مصابيح شيخ الشعراء تشرق على البار وأم دَرَق
حين تتحالف القرية مع الشمس ويعود الشعر نورًا
د عبدالرحيم عبد الحليم محمد
abdelrmohd@hotmail.com
ثمة أخبار لا تُقرأ، وإنما تُضاء.
وثمة بشارات لا تأتيك في هيئة كلمات، بل كأنها خيط من الفجر يمتد من القرية البعيدة حتى القلب. وهكذا جاءني خبر أهلي في البار وأم دَرَق: لقد عزموا، بل شرعوا بالفعل، في إنارة قريتهم بالطاقة الشمسية.
ولعل للمصادفات الجميلة لغتها التي لا نفهمها إلا بعد حين؛ فها هي «المصابيح» التي أضاءها شيخ شعراء السودان عبد الله الشيخ البشير في الشعر، تتهيأ اليوم لتشرق نورًا على الأرض التي عرفته وعرفته.
لقد قال:
على حد السَّنا أمهَيْتُ سيفي
فَرَقَّتْ شفرتاه كما ابتغيتُ
وودَّعتُ القرى الأولى وشيكًا
وما استصحبتُ إلا ما انتويتُ
فها أنذا يُعادي بي مِراحًا
بشطِّ الغيبِ مِرِّيحٌ كُمَيْتُ
ثم يجيء ذلك البيت الذي يبدو اليوم، ونحن نتحدث عن إنارة البار وأم دَرَق، كأنه عبر السنين ليحضر هذه اللحظة:
رصائعُه مصابيحُ سهارى
لهنَّ خواطرُ الحُذَّاقِ زيتُ
مصابيح!
ما كان شيخ الشعراء يدري، وهو يطلق هذه الصورة في فضاء القصيدة، أن «مصابيحه» ستعود يومًا إلى هذه الأرض في هيئة أخرى.
غير أن زيتها هذه المرة ليس زيت المصابيح القديمة.
زيتها الشمس.
الشمس التي أقسم بها الخالق سبحانه:
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾.
الشمس التي لا تستأذن أحدًا حين تطلع، ولا تسأل فقيرًا عن فقره ولا غنيًا عن غناه؛ توزع ضياءها بعدالة سماوية عجيبة، فتدخل من نافذة العجوز كما تدخل من نافذة القصر، وتداعب وجه الطفل كما توقظ الحقول والنخيل.
وما أغرب أن نسميها اليوم «طاقة بديلة»، وهي أقدم طاقة عرفها الإنسان، وأول مصباح علّقه الله في سقف هذا الكون!
لهذا لا أرى فيما يفعله أهلي مشروع كهرباء فحسب، وإنما أراه مصالحة جميلة بين الإنسان وسماء بلاده؛ كأن القرية، بعد طول انتظار، رفعت وجهها إلى أعلى وقالت للشمس:
ما دمتِ تأتيننا كل صباح بهذا السخاء، فلماذا لا نجعل من ضوئك ماءً ونورًا وحياة؟
ولسنا غرباء عن هذه المصافحة بين القرية والشمس.
فبالأمس القريب كانت قرية الأَرَكي على موعد معها، حين تمكنا من إنشاء محطة شمسية لأهلنا هناك، تستعين بالشمس لتستخرج لهم من جوف الأرض ماءً عذبًا زلالًا.
ويا لها من صورة!
الشمس في السماء، والماء في جوف الأرض، وبينهما يد الإنسان.
ضوء ينزل من فوق، وماء يصعد من تحت، وبين النزول والصعود حياة كاملة.
كأن الشمس مدت خيطًا من ذهب إلى أعماق الأرض، فعاد الخيط دلوًا من ماء.
وهكذا بدأت قرانا تتحالف مع الشمس وضحاها؛ لا لتتباهى بالمصابيح، ولا لتدخل سباق المدن، وإنما لتجعل حياة الناس أيسر: ليجد العجوز طريقه في الليل، ولتطمئن الأم إلى أطفالها، وليقرأ الصغير كتابه بعد المغيب، وليخرج الماء من باطن الأرض فلا يظل الحصول عليه مشقة يومية.
وهنا يصبح النور قيمة اجتماعية قبل أن يكون كهرباء.
وتصبح الطاقة الشمسية صلة رحم من نوع جديد.
أما البار والقلعة وأم دَرَق فليست عندي أسماء على خريطة.
هناك أهلي: الضريساب والسابلاب والناصراب وغيرهم؛ أسماء تتفرع كما تتفرع أغصان شجرة قديمة، لكنها تلتقي كلها عند جذر واحد.
هؤلاء قوم عرفتهم المحن فعرفت معادنهم؛ أنوارًا في ساعات العتمة، حضورًا عند الشدة، وتواصلًا وصلة رحم لا تقطعهما المسافات.
وهناك، ليس بعيدًا عن جبل الصلّاح كلنكانكول المطل على دائرة شيخنا العجيمي، تبدو الأرض نفسها وكأنها تحفظ أسماء الذين مروا عليها.
فالأمكنة عندنا لا تسكنها الأجساد وحدها؛ تسكنها الحكايات، والدعوات، وخطوات الآباء، وأصوات الراحلين.
ولهذا، حين أتخيل المصابيح تشتعل في البار وأم دَرَق، لا أرى الأسلاك والألواح الشمسية وحدها.
أرى الراحلين يعودون.
أرى شيخ الشعراء عبد الله الشيخ البشير واقفًا على ناحية من الضوء، وأرى شاعرنا العظيم إسماعيل حسن قادمًا من ناحية الذاكرة، وأسمع الفنان أحمد فرح يحمل صوته القديم إلى المكان.
كأن النور الجديد أيقظ ذاكرة القرية كلها.
وأسمع إسماعيل حسن، ذلك الذي عرف كيف يحول كلمة «الأهل» إلى وطن كامل، يطل على الجمع مبشرًا:
ديل أهلي
البقيف في الدارة واتحزَّم
وأقول: ديل أهلي.
وأقول معه:
ديل أهلي.
فالقرية لا تُضاء بالألواح الشمسية وحدها.
القرية يضيئها أهلها.
يضيئها الرجل الذي يمد يده إلى جاره، والمغترب الذي لم تنقطع سرته عن تراب المكان، والمرأة التي تحفظ أنساب البيوت وحكاياتها، والشاب الذي يؤمن بأن خدمة أهله ليست مِنّة، والطفل الذي يكبر وهو يرى الكبار يضعون أيديهم بعضها فوق بعض ليتركوا له قرية أجمل من التي ورثوها.
ومن ناحية أخرى من الذاكرة يأتينا صوت أحمد فرح:
آ حليلك يا بلدنا
الفيك ربّونا واتولدنا.
وهنا تختلط الأشياء كلها في داخلي:
الشمس بالطفولة،
والطاقة بالحنين،
والمصباح بالبيت القديم،
والماء الخارج من جوف الأرض بأصوات الذين شربوا من تلك الأرض ثم رحلوا.
فمشروعات القرى ليست أرقامًا في دفاتر التنمية.
حين تحفر بئرًا في قرية، فإنك لا تستخرج الماء وحده؛ إنك تستخرج شيئًا من الطمأنينة.
وحين تضيء طريقًا، فإنك لا تبدد الظلام وحده؛ إنك توسع مساحة الحياة.
وحين يضع الناس أيديهم بعضها فوق بعض لينجزوا مشروعًا كهذا، فإنهم لا يبنون محطة طاقة فحسب؛ إنهم يعيدون بناء معنى الجماعة.
ولهذا أفرح بما يفعله أهلي في البار وأم دَرَق.
وأفرح أكثر لأن هذه المبادرات تقول لنا، وسط ما أصاب السودان من جراح، إن الحياة لم تستسلم.
قد تتعطل المدن، وقد تنطفئ محطات، وقد تضيق سبل الناس، لكن الشمس لا تزال تطلع كل صباح.
والإنسان السوداني، كلما ضاقت به السبل، يعرف كيف يرفع رأسه نحو السماء ثم يعود إلى الأرض بفكرة جديدة.
إنها ليست حكاية ألواح تُنصب فوق الأسطح.
إنها حكاية قرى قررت ألا تنتظر النور، بل ذهبت إليه.
حكاية أهل أدركوا أن الشمس التي ظلت آلاف السنين تمر فوق رؤوس أجدادهم يمكن اليوم أن تصبح شريكًا في سقيا الأرض، وإنارة البيوت، وتخفيف مشقة الحياة عن العجزة والأمهات والأطفال.
ولهذا، وأنا بعيد عن تلك الديار بالجسد، قريب منها بكل ما في القلب من حنين، أمد يدي من وراء المسافات مصافحًا كل رجل وامرأة، كل شاب وشيخ، وكل يد أسهمت بمال أو رأي أو جهد أو دعاء.
وأقول لهم:
أنتم الألواح الحقيقية التي تلتقط النور.
أما الشمس، فما فعلت إلا أن كشفت ما كان مضيئًا فيكم منذ البداية.
وأردد مع كل جميل وجميلة هناك، مهنئًا ومباركًا:
يا جميل النور
ماسه من عيناك
انظر الأنوار
طالعة من معناك
نعم…
انظر الأنوار طالعة من معناك.
فما أجمل أن تشرق الشمس مرتين:
مرة من السماء،
ومرة من قلوب أهلي.
وما أجمل أن يصبح ضحاها ماءً عذبًا في الأَرَكي، ومصباحًا في البار وأم دَرَق، وابتسامة على وجه طفل، وطمأنينة في قلب أم، ودعوة صالحة على لسان عجوز.
وعندها فقط أفهم لماذا جاءت تلك الكلمة، قبل كل هذه السنين، في شعر عبد الله الشيخ البشير:
«مصابيح».
كأن شيخ الشعراء أودعها في القصيدة ثم مضى، وتركها تنتظر أهلها.
وها هي اليوم تعود إليهم.
تخرج من القصيدة إلى الطريق، ومن الذاكرة إلى البيوت، ومن مجاز الشعر إلى حقيقة الضوء.
مصابيح شيخ الشعراء تشرق على البار وأم دَرَق.
لكن أجمل ما فيها أنها لا تستمد نورها من الشمس وحدها.
إنها تستمد نورها من أهلي أيضًا.
د. عبدالرحيم عبد الحليم محمد
