بقلم: د. صلاح أحمد الحبو
ليس من السهل أن تكتب عن السودان دون أن تقع في فخ التكرار أو بلاغة العجز. فالمأساة هنا لم تعد حدثًا، بل صارت نظامًا؛ ولم تعد الاستثناء، بل تحولت إلى قاعدة صلبة تُعيد إنتاج نفسها بانتظامٍ مريب. كأن هذه الجغرافيا لم تُترك لتعيش تاريخها، بل أُجبرت على أن تُجرّب فيه أسوأ ما في الإنسان.
في السودان، لا تُرتكب الانتهاكات بوصفها أخطاء حرب، بل بوصفها “بروتوكولات فوضى”¹. القتل الجماعي ليس انفلاتًا، بل أداة؛ والقتل على أساس القبيلة أو الدين ليس انحرافًا، بل تعبير عن “هندسة كراهية”² تمتد جذورها في بنية الوعي قبل أن تظهر في سلوك البنادق. أما التهجير القسري، فهو ليس فقط اقتلاعًا للأجساد من المكان، بل تفكيكٌ لما يمكن تسميته بـ”جغرافيا الانتماء”³، حيث يصبح الوطن نفسه حالة مؤقتة، قابلة للإلغاء.
وحين يتحول الاغتصاب إلى سلاح، وحرق القرى إلى رسالة، والتجويع إلى سياسة، فإننا لا نكون أمام حرب فقط، بل أمام “اقتصاد الفظاعة”⁴؛ منظومة تُدار فيها المعاناة كأداة إنتاج، ويُعاد فيها تدوير الألم كقيمة سياسية.
بهذا المعنى، يغدو السودان – للأسف – “مختبر الإلغاء الإنساني”⁵، حيث جرى – وما يزال – اختبار حدود ما يمكن أن يُسلب من الإنسان دون أن ينهار العالم. وهنا، لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل: كيف أصبح هذا ممكنًا أصلًا؟
للإجابة، لا بد من العودة إلى الجذور. فقد نبّه محمد إبراهيم نقد، في قراءته لتاريخ الرق في السودان، إلى أن استباحة الإنسان ليست طارئة، بل متجذرة في بنى اجتماعية وثقافية أعادت تعريف الإنسان بوصفه موضوعًا للامتلاك لا كيانًا للكرامة. لم يكن الرق مجرد ظاهرة تاريخية، بل كان تأسيسًا صامتًا لفكرة أن الإنسان يمكن أن يُختزل.
ويُعمّق الباقر العفيف هذا الفهم حين يربط بين أزمة الهوية واستمرار العنف. فحين تُبنى الهوية على الإقصاء، لا على الاعتراف، يصبح الآخر مشروع ضحية مؤجلة. وهكذا، لا يُقتل الإنسان لأنه عدو، بل لأنه “ليس نحن”.
إن ما نشهده اليوم ليس سوى التقاء هذه التراكمات في لحظة انفجار. الحرب الراهنة ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي تعبير عن “انهيار القيمة الإنسانية”⁶، حيث يفقد الإنسان وزنه الأخلاقي، ويتحول إلى رقم، أو أثر جانبي، أو حتى مادة تفاوض.
الأخطر من ذلك، أن هذا الانهيار لا يُقابل دائمًا بصدمة، بل أحيانًا بصمت. وهنا ندخل في طور أكثر قسوة: “تطبيع الفاجعة”⁷، حيث تصبح المأساة مألوفة، ويغدو الألم جزءًا من الحياة اليومية، لا يستدعي السؤال ولا الاحتجاج.
فإلى متى يظل الإنسان في السودان شيئًا غير مذكور؟
إلى متى يبقى خارج معادلة المعنى، حاضرًا في الألم، غائبًا في القيمة؟
ربما لأننا، في عمق الأزمة، لم نحسم بعد سؤال الإنسان نفسه: من هو؟ وما الذي يجعله جديرًا بالحياة الكريمة؟ وهل هو غاية في ذاته، أم وسيلة في صراع أكبر منه؟
من هنا، لا يمكن أن يكون الخروج من هذه الدوامة مجرد وقف لإطلاق النار. فذلك، في أحسن الأحوال، يُجمّد العنف ولا يُنهيه. ما نحتاجه هو ما يمكن تسميته بـ”حوكمة المعنى”⁸: إعادة تأسيس شاملة لفكرة الإنسان، تُعيد ترتيب العلاقة بين السلطة والقيمة، بين القوة والحق، بين الهوية والكرامة.
وفي هذا الأفق، يبرز تعبير “السلام سمح” لا كشعار وجداني، بل كمشروع فلسفي وسياسي. السلام هنا ليس غياب الحرب، بل حضور الإنسان. ليس هدنة بين متحاربين، بل مصالحة مع المعنى ذاته.
أما “السلام من قريب”، فليس وعدًا زمنيًا، بل موقفًا معرفيًا وأخلاقيًا: أن نبدأ من الآن، من داخل هذا الخراب، في إعادة بناء ما تهدّم، لا بالحجارة، بل بالأفكار؛ لا بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار للإنسان كقيمة لا تقبل التجريب.
قد لا نعرف – والكاتب واحد من كثيرين – لماذا اندلعت هذه الحرب بهذا الشكل العبثي، ولا إلى أين تمضي. لا ندري: أهي فينا أم علينا؟ أم منا وإلينا؟ لكن ما نعرفه، يقينًا، أن استمرارها يعني استمرار هذا الفراغ القاتل: غياب الإنسان من مركز الحكاية.
ولعل البداية الحقيقية تكمن هنا:
أن نقول، بوضوح لا يحتمل التأجيل، إن الإنسان في السودان يجب أن يكون شيئًا مذكورًا… لا في سجلات الموت، بل في معادلة الحياة.
وأن نؤمن – لا كحلم ساذج، بل كخيار صعب – أن السلام سمح… وأن السلام من قريب، إن نحن أعدنا للإنسان اسمه، ومعناه، ومكانه.
الهوامش (بسط المصطلحات):
¹ بروتوكولات الفوضى: أنماط سلوك عنيف تتكرر بصورة منظمة داخل الفوضى، بما يجعلها أقرب إلى القواعد غير المعلنة لإدارة النزاع.
² هندسة الكراهية: عملية إنتاج وتغذية العداء عبر خطاب وثقافة تُعيد تشكيل وعي الجماعات ضد بعضها البعض.
³ جغرافيا الانتماء: العلاقة الشعورية والرمزية بين الإنسان والمكان بوصفه وطنًا لا مجرد مساحة.
⁴ اقتصاد الفظاعة: توظيف العنف والمعاناة كأدوات لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية أو تفاوضية.
⁵ مختبر الإلغاء الإنساني: فضاء تُختبر فيه حدود تجريد الإنسان من قيمته وحقوقه دون رادع فعّال.
⁶ انهيار القيمة الإنسانية: فقدان الإنسان لمكانته الأخلاقية كغاية في ذاته داخل بنية الصراع.
⁷ تطبيع الفاجعة: تحوّل المأساة إلى حالة مألوفة لا تستدعي رد فعل أخلاقي أو إنساني كافٍ.
⁸ حوكمة المعنى: إعادة تنظيم القيم والمفاهيم التي تحكم المجتمع بحيث تُوضع كرامة الإنسان في مركزها
habobsalah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم