مساهمة الفن السوداني في هزيمة المشروع الديني-سياسي .. بقلم: أحمد محمود أحمد
28 ديسمبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
32 زيارة
*⭕صمد الفن السوداني أمام مشروع الدجل نتيجة لبعده الصوفي وعمقه الاجتماعي..*
*⭕لقد كانت ندي القلعة أكثر جماهيرية من الترابي وكان محمود عبد العزيز أكثر حضورا من جميع (الكيزان)..*
*⭕تحويل بعض الفنانين إلى مخبرين عمل مشين انتهجته الانقاذ..*
*▪مفاهيم أولية:*
هذا المقال ينطلق من فرضية أساسية وهي أن الفن في السودان (شعر، غناء، رقص، وغيره من ضروب الفنون) قد استطاع افراغ المشروع الديني من اطروحته، وبالتالي إلى هزيمته اجتماعيا، متضافرا مع عوامل أخرى، لوضع نهاية حتمية لهذا المشروع وإبطال فاعليته.. هذا مع عدم اهمال ما قام به الإسلاميون سلبا تجاه الفنون ومحاولتهم تزييف الوعي والعقل الجمعي من خلال طرحهم لمشروع يتناقض وأسس الحياة، ومن ضمنها الفنون الفرضية السابقة، تستند على االحقائق التالية:
أولاً: إن الاهتمام بالجماليات وبوجه عام (يخلق في النفس البشرية ما يمكن اعتباره الغاية من الوجود الإنساني على الأرض، ومنذ أول الخليقة، وحتي الآن، وهو أن يستحسن الإنسان ما هو جميل، ويستقبح ما هو قبيح، ولا يقبل الدنية على نفسه أو على غيره(1).
ثانياً: كما يقول ديفيد روتكويف، وحفيصة جودة، (فالفن ليس ترفا أو زخرفة حضارية، إنه أحد الأهداف الرئيسة للحضارة، إذ يلعب الفنانون دورا لا يمكن للسياسيين أو الجنرالات القيام به، فهم يساعدوننا على اكتشاف العمق والغموض داخلنا ومن حولنا، ولهذا السبب فهؤلاء الذين يسعون لغزو وتدمير المجتمعات يتجهون نحو تدمير وسرقة الأعمال الفنية العظيمة(2)
ثالثاً: الفن جزء أصيل من بنية المجتمع السوداني بحكم تنوعه وثرائه وارتباطه بالتنشئة والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (الحكامات، وأغاني الحصاد، والغناء الحماسي والوطني)، وتاسيساً علي هذه المفاهيم فإن الفن هو وسيلة تغيير جوهرية تشتغل على التأسيس لقوة داخلية لدى الفرد تساعده على المقاومة والصمود، ويؤسس لأرضية تتناقض مع البعد الواحد والمتصف بالعنف والخرافة.. وهذا ما ينطبق على الفن السوداني في زمن المشروع الديني-سياسي والذي طرحه تيار الإسلام السياسي..
هذا المقال ولستنادا للفرضية السابقة، والمفاهيم المستندة عليها سيختبر الكيفية التي استطاع من خلالها الفن السوداني المساهمة في إجهاض المشروع الديني-سياسي وجعله مجرد شعار، ليتمركز الفن في الحواس وتجريد المشروع الديني من مشروعيته ليكون في الحواشي، وبالتالي تغييب تأثير هذا المشروع، لأن السؤال الأساسي هنا هو كيف خرج الجيل الذي ولد في زمن الانقاذ من حبائل المشروع الديني، ليصنع التغيير الثوري، مما أصبح هذا سؤالا صعبا والإجابة عليه اصعب لدى الكثيرين..
▪الاسلام الصوفي في السودان وعلاقته بالفن:
ربما ومن العوامل الأساسية والتي ساعدت على تغلب الفن السوداني علي6 مشروع الإسلاميين، وتحديدا من خلال زاوية التحريم، هي العلاقة التاريخية بين الصوفية والفن السوداني. ولكي نفهم هذا البعد فلابد من فهم الصوفية وعلاقتها بالفنون، وبشكل عام (فالصوفية وكمذهب روحاني في الحياة خرجت من معطف الفلسفة القديمة، وليس بتأثير الديانات السماوية وحدها، ولم تكن حكرا على دين واحد، وظهرت طرائقها في معظم الديانات مصاحبة للغناء، والرقص، والانشاد الديني، قبل أن يستلهمها الفنانون في ابداعاتهم المعاصرة(3)..
ويمكن القول هنا بإن التصوف (قد استخدم الموسيقى في هذا المضمار والذي يسمو بالروح، ويدعم حالة الوجد التي تسعى إليها، سواء كان ذلك مصاحبا لقصائد المدح، أو المنظومات الشعرية الصوفية الاخري(4)..
ووفقا لهذه الرؤية فإن المتصوفة لم يقفوا ضد الفنون، أو يحاربوها، وفي هذا الخصوص يقول الشيخ مسافر الخوارزمي، وهو أحد مريدي الشيخ بهاء الدين نقاشبند (حين دخلت في خدمة سيدنا بهاء الدين، كنت مولعا بالسماع وفي يوم من الأيام تحدثنا مع جماعة من الإخوان، واتفقنا على أن نحضر المزامير، والدفوف، والناي، ثم نؤدي السماع في مجلس سيدنا بهاء الدين، لنرى ما رأيه في هذا الموضوع، وجلبنا مجموعة من المنشدين ذوي الصوت الجميل، الذي يلطف القلوب، فلم يمنعنا سيدنا من ذلك، لكنه قال في النهاية (إننا لا نفعل هذا، ولكن لا ننكره أيضاً (5)..
لقد أوردت هذ المثال لأدلل على أن الصوفية وبشكل عام لا تتعارض مع الفنون.
أما في السودان فإن دخول الإسلام مقرونا بالصوفية، مهد لعلاقة منسجمة بين الفن والتصوف، كيف؟
لقد كان انتشار الإسلام في السودان، وبشكل كبير لم يتم عبر الفتوحات، وبالتالي لم تتبلور نظريات الفقهاء، والذين تكاثروا بعد هذه الفتوحات في الدول الأخرى، وأقاموا فتاوي التحليل والتحريم، وبعكس ذلك فإن الصوفية، وبطبيعة دخولها للسودان مصطحبة معها الروح الإسلامية المتسامحة، والتي مزجتها بالثقافة الأفريقية، والمتجلية عبر الفنون وبكل أشكالها، مهدت لأرضية الفن السوداني، فقد كان المتصوفة وعبر التاريخ يمارسون الغناء والانشاد، والرقص، ومن حلبة هذا الرقص والانشاد، خرجت الظاهرة الغنائية السودانية، ولهذا نجد الكثير من الفنانيين السودانيين قد كانوا بالأصل منشدين، وغالبية شعراء الحقيبة قد خرجوا من خلاوى الصوفية..
هذا التمهيد يعتبر ضروريا لاجلاء فكرة إن الفن السوداني اكتسب شرعيته عبر المجال الصوفي، وبجمالياته المتعددة، ولهذا رفض منطق المشروع الديني-سياسي الذي طرحه الإخوان المسلمون، وتفكيكه وفق منظور إبداعي، وكذلك وفق مشروعية لديها علاقة بالفطرة، وكذلك تجذر المعنى الصوفي وفق تجلياته التي استوعبتها الفنون، لتقف كجدار صد ضد مفهوم التحريم، وضد تهميش دور الفنون والذي سعى إليه مشروع الإسلاميين في السودان.
▪هزيمة المشروع و تفكيكه:
استنادا إلى السردية السابقة، فإن تيار الإسلام السياسي في السودان قد سار عكس هذه التأسيسية في الفن السوداني، وحاول إيقافها من خلال الهجوم على كافة الفنون، عندما صعدت الإنقاذ إلى السلطة، وبدأت عناصر النظام بتدمير بعض أشرطة الغناء المهمة باعتبارها تتناقض مع مفاهيم الإسلام، وبالتالي تهميش الفنون بشكل عام، وتحديد زمن قصير لحفلات الغناء، ومن ثم ظهور خطاب معادي للفن و الفنانيين والنظرة إليهم بشكل سلبي، وبدلاً من إنشاء المسارح ودور السينما، فقد تم تدميرها، أو بيعها للرأسمالية الطفيلية.
لكن بالرغم من هذه الهجمة الشرسة فقد صمد الفن السوداني، وأسهم، مع عوامل أخرى عديدة في هزيمة المشروع الديني، وتحييده تجاه الفنون وذلك للأسباب التالية:
أولاً: الفن السوداني، والغنائي تحديدا لديه أثر كبير في قطاعات كبيرة من المجتمع السوداني.. اكتسب الفن هذه الأهمية عبر تاريخه الطويل، والذي ارتبط فيها بقضايا الناس، ومنذ أزمان طويلة، وقد أدى الفنانون أدواراً متقدمة فيما يتعلق بالتغني لقضايا الوطن، وتأسيس علاقة صحية بينهم و المجتمع، صعدت بالمجتمع إلى مراقي عالية، ونافح الكثير من الفنانيين، والشعراء بتجاه القضايا الوطنية زمن الاستعمار، وما بعد الاستعمار.
ثانياً: ظاهرة التحريم، والتي طرحها مشروع الإسلام السياسي تجاه الفنون، اصطدمت بما ذكر سابقا من وجود حائط وجداني قوي غذته الصوفية من خلال دلالتها الراكزة حول خصوصية احترام الآخر، ولنمطها المرتبط بالفنون وبشكلها المتعالي نحو السمو عبر الانشاد الديني والرقص الدائري الصوفي. ولهذا فيمكن القول بإن العلاقة ما بين الصوفية، والفن السودانى علاقة تجاوزية وتجاورية في ذات الآن، فكلا المجالين، أي الصوفية، والفن يشتغلان في دائرتيها دون الانشغال بالآخر أو الحكم عليه، ولكن من حيث التجاور فيتعمق السؤال الوجودي بينهما في تشابكهما المتجاور روحيا، والمتصل بالسمو بالنفس، كل حسب منطلقاته ودائرته المنحوتة، وفق التصورات المتجاوزة لما هو مادي.
ثالثاً: المشروع الديني الذي طرحه تيار الإسلام السياسي، هو مشروع لا إنساني، تدنى بالمطلقات إلى أدنى مستوى، وحوًل الدين إلى دائرة البشاعة عبر القتل والجلد، وقد كان فارغ المحتوى من حيث الدلالات المرتبطة بترقية الإنسان، وسمو روحه.
ولهذا فقد كان الفن السوداني، وعبر تجذره في النفس السودانية، بديلاً طبيعاً لهمجية المشروع واضطرابه، ولهذا فإن ندي القلعة، وبغض النظر عن مشروعها الفني، فإنها قد كانت تكتسب أرضية، وجماهيرية أكبر من جماهيرية الترابي صاحب المشروع، وكان محمود عبد العزيز أكثر حضورا من جميع (الكيزان) مجتمعين.
هذا البعد التجاوزي للغناء السوداني شكل الحماية الوجدانية للمجتمع السوداني، وأبطل فاعلية المشروع ضمن اطروحته الأولى، هذا ومع محاولة السلطة شراء بعض الفنانين، وتحويلهم إلى مخبرين ضد زملائهم ومحاربة كافة المظاهر الإبداعية.
رابعاً: لقد نشأ الجيل الذي ولد في زمن الانقاذ ضمن واقع خواء المشروع، وعدمية المعطيات الحياتية، ولهذا تعلقوا بالفن، وفن الغناء تحديداً، كنوع من المواجهة لجحيم العدمية، والبحث عن موجود تتكيء عليه النفس، ولهذا فقد انتشر الغناء والمغنيين في زمن الإسلاميين بشكل غير مسبوق، وأصبح هذا الجيل متطلعا إلى الحرية عبر منفذ الفنون، ولهذا لعبت أشعار هاشم صديق، وأزهري محمد علي، وبخلفية صوت مصطفى سيد أحمد، وغيرهم من الشعراء والفنانيين دور المحرض، ليتشكل جيل جديد بدأ هلاميا للبعض، لكنه كان يعرف ماذا يريد عبر حس الفن، وشاعرية الروح، حتى استطاع تفجير ثورته التي فأجات الجميع، ولهذا كان ميدان الاعتصام لوحة فنية عكسها هذا الجيل، ليجعل الفن عنصرا للتغيير تم تجسيده لمواجهة الخراب الذي جسده مشروع الإسلاميين.
أخيراً: بعد أن فشل مشروع الإسلاميين، نتيجة لعوامل عديدة، وقد كان الفن اللاعب الأساسي في إبطال فاعليته اجتماعيا، تماهى أصحاب المشروع مع فن الغناء، وأصبحوا يقيمون الحفلات، والاحتفالات، وتحول رئيس المشروع إلى راقص لا يسبقه راقص في حلبة الغناء، وبهذا فقد انتصر الفن على اللامشروع ليصبح هو مشروعا للتغيير وقد كان.
⭕المراجع:
1- كرم النظامي ـ الصوفية وتأثيراتها في الفن التشكيلي.. بحث غوغل.
2- ديفيد روتكويف، وحفصة جودة- أهمية الفن في عالم خطير وسريع.. بحث غوغل.
3- عثمان نوري طوباش-التصوف والفنون الجميلة.. بحث غوغل.
4- كرم النظامي.. مرجع سابق.
5- عثمان نوري طوباش.. مرجع سابق.
ahmedvi09@gmail.com
/////////////////