مع خفايا وأسرار في الدبلوماسية السودانية للسفير الطريفي (1-3) بقلم صلاح محمد احمد

 


 

 

الجهد المقدر لهيئة الخرطوم للصحافة والنشر ، فتح المجال مشرعاً للمبدعين من أبناء وبنات السودان ، لتوثيق تجاربهم لينقلوها ويوثقوا لها ، في مسعي ليخرج الكتاب السودان من محليته ، وينهض من كبوته ، تحت المشروع الواعد المائة كتاب . ولا شك ان هذه الهيئة بهذا العمل القيم قد قدمت للوطن خدمات في مجال الثقافة بمختلف ضروبها وتنوعها ، وفي اطار هذا الجهد اصدرت الهيئة كتاباً للاخ السفير الطريفي احمد كرمنو تحت عنوان (خفايا وأسرار في الدبلوماسية السودانية) في العام قبل الماضي ، قدم للكتاب السفير الراحل مهدي مصطفي الهادي .. قائلاً :- لقد شاء السفير الطريفي أن يكون ذا سخاء وعطاء ، فلم يبخل علينا ببديع تجاربه المتنوعة في العمل الدبلوماسي  ، فكان صريحا في آرائه وواضحاً في حقه وحق من كانو معه في العمل . اولي الملاحظات .. أن السفير الطريفي الذي عرف بالجرأة في قول  الحق ، والحرص علي مهنية الوظيفة الدبلوماسية ، هو أول من حكي عن تجربته الدبلوماسية من بين اؤلئك الذين ولجوا عالم الدبلوماسية قادمين من مجالات عمل مختلفة عام 1977 م من القرن الماضي . قد اورد السفير الطريفي بدقة متناهية تفاصيل هامة عن مسار حياته الدبلوماسية ، مما أكد علو كعبه في التوثيق ، ونقاء ذاكرته في الاحتفاظ بأسماء من عملوا معه بمختلف وظائفهم إستهل الطريفي كتابه بتبيانٍ ولوجه عالم الدبلوماسية ، بعد أن عمل في وزارة الإعلام والثقافة ثم كنائب لمدير فرقة الاكروبات السودانية ، ليظهر لمن ادعوا بأن الخارجية كانت لأسر معينة ، جلوسه لامتحان شمل اكثر من 200 خريجاً ، ليختار منهم 25 دبلوماسياً ، بعد اجتياز امتحانات تحريرية ومعاينات ، ولم تكن المهنة ابداً في مستوياتها القاعدية مفتوحة هكذا لإرضاءات سياسية أو عائلية ، وقد دخل السفير الطريفي الوزارة سكرتيرا ثانيا وتدرج حتي وصل إلي درجة السفير ليكون أول سفير من منطقة جنوب النيل الأزرق ، التي وصفت ضمن المناطق المهمشة ، ومن هنا جاءت دعوته بأنه اذا ما كان للتعيين السياسي ضرورة  فلابد أن يكون هناك سفراء من منطقة جنوب النيل الأزرق ، ورغم أنني انتقدت هذه الدعوة في التقييم الذي تم للكتاب بقاعة الشارقة في ابريل الماضي علي أساس أنها دعوة للجهوية لانريدها ، ولكن واقع الحال يحتم بأن لا مناص من اللجوء لمثل هذه التعيينات للمساهمة في تنميتها و تطويرها . وسرد السفير الطريفي تجربته بإدارة المراسم والتشريفات مبينا اهميتها ، وما اتاحته الإدارة له من تجارب وسفريات استفاد منها كثيراً في المسائل المتعلقة بالإتيكيت وترتيبات الزيارات الرسمية . وفي اشارة تدل علي أن العمل العام يحتاج لإستفادة الإنسان من تجارب الأخرين اورد بأنه قد تعلم كثيراً من تجربة الإداري عبيد إبراهيم ، واخالُ بأن هذا الاعتراف يظهر ما اتصف به السفير من مصداقية في السعي للإلمام بمقتضيات العمل العام ، حيث ان تراكم التجارب والخبرات لا تفرق في التقييم النهائي ما بين دبلوماسي ناشئ وآخر ولج الدبلوماسية في مجال الإدارة ، ومثل هذه الجزئية تدحض فكرة بعض المتنطعين الذين يزعمون بأنهم من سلالة ملكت كل العلم والمعرفة ، وما عداهم حثالة قوم عليهم الطاعة العمياء ، ومن اهم متطلبات الإدارة الحقة التيقن بأن العمل العام يقوم بالأساس بالتنسيق والتآلف بين العاملين .. فكل خلق بما تيسر له . وسرد السفير الطريفي طويلاً عن رحلة قام بها برفقة الراحل لورنس وول وزير المالية الإقليمي في رحلةٍ استغرقت شهراً لبعض الدول الأفريقية الناطقة  باللغة الفرنسية لتقديم الدعوات لرؤسائها لحضور مؤتمر القمة الأفريقي الخامس عشر الذي كان مقرراً عقده في منتصف يونيو 1978 بالخرطوم  وشملت الدعوة حوالي 12 دولة ، ولا شك أن هذه الرحلة قد اتاحت له فرصة التعرف علي هذه البلاد وطرق التعامل الدبلوماسي معها ، ولكن يظل هناك سؤال عن جدوي مثل هذه الرحلات الطويلة لتقديم دعوات لحضور مناسبة ما في عالم اليوم الذي إمتاز بوسائل التكنولوجيا الحديثة ، حيث يمكن إجراء مثل هذه الأتصالات عن طريق الأتصالات الاسفيرية دون التكفل بمشقات السفر ، أو صرف النثريات بالعملة الصعبة ، وينطبق ذلك في مجمل كثير من العمل الدبلوماسي الروتيني ، فعل سبيل المثال ضاع وقت ثمين من الدبلوماسيين في الماضي للاعداد لما سمي بتقرير الموقع وتجديده ، وفي عالم اليوم وبمجرد استشارة مواقع البحث كـ(Google) و (Yahoo) يتحصل علي كل التفاصيل المتعلقة بأي قطر سكانه ، طقسه ، عملته ، اسماء الفنادق .....الخ أضافةً إلي ذلك فقد اصبح العمل الذي يقوم به عدد كبير من الدبلوماسيين يمكن ان يضطلع به عدد اقل بكثير يجيد التعامل مع الحاسوب . وفي رأيي آن الاوان لإعادة النظر في هيكلة العمل الدبلوماسي تمشيا مع ثورة التكنولوجيا الحديثة التي اتاحت الفرصة لتقليل عدد العاملين في البعثات توفيراً للعملة الصعبة التي تحتاجها البلاد في مجالات اخري حيوية كالتعليم  والصحة والخدمات ، وهذا الاتجاه يحتم علي الوزارة التركيز علي من يطأون ساحتها الإلمام بالتعامل مع الحاسوب والتمكن من اللغات . لم ينسي السفير الطريفي تبيان ما كانت عليه الوزارة من شفافية في المسائل المتعلقة بالترقيات والتنقلات ، وخصائص كل وظيفة بدءاً من السكرتير الثالث حتي السفير ، وفي سياحة لاتخلو من متعة انتقل بنا الي تجاربه الدبلوماسية في كل من الباكستان والسويد ومصر والمملكة المتحدة ويوغندا وايطاليا وتركيا . وحتي هذه الفصل الذي ابتدأ بالمدخل وتجربته بإدارة المراسم لم تبرز (خفايا) و (أسرار) في الدبلوماسية السودانية ، والتي ربما تظهر في الفصول التالية والتي سأحاول التطرق لها بأختصار مع التعليق . ولاشك أن السفير الطريفي قد فتح الطريق لنخوض مع الخائضين  للحكي عن التجارب المرة منها والجميلة المفيدة منها وغيرها لعلها تكون نبراسا للاجيال القادمة

salahmsai@hotmail.com

 

آراء