مسامرات حظر التجوال: ابراهيم أحمد عبد الكريم: العطلة المدرسية في مدينتنا مملة كئيبة .. بقلم: عثمان أحمد حسن
11 يونيو, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
77 زيارة
نكسر رتابتها باستقبال القطار القادم من الخرطوم متوجها الى القضارف و كسلا ثم بورتسودان. القطار يغشانا ثلاث صباحات في الأسبوع، يصل عند الثامنة، يمكث غير قليل يتزود بالماء، وتتم مراجعة سريعة لمفاصله، يتناول الركاب فطورهم، ينتشرون يدخنون و يشربون الشاي و يتأملون بساط الخضرة الوريفة. نحصل من الركاب على صحف اليوم السابق و المحظوظ من يحصل على مجلة الشباب والرياضة أو مجلة الإذاعة و التلفزيون، ذلك كنزنتحدث عنه زمانا.
جئت المجطة مع وصول القطار، بالخبرة نعرف مظان و مكامن الصيد، الدرجتين الثالثة و الرابعة، الشعبيتين، لا نجد حرجا في السؤال، مررت على الشبابيك و بعض الذين يفترشون الثرى، حصلت على بعض مبتغاي، إنطلقت صافرة القطار تؤذن بالرحيل.
قبل تحرك القطار تحركت مغادرا في مسار يوازي مسار القطار، لمحت شخصا مهندما في بدلة سفاري رمادية و شعر اسود مشذب، ينظر عبر النافذة، اقتربت منه فنظر في وجهي نظرة تنسي الوقار، نظرة عين فاحصة، سلمت عليه فرد بإيجاز، سألته إن كان عنده فائض من الصحف، سألني ماذا تقرأ، اربكني سؤاله فالصحف التي أعرفها اثنتين، الصحافة و الأيام، تراجع للوراء ثم مد الي رزمة من الصحف، شكرته، تجاوزني القطار و مضى.
تركت القطار يمضي في رحلته الطويلة و جلست في جوار البوفيه افرز ما بيدي من منحة. لحظي كانت ثرية جدا.
الصحافة، الأيام، القوات المسلحة، الأخبار، أخبار اليوم، المصور، روز اليوسف، صباح الخير كلها قرأت منها أعدادا متباعدة بحكم حصولي عليها في القضارف أو بورتسودان، و مجلة لم ارها من قبل اسمها الدوحة، لملمت شتات اوراقي و عدت للبيت منتشيا. غبت عن رهطي يوما و بعض يوم أكملت فيهما قراءة الجرائد و استبقيت المجلات، الدوحة الوافد الجديد لذاكرتي تتميز بدسامة الموضوعات و الورق الصقيل الثقيل و الألوان الناصعة.
في الصفحة الأولى التي تحمل هيئة التحرير في ركنها الأعلى اسم ابراهيم أحمد عبد الكريم مائلا من أعلى للأسفل، لم يعني لي الإسم شيئا، لكنه رسخ في ذاكرتي من باب حفظ الجميل.
أكملت دراستي الثانوية و هاجرت للعاصمة, بمتابعة برامج التلفزيون استهواني برنامج فرسان في الميدان الذي يعده و يقدمه الإعلامي الراحل حمدي بدر الدين، رتبت لحضور تسجيل بعض الحلقات بغية المشاركة في المسابقات، في يوم جلست قبل التسجيل اتبادل الحديث مع بعض الحضور فدخل الأستاذ حمدي ، حييناه بالتصفيق، دخل المحكمون إلا واحدا ظل كرسيه شاغرا، الأستاذ حمدي تحدث عن محكم جديد له باع في الثقافة و الفن و الأدب، مدير مكافحة المخدرات العميد ابراهيم أحمد عبد الكريم، في ذات اللحظة أطل الوجه الذي استوقفني في نافذدة القطار قبل بضع سنوات، ذات العينين التان تبحثان عن شئ ما، الآن ايقنت عم تبحثان، جلس في مقعده، العينان اللتان تبعثان الرهبة تجولان في وجوه الجمهور، حين التقت عيوننا هز رأسه محييا، استبعدت أن تكون التحية تخصني، إزدرت ريقي بصعوبة، بعد إنتهاء التسجيل وقف وأشار الى، مددت اليه يدي محييا، شد عليها و ذكر لي جمال مجطة السكك الحديد في قلع النحل، ايقنت أنه يذكرني تماما. عرفته بنفسي و افترقنا.
دارت الأيام و التحقت بالشرطة، جئت لرئاسة الشرطة لأمر يخصني، وهو مدير عام الشرطة، عند دخولي جاءت عربة مدير عام الشرطة و تجاوزتني، مضيت الى مبتغاي، قبل خروجي جاء من همس في أذن مضيفي بكلمات ومضى، قطع مضيفى حديثه معي مرتبكا، نظر في وجهي مذعورا و قال: المدير يطلبك، حيرته و حيرتي تبددتا حين دخلنا المكتب، نهض محييا ذاكرا الواقعتين، اكرمني بكوب عصير و تحية حارة.
ابراهيم أحمد عبد الكريم، ضابط الشرطة الذي وصل سدرة منتهاها، فريق أول مدير عام شرطة السودان، يتميز بذاكرة لا يضاهيه فيها أحد من مجايليه، يذكر الأحداث وكأنما يقرأ سيناريو مكتوب، عندما كان يلقي المحاضرات لطلاب كلية الشرطة، يطلب منهم تعريف انفسهم في المحاضرة الأولى، يظل يحفظهم بالترتيب و بأرقامهم الشرطية طيلة حياته.
بعد تقاعده قدم برنامجا في التفزيون إختار له اسم نسايم الليل وهي خريدة من أغنيات حقيبة الفن استضاف فيه كوكبة من مغني الحقيبة و شعرائها و رواتها.
النسخة المعنية من مجلة الدوحة فتحت عيوني على دنيا جديدة، أدب و ثقافة من طراز رفيع، إحتفظت به فوق العقدين من الزمان و واظبت على اقتنائها شهرا بشهر حتى توقفت عن الصدور بعد اربعة عقود ونيف من السنوات، مخلفة فراغا لا يستطيع غيرها سده.
اللهم ارحم ابراهيم أحمد عبد الكريم
oahassan.1963@gmail.com