مصطفي سيداحمد الإنسان والفنان في بورتسودان الثانوية .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد
30 ديسمبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
38 زيارة
كنا نفر من جيل المحظوظين عندما تزاملنا مع مصطفي سيداحمد الإنسان العظيم والفنان الأصيل في بورتسودان الثانوية احدي المنارات السامقة في التعليم مثل أخواتها الكبريات في حنتوب، خورطقت، وادي سيدنا، عطبرة .. الخ ..
اتي مصطفي من ود سلفاب الوسطي لبورتسودان في النصف الثاني من العام ٦٩ وكان إضافة لها ولمدرستها وليس العكس .. كان مقر سكن مصطفي في داخلية تسمي منار الخشب وكانت مميزة مثل مصطفي لأنها كانت المبني الوحيد في المدرسة الذي تم تشييده بالواح من الخشب كسائر معظم مباني المدينة .. كانت داخلية منار منفصلة عن بقية داخليات مباني ثكنات الجيش الانجليزي القديمة المبنية من الحجر .. كان طلاب عنبر داخلية منار ينامون ليلا في العراء بسبب الحر، في الفناء الواقع بين الداخلية ومبني المعامل وكان مصطفي واحد منهم .. آخر الفصول الدراسية التي مر بها مصطفي هو فصل بطوطة السنة الثالثة للمساق العلمي أحياء ..
كان مصطفي ومنذ قدومه مختلفا عنا .. كان شابا يافعا تكسوه هالة من الهدؤ والوقار تجبرك علي احترامه ومحبته منذ الوهلة الاولي، كان بسيطا وبشوشا له ابتسامة دائمة ومميزة من خلف نظارته الطبية السميكة .. كان يعيش معنا بجسده ولكن روحه كانت تحلق في أماكن أخري لم نكن ندري بها .. مصطفي كان يعيش في محراب من التأمل والتدبر ويعد نفسه لرسالة كان يحس بها ويعد نفسه لها .. كان يعمل بكل جد ومثابرة وكأنه يسابق الزمن لتحقيقها وهذا ما أثبتته لنا الأيام لأن ما انجزه مصطفي في عمره القصير لا يستطيع أي شخص عادي إنجازه في أضعاف عمره .. لم يكن مصطفي يوظف كل وقته في التحصيل الأكاديمي كما كنا نفعل .. كان يوزع وقته علي الثقافة والأدب والفن الي جانب الدراسة ولم نعرف له وقت للفراغ، كان دائما مشغول بأمر مفيد لوقته الثمين.
مصطفى كان قوميا في تفكيره وطنيا في إحساسه لذلك كانت تتجاذبه كل الأطراف السياسية لأنها تظن أنه واحد منها والحقيقة أنه لم يكن منها لانه كان متفرد في كل شيء و لا يشبه أحد .. له مواقفه الخاصة التي لا يحيد عنها ورسالته السامية التي كان يعرفها هو وحده ويؤمن بها ..
طوال سنوات مصطفي بالمدرسة لم نعرف له لونية سياسية أو ميولا حزبيا .. كانت له أفكاره وقناعاته الخاصة في كل الأمور التي تتطلب المواقف لذلك كان من الصعوبة الحكم علي الخط السياسي الذي كان يسلكه .. في تقديري مصطفي سيداحمد كان شخصية قومية متفردة ومستقلة، قادرة علي حفظ مكانتها وسط كل التيارات السياسية.
خلال سنواته بالمدرسة انصقلت موهبة مصطفي الفنية والأدبية فكان يشارك في كل المناسبات الوطنية و احتفالات المدارس مثل أعياد العلم في كل مدارس بورتسودان .. كنا نغير منه عندما يشارك في حفلات مدرسة العشي الثانوية بنات لأنها كانت أشبه بالسجن لا يمكن دخولها إلا للعاملين فيها .. كان يلتف الأصحاب حوله في اليوم التالي للحفل لسؤاله عن أجواء الحفل وتفاصيله فكان رده دائما في منتهي التهذيب وغاية الأدب الذي يؤكد علي الدوام سمؤ أخلاقه وحسن تربيته .. حتي في عنفوان الشباب لم يكن مصطفي طائشا ولم تغريه كثرة المعجبين من الجنسين ..
عندما افترقنا من مدرسة بورتسودان الثانوية وذهب بعضنا للجامعات، اختار مصطفي أن يذهب للتعليم كمعلم في احدي المدارس الابتدائية بمدينة الحصاحيصا وكان له هدف نبيل مقصود من ذلك التوجه حتي انتقل بعدها والتحق بمعهد الموسيقى والمسرح ليحقق هدفه المنشود الذي فتح له الطريق في مشوار الإبداع الذي سخره في حب الوطن والغلابة حتي داهمه المرض اللعين الذي واجهه بالصبر والشجاعة المعهودة فيه .. ظل مصطفي شامخا رغم المعاناة والألم يشارك الناس الفرح حتي سقط مفارقا لدنيانا الفانية في ١٨ يناير ١٩٩٦ مخلدا اسمه في وجدان كل الشعب السوداني وتاركا إرثا ثمينا من الفن الرفيع سوف تتبادله الاجيال لانه يحكي عن أصالة إنسان وحكاية فنان لن يتكرر في زماننا الحاضر ولا مستقبله ..
ختاما .. تشرفت بزمالة مصطفي سيداحمد الإنسان العظيم والفنان المبدع الأصيل في حقبة من الزمان والمكان سيظلان محفوران في الاذهان وخالدان في القلوب ..
رحم الله مصطفي رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع الشهداء والصديقين بقدر ما قدم للبلاد ونفع به العباد ..
د. عبدالله سيد احمد
٢٩/١٢/٢٠٢٠
abdallasudan@hotmail.c om