مفاتيح الحل السياسي .. بقلم: ناصر السيد النور
1 أبريل, 2021
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
بسداد متأخرات ديون السودان للبنك الدولي بقيمة ملياري دولار بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية وبالتالي عودته إلى المنظومة المالية العالمية، تكون قد فُتحت قنوات جديدة سُدَّتْ أمامه لثلاثة عقود، وذلك كما هو معلوم بسبب سياسات النظام البائد التي كلفت الوطن الكثير. والآن يعود السودان كدولة طبيعية في إطار موقع الدولة في العالم أيضاً عن طريق سياسات تفاوضية ومالية، ولكنها سياسات جديدة أو مختلفة في المسار والنتائج في ظل الحكومة الانتقالية. والواقع أن السياسة تظلُّ تلك الممارسة التجريبية في تنفيذ مهام الدولة والمحافظة على مصالح الناس داخل الكيان الذي يضم الدولة ومواطنيها، وبه تنتزع الدولة الحق الشرعي في ممارسته وفقاً لنظامها السياسي الذي تمثله كياناتها السياسية. وإذا كانت السياسة هي فن الممكن في تعريف شائع فضفاض، فإنها في واقع السودان تنطوي على نوع من السياسة يقرب من الحيلة منها إلى الوسيلة التي عادة لا غاية تبرر وسائلها! وأصبحت السياسة لدينا كما يطلق عليها الدكتور حيدر إبراهيم فهلوة، على الرغم بما لديها من أثر خطير وشامل ومباشر على واقع الحياة وما يمس معاش الناس ودنياهم.
وبما أن كل شئون الدولة إن لم تكن شئون الحياة وإدارة مؤسساتها بحاجة إلى سياسة وسياسات، أي خطط وبرامج، إلا أنها ليست المصدر الأوحد للحكمة والمعرفة، ولكن كما تبدو الأمور فإن السياسيين يتوهمون امتلاكهم للحقيقة والحل حتى في أمور يختص بها أهل الخبرة والتخصص. والمعضلة أن مشاكلنا الحياتية في السياسة والاقتصاد والتنمية إلى آخر مصفوفة الأولويات بجانب أزماتها ارتبطت بتدخلات السياسة، تلك السياسة التي خبرناها من ممارسة السياسيين. فالسياسي السوداني يتدخل في كل التفاصيل السياسية منها وغير السياسية ويدعي ويتوهم أن بيده الحل والعقد، أو تلك الحالة التي يستفحل فيها الوهم ويستعصي معها التفريق بين الحقيقة والوهم، تلك الحالة التي يصفها الإعلامي البارّز الصديق عبد الحفيظ مريود بتغذي الوهم على الوهم. وصف ليس تجريداً على إشارات ظلاله الفلسفية الكثيفة ولكنه يفسر المعنى ولا تخفى دلالته قياساً على المفارقات في السياسة السودانية ممارسة وتطبيقاً.
والحاجة إلى السياسة يستدعيها تنفيذ سياسات policies على نحو ما تقرّره مناهجها ويعمل به العالم في مجالات السياسات المالية والإدارية، في سياق السياسات العامة والتي بها تتقَّوم قرارات القيادة العليا ومؤسسات الدولة، بهدف استراتيجيات الدولة في التأسيس لقاعدة مشاركة موسعة وفاعلة تطبيقاً لتلك السياسات، أو بما يراه منظرو السياسة العامة بأنها تشمل القوانين الحكومية والنظم واللوائح والقرارات المحلية وتتأثر جميع قطاعات المجتمع بسياسات الدولة على كافة المستويات القومية والإقليمية والمحلية، مما يجعل من السياسات العامة عملية سياسية وإدارية مقعدة ذات تصورات وخطط وأهداف محددة تسعى الدولة لتنفيذها وفق رؤيتها السياسية والإستراتيجية.
وإذا كان وصف السودانيين لأنفسهم بالشعب السياسي وهو وصف يستهوي طائفة منهم خاصة المشتغلين بالسياسة، اتباعاً لانتماءات سياسية، أول ما يعوز قادة هذا الشعب السياسي السياسات أو الرؤية السياسية، ويمكن الفرق بينهما في الفرق بين دعاوى الشعارات (سياسة) وتطبيقاتها (سياسات). فالأحزاب على كثرتها وتنوع ميولها لا تملك ما يعينها على تحديد مشكلات بلد مأزوم وبالتالي تفشل في الحكم دائماً ويتراجع مستوى الأداء. وينبغي أن تتبنى الكيانات السياسية بما يعرف برفع الكفاءات لمنسوبيها قبل ولوجها وتصدرها للقيادة، فما نحتاجه من سياسات فاعلة يضع متخذ القرار السوداني وهو السياسي طبعا ًوتطبعاً في مواجهة قدراته بالنظر إلى حجم تحديات البلاد. فإدارة قضايا البلاد وهي بطبيعة الحال ليست كلها قضايا سياسية تتطلب تفهماً معقولاً وقدراً من التبصر تسنده رؤية واضع السياسات، وليس السياسي الذي يفهم المشكلة على أساس حزبي وشخصي، وهو تعبير شكَّل بنيته السياسية من موروثات طائفية وقبلية وعنصرية يقيم تقديراته السياسية بناءً عليها. فلسنا بحاجة إلى فهم حروب البلاد وتنازعاتها استمرار للسياسة في التعريف الكلاسيكي المشهور للإستراتيجي البروسي كلاوس فيتز، ولكن يجب أن تكون مفتاحاً للحل في السلام.
فإذا كانت قضايانا – الشائكة- تفاقمت بفعل السياسات الخاطئة في الماضي والحاضر، أي بالمعنى السياسي عدم مراعاة المصلحة الوطنية، أو مجموع المصالح العليا للدولة -إن وجدت- فقد حان الوقت لإعادة النظر في رسم سياسات (لا سياسية) في حل ما تعقد واختلط من قضايا كارثية. والواقع هذه ليست دعوة إلى نبذ السياسة في مفهومها المعلوم كممارسة تسعى من خلال المعرفة إلى حسن تدبير الشأن العام ومراعاة التكامل بين سياسات الدولة المختلفة، لإنفاذ ما يطمح إليه الناس من معاش وأمن واستقرار منشود يجنب البلاد ما يتراءى من نذر تشرذم تلوح في الأفق. فاتخاذ الممارسة السياسية كمفتاح للحل عبر التصحيح السياسي يؤمن العملية السياسية داخل أوعيتها المشروعة، ويسهل من تنفيذ السياسات المرسومة والقرارات.
نشر بجريدة _ الديمقراطي#
31 مارس 2021م