اعداد
د.أحمد جمعة صديق
جامعة الزعيم الأزهري
كيف افاد تحالف “تأسيس” من تسييس امتحانات الشهادة السودانية؟
- استخدام الامتحانات لإبراز أزمة الدولة القديمة
على الجانب الآخر، استفاد تحالف “تأسيس” من قضية الشهادة السودانية بصورة مختلفة. فبدلًا من التركيز على الامتحانات باعتبارها رمزًا للاستمرارية، استخدمها لإبراز أزمة الدولة السودانية التقليدية وعدم عدالة مؤسساتها. فقد أشار خطاب “تأسيس” إلى أن الحرب كشفت التفاوتات العميقة داخل النظام التعليمي، حيث حُرم آلاف الطلاب في مناطق النزاع من التعليم ومن فرص متكافئة للجلوس للامتحانات.
وبذلك أصبحت الشهادة السودانية بالنسبة للتحالف دليلًا على اختلال بنية الدولة المركزية القديمة التي تركز الخدمات والفرص في مناطق معينة على حساب مناطق أخرى. - طرح مفهوم العدالة التعليمية
استفاد “تأسيس” من أزمة الامتحانات لطرح خطاب جديد حول العدالة التعليمية. فقد جرى التأكيد على أن التعليم في السودان ظل مرتبطًا بالموقع الجغرافي والطبقة الاجتماعية والانتماء السياسي، وأن الحرب كشفت هذه الفجوات بصورة أوضح.
ومن خلال هذا الخطاب حاول التحالف أن يقدم نفسه باعتباره مشروعًا لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر عدالة وشمولًا، بحيث لا يكون مستقبل الطلاب مرهونًا بمكان إقامتهم أو بقدرة أسرهم الاقتصادية. - التشكيك في رمزية “الامتحان القومي”
وبينما قدمت حكومة بورتسودان الشهادة السودانية باعتبارها رمزًا للوحدة الوطنية، حاول بعض أنصار “تأسيس” التشكيك في هذه الرمزية، معتبرين أن الامتحان القومي لا يعكس بالضرورة وحدة حقيقية، بل قد يخفي تفاوتات عميقة داخل المجتمع، فالوحدة الشكلية للامتحان لا تعني تساوي الفرص التعليمية، خاصة في ظل النزوح والحرب وانهيار البنية التحتية التعليمية في مناطق واسعة من البلاد.
وبذلك استخدم التحالف قضية الامتحانات لإعادة فتح النقاش حول طبيعة الدولة السودانية نفسها، وحول من يملك حق تعريف “القومية” و”الوحدة الوطنية”. - استثمار معاناة الطلاب المتضررين من الحرب
كما استفاد التحالف سياسيًا من تسليط الضوء على معاناة الطلاب الذين تعذر عليهم الجلوس للامتحانات أو الذين فقدوا مدارسهم ومنازلهم بسبب الحرب.
فقد جرى تقديم هؤلاء الطلاب بوصفهم ضحايا لفشل الدولة المركزية والنخب السياسية التقليدية، وهو خطاب ينسجم مع رؤية “تأسيس” التي تدعو إلى إعادة بناء الدولة السودانية من جذورها. - بناء شرعية أخلاقية
في حين ركزت حكومة بورتسودان على الشرعية المؤسسية والتنظيمية، حاول “تأسيس” أن يبني شرعيته على أساس أخلاقي واجتماعي، من خلال الحديث عن العدالة والمساواة وحقوق المناطق المهمشة. ولذلك فإن قضية التعليم والامتحانات أصبحت جزءًا من معركة أوسع حول معنى الدولة والشرعية والعدالة في السودان.
رابعًا: الامتحانات كأداة للصراع الرمزي
تكشف تجربة الشهادة السودانية خلال الحرب أن الامتحانات ليست مجرد عملية تعليمية محايدة، بل يمكن أن تتحول إلى أداة للصراع الرمزي بين القوى السياسية في الدولة.
فالسلطة التي تنظم الامتحانات تسعى إلى إثبات قدرتها على الحكم، بينما تستخدم القوى المعارضة نفس القضية للكشف عن أوجه القصور والتمييز داخل النظام القائم.
ومن هنا فإن الشهادة السودانية أصبحت ساحة تتقاطع فيها السياسة والتعليم والإعلام والهوية الوطنية.
خامسًا: المخاطر السياسية لتسييس التعليم
ورغم أهمية استمرار التعليم أثناء الحروب، فإن تسييس الشهادة السودانية يحمل مخاطر كبيرة. فعندما تتحول الامتحانات إلى أداة للصراع السياسي، قد يفقد النظام التعليمي حياده واستقلاله.
كما أن ربط مستقبل الطلاب بالاستقطاب السياسي يمكن أن يؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمع، خاصة إذا شعر بعض الطلاب أو المناطق بالتهميش أو الإقصاء.
ومن أخطر النتائج المحتملة أن تتحول المؤسسات التعليمية نفسها إلى ساحات للصراع على الشرعية، بدلاً من أن تكون فضاءات لبناء المعرفة والوحدة الاجتماعية.
ونخلص من ذلك بالقول لقد أظهرت الحرب السودانية أن الشهادة السودانية ليست مجرد امتحان أكاديمي، بل مؤسسة سياسية ورمزية ذات أهمية كبرى في تشكيل مفهوم الدولة والشرعية الوطنية. وقد استفادت حكومة بورتسودان من الامتحانات لتعزيز صورة الاستمرارية المؤسسية والصمود الوطني، بينما استخدم تحالف “تأسيس” القضية نفسها لإبراز أزمة الدولة القديمة والدعوة إلى مشروع سياسي جديد يقوم على العدالة وإعادة التأسيس.
وهكذا تحولت الشهادة السودانية إلى ساحة للصراع الرمزي بين رؤيتين مختلفتين للسودان: رؤية ترى في استمرار المؤسسات القائمة دليلًا على بقاء الدولة، ورؤية تعتبر أن الأزمة الحالية تكشف الحاجة إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
وفي النهاية، يبقى التحدي الأكبر هو حماية التعليم من التحول الكامل إلى أداة سياسية، لأن مستقبل الأجيال ينبغي ألا يصبح رهينة للصراعات على السلطة والشرعية، بل يجب أن يظل التعليم (فضاءً وطنيًا مشتركًا) يضمن العدالة والمعرفة والاستقرار لجميع السودانيين.
ونواصل….
aahmedgumaa@yahoo.com
