معارك الطواحين الهوائية .. بقلم: عبد الله علقم

(كلام عابر)

شاعت نكتة في أواخر سنوات السبعين من القرن الميلادي الماضي وهي كانت أيام  عيدي أمين الأخيرة في حكم يوغندا، أن التلفزيون اليوغندي كان يبث على فناتين ، قناة أولى وقناة ثانية، القناة الأولى كانت محتكرة على الدوام للمارشات والبرامج  العسكرية والجهادية على طريقة برنامج ساحات الفداء بنكهة يوغندية. إذا مل المشاهد اليوغندي القناة الأولى، وقطعا سيمل، وتحول  للقناة الثانية سرعان ما  يطالعه على الشاشة عسكري غاضب ممسك بمدفعه الرشاش وهو يصيح فيه”عد إلى القناة الأولى فورا”. ورغم أن الخيارات أمام المشاهد آنذاك لم تكن بوفرة خيارات هذه الأيام ، فإن المشاهد اليوغندي كان يستغني عن كلا القناتين ويغلق جهاز التلفزيون أمامه. هذه الأيام توفرت الخيارات، إذا شاء من بيدهم التحكم في خيارات الناس وأمزجتهم التضييق على برنامج “أغاني وأغاني” بتأخير موعد بثه لثلاث ساعات ليبث في موعد متأخر أو حتى منعه نهائيا فذلك لن يجبر المشاهد على مشاهدة قناة أو قنوات بعينها  بديلا للبرنامج طالما كان بيده جهاز التحكم في عرض القنوات، فيختار قناة أخرى أو يفعل كما كان يفعل المشاهد اليوغندي أيام الطاغية عيدي أمين ويستغني عن “ترف” مشاهدة  التلفزيون.
أشهر البرامج التلفزيونية في المملكة العربية السعودية والذي بدأ منذ ثمانية عشر عاما يحمل اسم “طاش ما طاش” ، وهو برنامج كوميدي ترفيهي ذو رسائل اجتماعية وثقافية وأحيانا سياسية، يعرض في شهر رمضان في كل سنة، ويحقق أكبر حصيلة إعلانات تلفزيونية، وامتدت شهرته إلى خارج الحدود السعودية، يبدأ بثه بعد صلاة المغرب بتوقيت مكة المكرمة ويستمر ساعة كاملة من الزمان ولم يتوقف البرنامج أو يتغير موعده طوال هذه السنين  بحجة أنه  يشغل الناس عن العبادة أو يتعارض مع مواعيد الصلاة أو أصول الدين رغم الحملة الشرسة التي يشنها البعض عليه لأنه ينتقد ظواهر اجتماعية سلبية ترتبط بهم وقد بلغت الشراسة أن تبرعت قلة شاذة بالفتوى من فوق منابر المساجد بتكفير كل أسرة “طاش ما طاش” ، ولكن ذهب الزبد جفاء، وابتلعوا فتاواهم، وتواصلت نجاحات برنامج “طاش ما طاش” في المجتمع. ولا أعتقد أنه من الممكن  أن نصنف مستهدفي برنامج “أغاني وأغاني” بأنهم أكثر حرصا على أصول الدين وقواعد الأخلاق وأكثر معرفة بها  من رصفائهم في المملكة العربية السعودية.
أما لماذا أنشغل هؤلاء   بمعارك الطواحين الهوائية التي تخلق عدوا من صنع الخيال، واستهدفوا برنامج “أغاني وأغاني” الذي يوثق لتاريخ المجتمع الفني والسياسي والاجتماعي فضلا عن كونه برنامج يوفر قدرا كبيرا من الترويح للمشاهد المطحون الذي تطحنه ضغوط المعيشة من كل جانب، لماذا انشغلوا بالبرنامج بدلا من مواجهة قضايا الناس اليومية المتركزة  في ممارسات الفساد والظلم التي غدت ثقافة يومية، حتى جعلوا من البرنامج قضية، فذلك يعود  لحالة حقيقية من التراجع أو السقوط الحضاري. استهداف برنامج “أغاني وأغاني”  بدلا من معالجة قضايا الناس الحياتية المتراكمة المتشعبة وتسمية الأشياء بأسمائها مباشرة والتصدي للظلم والفساد، وهو أمر كان سيكسب أو سيعيد لتلك المنابر شيئا من الصدقية والاحترام،مؤشر لانفصال هؤلاء الوجداني عن مجتمعاتهم ومعاناتها ، ولا ينبغي أن ينظر إليه خارج إطار حالة  التراجع الحضاري وهي حالات  تمر بها كل المجتمعات في فترات  مختلفة من مراحل تكوينها وتطورها. وفي هذا السياق يقول مالك بن نبي إن  القابلية للتخلف والقابلية للسقوط الحضاري، تؤدي للتخلف والسقوط، ويأتي الظلم بوصفه أحد أبرز الكسوب السيئة التي ترتكبها الحضارة بأي شكل من الأشكال وهو أساس السقوط والتراجع.
إن المجتمعات الحية الناهضة قادرة في النهاية على تجاوز السقوط والتراجع والعبور للعصر، رغم أن ذلك قد  يستغرق بعض الوقت .
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com

عن عبد الله علقم

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً