منها .
عبد الله عبد اللطیف (ود الابیض ) الذي استقر في بریتوریا و أصبح مواطناً جنوب افریقیاً مسئولاً عن ادارة هامة في الحقل البیطري هناك اكسبته لقب بروفیسور حقیقي. سافر الى الولایات المتحدة الأمریكیة في مهمة محددة المكان والزمان وهناك على الارض الامریكیة اهانوه بالانتظار وسؤال منكر ونكیر دون سبب عندما تجاوز الأمر حدود الصبر قرر العودة الى جوهانسبرج … في النهایة سمحوا له بالدخول ولكنه أصر على قراره حفاظاً على كرامته وبذلك امضى مایقارب ال 30 ساعة في الجو ..
قبل خمسة أعوام وفي شهر رمضان المبارك وصلنا مطار أغادیر انا وزوجتي قوبلنا بطریقة محترمة واخذت جوازاتنا علماً بأننا نحمل تأشيرة اكرامیه ولكن كنت وزوجتي آخر من غادر المطار تلك اللیلة بعد انتهاء ساعات العمل ومغادرة الجمیع إلا من كانت معهم اوراقنا .
الأمثلة تطول وتطول ولكن ماهو الحل اعتقد ان الامر ینقسم الى قسمین او ثلاثة
أ- سوء العلاقات بین سودان الانقاذ وعدید من الدول ( كبرى وصغرى بسبب تدخل الحكومة السودانیة في شئون تلك البلاد ) ( أمریكا وروسیا قد دنا عذابها.. ودیك الصباح الذي یشتم من رادیو امدرمان رؤساء الدول وشیوخ الخلیج) ما تسبب في قطع العلاقات او برودها مع من كانوا یفتحون لنا الأبواب دون تردد .
ب – الظلم و الفقر والفاقه التي اصابتنا فجعلت منا لاجئین او مهاجرین اقتصادیین شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً ما جعل غالبیة دول العالم الكبرى والصغرى تعاملنا كمتسللین
ج-منح جواز سفرنا بكل درجاته الدبلوماسي والخاص والعادي لكل من هب ودب من ارهابي العالم . بل واصرارنا على ذلك بمحاولات بلیدة للغش في الاسماء او الازیاء
د- بیع الباسبورت للوافدین كما حدث من جانب شقیق عمر البشیر للالاف من السوریین ( المستحقین وغیر المستحقین وغیرهم )
ه- كبار مسئولي الدولة یذهبون فقط للصعود للطائرة هم وأسرهم ولا یشعرون بالمهانة التي هم سبب فیها ..
ماهو الحل لجأ البعض للحصول على جواز سفر اجنبي لدولة كبرى او أخرى محترمه یضمن لك التحرك والتنقل لیس فقط بسهوله بل باحترام حول العالم ولكن لن یكون ذلك هو الحل لكل شخص لأنه إن تم للجمیع فمعناه أن على السودان السلام .. سنصبح كلنا اجانب ولا أتحدث هنا على الولاء ).
كاتبنا العالمي الطیب صالح ظل یحمل الجواز السوداني فقط حتى وفاته في عام 2009 مع انه یقیم في بریطانیا منذ 60 عاماً ومتزوج من بریطانیه كذلك عرضت علیه جوازات سفر خلیجیة وأخرى شمال إفریقیه ولكنه اعتذر عنها شاكراً ثم أخذ یعاني في الحصول على تأشیرات دخول لبلاد كان یزورها منذ خمسینات القرن الماضي ، وحتى في المطارات العربیة كالقاهرة وتونس ودمشق یتوجب علیه الانتظار ساعات وساعات .
ألمانیا ( الغربیة ) كانت تمنحنا نحن السودانیین دخولاً مجانیاً دون تأشیرة مسبقة ( أي لا ضرورة لأن تذهب لسفارتهم او قنصلیتهم لتحصل علیها فحدودها مفتوحة لنا كسودانیین حملة الجوازات العادیة تدخل وتمرق متى ما ترید) الان لاتستطیع تتوقف بمطاراتها ان لم تحمل تأشیرة شنغن.
قبل بضعة أعوام سافرت من لندن الى بون/ كولون رفقة الأخوین التاج علام وعبد العظیم الخضر بغرض زیارة صدیقنا (المواطن الألماني حسب الباسبورت ) احمد العبید إبراهیم المقیم في بون فكان ان دخل الاثنان بجوازاتهما البریطانیة في اقل من خمس دقائق بینما قبعت انا بسبب جوازي السوداني حتى اطفأ المطار أضواء صالاته وغادر الجمیع . قلت للموظف الذي استدعى مدیره وشخص ثالث أكبر منهما درجة انني زرت المانیا ما لایقل عن عشرین مرة خلال الاربعین عاما وبكل وسائل المواصلات ولكني الان ( وقد تجاوزت وقتها 60 من العمر احمل باسبورت لایسمن ولا یغني من جوع بالرغم من أن به تأشیرة ساریة المفعول.
تذكرت في هذا الصدد انني مررت یوماً برهط من الناس یقفون أمام احد المباني في الخرطوم 2 فقررت ان اعرف ما الأمر فقد كان الوقت منتصف النهار . وكنت قد غبت عن السودان نحو أربعة اعوام هي اطول مدة غیاب ليّ عنه . وإذ یبدو القوم محترمین وفي ملابس نظیفة فقد استغربت لوقوفهم تحت الشمس الحارقة أمام حائط عالي في وسطه نافذة صغیرة یسرع من ان لاخر أحدهم الیها عندما یسمع اسمه كما ان هناك درابزین یجعل المكان كالزریبة ومن الشباك الصغیر كأنه فرن او مخبز ..
تبینت ملامح القوم فاذا بي اتعرف على احدهم كان زمیلاً لي منذ المرحلة الثانویة والجامعة ثم اصبح وكیلاً لوزارة هامه ثم وزیراً .. هو سید على زكي أول وزیر للمالیة في حكومة الإنقاذ بعد انقلابهم التعیس عن الدیمقراطیة یقف بانتظار ان یسمع اسمه فیندفع الى ذلك الشباك .
یا الهي انها السفارة الایطالیة من یصدق انها اول سفارة اتعامل معها في حیاتي كنت في ال 20 وانا طالب بالجامعه اكملت السنة الاولى وفي العطلة الصیفیة قررت السفر الى اوربا فكان ان جئت الى هذه السفارة لا احمل شیئاً غیر باسبورت سوداني عادي جداً أسود اللون مكتوب علیه اسمي وانني طالب وبس … ادخلوني قاعة جمیلة واعطوني كوباً من اللیمون البارد ریثما املاء طلب تاشیرة الدخول سددت مبلغاً بسیطاً لعله جنیه واحد وفي اقل من ساعة منحوني تأشیرة الدخول . في السنة اللاحقة 1963 كررت نفس الشيء والآن یقف كبار القوم في الشارع .. قلت لسید شفت حكومتكم عملت فینا شنو .. فهذا المكان دخلته قبل اربعین عاماً دون هذه المهانة في عاصمة بلادنا ..
علماً بان مسئولي الدولة یذهبون فقط للصعود للطائره هم واسرهم ولا یشعرون بالمهانه التي هم سبب فیها ..
لم تكن للسوید سفارة في الخرطوم لذلك ذهبت لقنصلیتهم في القاهرة وقدمت طلب لدخول لبلادهم فقالوا علیا الانتظار أسبوعین للرد علیهم من استوكهولم انزعجت وقلت لهم انني اشتریت التذاكر للرحلة البحریة حتى ایطالیا ذهاباً وایاباً وساشتري تذكرة القطار من نابولي حتى بلادهم طلبوا رؤیة الأدلة ( تذكرة السفینة والشیكات السیاحیة ) وفوراً منحوني التأشیرة .
قناعتي ان الحل لیس في الهروب الى الأمام بالحصول على جوازات سفر من الدول الكبرى او العظمى لان هذا غیر ممكن لكل سوداني
ثانیاً هنالك ما یتعلق بتصنیفنا مواطني دولة راعیة للإرهاب ( اضطرت في عام 2004 عند زیارتي الاخیره لكندا ان اجیب على اكثر من 7 صفحات من الاسئله احدها مخصص فقط للسودانیین هي نفس الأوراق التى تعرض لها استاذنا رحمة الله عبد الله في 2005 حتى انه لغى موضوع السفر وهو الذي كان في یوماً رئیساً لمجلس الأمن الدولي في نیویورك . شئ اخر جوازنا بكل الوانه أصبح كوثیقة مليء بالأخطاء وعدم الدقة في اللغتین حتى بعد ان تحول من مخطوط یدوي الى الكتروني على سبیل المثال یكتبون لأحدهم أنه مولود .. في 31 فبرایر واحیاناً اخرى یوقعون عن صاحب الجواز دون علمه والامثله كثیره وانا اتكلم عن زمننا الحالي 2020 الحمد لله على دخولنا في عهد جدید والأمل معقود على تحسین الأداء بعد إلغاء تأشیرة الخروج وما كانت تهدره من وقت للطرفین ( إدارة الجوازات – والمواطن) وارجو ان یستغل الوقت في تحسین الوثیقة وتفادي الاخطاء الاملائیه بالنسبة للغتین والبیانات والتواریخ .
في الوقت الحالي والظروف الاستثنائیة التي یمر بها سوداننا الآن فإنني اقبل بأن یكون هنالك بعض كبار المسئولین ممن كانوا في دول المهجر ویحملون جوازات تلك الدول ویشغلون مواقع في المجالس السیادیة والوزاریة او التشریعیة في الوقت الحالي شریطة الا یتجاوز ذلك الفترة الانتقالیة الحالیة .
اما ما یتعلق بالسلك الدبلوماسي فأنني ارفض رفضاً باتاً تكلیف اي شخص بمهام دبلوماسية وهو مزدوج الجنسیه لحساسیة وامانة العمل الدبلوماسي .
واخیراً اتمني ان یسترد الجواز السوداني مكانته واحترامه حتى یستمتع الشباب السوداني من التنقل بحریة وكرامة وعزة نفس بأمان في بلاد العالم والعودة الى الوطن بكل اطمئنان .
farhmaneisa@gmail.com