قلّما توجد شخصية في المشهد السوداني الراهن تثير انقساماً في الرأي العام بقدر ما يثيره الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية. فمنذ الإطاحة بنظام عمر البشير عام 2019، مروراً بانقلابه على الشراكة المدنية العسكرية في أكتوبر 2021، ووصولاً إلى الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، ظل البرهان محوراً لجدل سياسي عميق بين السودانيين أنفسهم. وفيما يلي عرض لأبرز وجهات النظر المتداولة، دون الانحياز لأي منها.
الرؤية الأولى: قائد يدافع عن الدولة ووحدتها
يرى مؤيدو البرهان، وخصوصاً في أوساط الجيش وأنصاره وبعض التيارات الإسلامية وقطاع من المواطنين في مناطق سيطرة القوات المسلحة، أنه يخوض معركة وجودية لحماية “الدولة السودانية” من الانهيار أمام تمرد مسلح تقوده قوات الدعم السريع. ويصف أصحاب هذا الطرح ما يجري بأنه “معركة كرامة” يخوضها الجيش نيابة عن الشعب، مستشهدين بما ارتكبته قوات الدعم السريع من انتهاكات موثقة بحق المدنيين في دارفور والخرطوم ومناطق أخرى. وفي نظر هذا التيار، يمثل البرهان الشرعية المؤسسية الوحيدة القادرة على منع تفكك البلاد أو خضوعها لسيطرة ميليشيا مسلحة، حتى لو تطلّب ذلك تأجيل الاستحقاقات الديمقراطية إلى ما بعد حسم المعركة.
الرؤية الثانية: انقلابي أجهض الانتقال المدني
في المقابل، تنظر قطاعات واسعة من القوى المدنية والثورية، وفي مقدمتها تحالف قوى الحرية والتغيير وكثير من الشباب الذين قادوا احتجاجات 2018-2019، إلى البرهان باعتباره الشخص الذي انقلب على تفاهمات الفترة الانتقالية في 25 أكتوبر 2021، وأطاح بحكومة عبد الله حمدوك المدنية بعد أشهر قليلة من التوقيع على اتفاق شراكة معها. ويتهم هذا التيار البرهان بالسعي إلى إعادة تأهيل بقايا نظام البشير ورموز حزب المؤتمر الوطني والتيار الإسلامي داخل مؤسسات الدولة، ويعتبرون أي حوار سياسي يدعو إليه تحت رعايته “حواراً منقوص الشرعية” ما لم يُبنَ على تفكيك حقيقي للنفوذ العسكري والإسلامي في الحكم، وتسليم كامل للسلطة لحكومة مدنية منتخبة.
الرؤية الثالثة: القبول به كأمر واقع أو “أهون الشرين”
هناك شريحة من السودانيين، خصوصاً في مناطق سيطرة الجيش التي تضررت مباشرة من فظائع الدعم السريع، لا تُكنّ بالضرورة إعجاباً سياسياً بالبرهان أو بسجل حكمه، لكنها تنظر إليه كأمر واقع، أو كخيار أقل سوءاً مقارنة ببديل تتهمه بارتكاب مجازر وانتهاكات جسيمة. هذا الموقف يصفه بعض الباحثين بأنه أقرب إلى “تأييد اضطراري” ناتج عن الحرب نفسها، لا عن قناعة راسخة بمشروع البرهان السياسي، وهو موقف قابل للتغير بحسب مسار المعارك والتسويات السياسية القادمة.
الرؤية الرابعة: الإرهاق من الطرفين معاً
يوجد أيضاً تيار واسع، يصعب تنظيمه في كتلة سياسية واحدة، يعبّر عن حالة من الإرهاق العام من الحرب ومن طرفيها معاً؛ فلا يرى في البرهان “منقذاً للدولة” كما يصفه أنصاره، ولا يجد نفسه بالضرورة في خطاب المعارضة المدنية التقليدية أيضاً. أصحاب هذا الموقف، ومعظمهم من المتضررين المباشرين من النزوح والدمار الاقتصادي، يطالبون بوقف فوري للحرب أياً كان الثمن السياسي، ويعبّرون عن شكوك متزايدة في قدرة أي من طرفي الصراع، بما فيهم البرهان، على تحقيق استقرار حقيقي أو عدالة انتقالية حقيقية بعد انتهاء القتال.
الرؤية الخامسة: انقسام الشتات السوداني
تنعكس هذه الانقسامات بشكل مضاعف في أوساط الجالية السودانية في الخارج، حيث تتفاوت المواقف بحسب القرب الجغرافي والسياسي من أطراف الصراع، وبحسب التجربة الشخصية مع النزوح أو فقدان الأقارب. فبينما يميل بعض المغتربين إلى دعم الجيش باعتباره المؤسسة الوطنية الجامعة، يرى آخرون أن استمرار البرهان في السلطة يُطيل أمد الحرب ويقوّض فرص أي تسوية سياسية شاملة تشارك فيها كل الأطراف المدنية.
خلاصة
لا يمكن اختزال نظرة السودانيين إلى الفريق البرهان في موقف واحد؛ فهي تتوزع بين أربعة وجوه أساسية. فثمة من يراه حامياً للدولة في مواجهة تمرد مسلح، وهو، للإنصاف، موقف السواد الأعظم من الشعب، خاصة أولئك الذين اكتووا بنيران الدعم السريع في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم. وفي الطرف المقابل، هناك من يجعله المسؤول الأول عن إجهاض التحول الديمقراطي. بينما يقبله آخرون كأمر واقع مفروض مؤقتاً، ويرى فريق رابع، قد سئم الطرفين معاً، نفسه في انتظار مخرج سياسي يعيد القرار لأيدي السودانيين. غير أن هذه المواقف، في جوهرها، ليست سوى انعكاس لانقسام أعمق حول مصير السودان ذاته: هل يقوم مستقبله على انتصار عسكري يحققه أحد شقي الحرب، أم على تسوية سياسية شاملة تعيد، من جديد، صياغة العلاقة بين الجيش والمجتمع المدني؟
د.عوض النقر بابكر محمد- السعودية الرياض
awadelnager@gmail.com
