ما بين البحث والسياسة والمجتمع .. بقلم: أستاذ دكتور عمر عبد الجبار
9 أغسطس, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
47 زيارة
كنت أحسب أن التطور المعرفي الذي حسم العلاقة بين البحث والسياسة والمجتمع او بين الباحث والسياسي والمجتمع قد اسهم في توضيح العلاقة التي تبدو شائكة بين هذه المكونات. لكن مقال الدكتور حيدر ابراهيم بعنوان: التاريخ لا يعيد نفسه أيها الامام الذي نشر في الصحيفة الالكترونية ( ( Sudanile بتاريخ 4/8/2020م ثم الرد عليه من قبل الاستاذ حسن أحمد الحسن في مقاله بعنوان : دكتور حيدر ابراهيم: صحوة الناشط السياسي وموت الباحث والنص المنشور في الصحيفة الالكترونية ( ( Sudanile بتاريخ 5/8/2020م ورد الدكتور حيدر ابراهيم علي مقال الاستاذ حسن احمد الحسن المنشور في الصحيفة الالكترونية ( ( Sudanile بتاريخ 6/8/2020م بعنوان: الي حسن أحمد الحسن الانصاري المهذب ثم مقال الاستاذ الدكتور عطا البطحاني بعنوان: تقاطع أنشطة الباحث والناشط والسياسي المنشور في الصحيفة الالكترونية ( ( Sudanile بتاريخ 8/8/2020م أعادنا الي زمن ووضعية معرفية بدت فيها العلاقة بين البحث والسياسة والمجتمع غامضة وغير واضحة او ربما معدومة.
ينطلق هذا التعليق من مبدأ أن الباحث والبحث العلمي سواء في العلوم الطبيعية او العلوم الانسانية لهما تبعات وانعكاسات وتأثيرات سياسية رضينا ام أبينا وقد تختلف هذ التأثيرات من تخصص الي آخر. العلاقة بين البحث والسياسة تبدو أكثر وضوحا في العلوم الانسانية مقارنة بالعلوم الطبيعية على الرغم من أن التطورات البحثية والعلمية الاخيرة في مجال حماية البيئة والاحتباس الحراري عكست واثارت الكثير من المواقف السياسية من البلدان الصناعية العظمى. مثال آخر ما هو ماثل الآن بالنسبة لفيروس كوفيد 19 والاتهامات المتبادلة بشأنه بين الصين والولايات المتحدة والاتهامات بقرصنة ابحاث اللقاحات بين الصين والولايات المتحدة وروسيا.
في العلوم الاجتماعية عامة وعلم الاجتماع خاصة- تخصص الدكتور حيدر والذي اشاركه فيه- لا يمكن الفصل بين البحث والسياسة والمجتمع. فقط أشير هنا الى أن علم الاجتماع الحديث والذي هو نقد للمجتمع الرأسمالي هو الابن الشرعي للثورة الفرنسية. كما ان رواد هذا العلم مثل أوغست كونت واميل دوركايم وكارل ماركس وماكس فيبر قد امضوا حياتهم في نقد وتحليل هذا المجتمع. بل أن أفكار أحدهم وهو كارل ماركس كان لها من التأثير السياسي ما غطى جميع أركان الكرة الارضية.
معظم دول العالم المتقدمة تستخدم اليوم ما يعرف بال(Think Tanks ) وهي مؤسسات بحثية تستقطب باحثين مرموقين في العلوم الانسانية وغيرها لوضع السياسات الاستراتيجية للدولة. وتجدر الاشارة هنا الى أن أهم منظري علم الاجتماع اليوم البريطاني أنتوني قدينز قد عمل مستشارا لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.
لقد مضى الزمن الذي يفكر فيه شخص واحد للطائفة أو الحزب أو الدولة واصبحت عملية وضع السياسات عملية بحثية في المقام الاول يقوم بها باحثون متخصصون كل في مجاله وهذا ما اشار اليه السيد الدكتور حمدوك عندما رد على السخرية من مستشاريه ووصفهم بشلة المزرعة.
مقال الدكتور حيدر لا يختلف عن ما ظل يكتبه من كتب و مقالات وتعليقات عن الواقع السوداني الراهن ونسبة لموضوعيته وامانته وجد الدكتور حيدر الاحترام والتقدير من قطاع واسع من المثقفين السودانيين من مختلف الاتجاهات. أقول للأستاذ حسن أحمد الحسن أن الأمام الصادق المهدي رغم كل احترامنا وتقديرنا له فهو ليس فوق النقد لأنه شخصية عامة لعب وظل يلعب منذ ظهوره على المسرح السياسي السوداني أدورا مهمة ستظل ولوقت طويل قادم عرضة للنقد والتقييم من قبل الباحثين والدراسين وجميع المشتغلين بالهم العام.
الأمام الصادق المهدي اضافة الى أنه سياسي عرف ايضا كمفكر ومؤلف وباحث وقد ألف حسب قوله أكثر من مئة كتاب. لذلك أنا أعتبره باحث من الطراز الأول فهل نطالبه بترك العمل السياسي والتفرغ للبحث أو ترك البحث لأهله والتفرغ للسياسة كما يطلب الأستاذ حسن من دكتور حيدر؟ وهل ينطبق عنوان مقال الأستاذ حسن على حالة الأمام؟
في رد الدكتور حيدر على الاستاذ حسن لم يعجبني تبرؤه من الانتماء الى جماعة سياسية لأنه لم يكن في حاجة لذلك. انتاج الدكتور حيدر الفكري عمل سياسي مميز وهو لا يستطيع ولا أعتقد انه يرغب في انكار ذلك.
أتفق مع الأستاذ الدكتور عطا البطحاني فيما ذهب اليه بالنسبة لأهمية الموضوع لكن طرحه للعلاقة بين البحث والسياسة والمجتمع لم يكن بالوضوح الذي اعتدناه منه.