من خلال متابعتي، رغمًا عني، لهذه الحرب اللعينة، توصلت إلى بعض القناعات والملاحظات، مع إدراكي أن هناك الكثير من المعلومات التي قد لا تزال غائبة عني. غير أن من بين الثوابت التي استقرت لدي، بعد متابعة أعتقد أنها جادة ومسؤولة، أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 فُرضت على قوات الدعم السريع ولم تكن خيارها المعلن منذ البداية.
كما أرى أن قوات تأسيس، رغم امتلاكها لقدرات عسكرية متطورة من بينها الطائرات المسيّرة، لم تنتهج سياسة استهداف الأسواق المدنية في مدن مثل عطبرة أو شندي، على النحو الذي شهدناه في مناطق أخرى من البلاد اذ درج الجيش ومليشياته على قذف مناطق مكتظة بالمدنيين موقعا خسارات فادحة فى الارواح البريئة. كذلك يُحسب لتحالف تأسيس تبنيه، على المستوى السياسي، موقفاً أكثر انفتاحاً تجاه المبادرات الداعية إلى وقف الحرب وتحقيق السلام، إذ شارك في مختلف المنابر والحوارات المطروحة، بينما ظل الطرف الآخر، في تقديري، أكثر ميلاً إلى التعنت والمناورة ورفض كثير من المبادرات المطروحة منذ اندلاع الحرب.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل ما يُؤخذ على بعض عناصر وقادة قوات تأسيس الميدانيين من ضعف الانضباط في بعض المناطق، ووقوع تجاوزات وانتهاكات بحق المواطنين، خاصة في ولاية الجزيرة خلال الفترة التي كان فيها أبو عاقلة كيكل ضمن صفوف الدعم السريع، إضافة إلى حوادث أخرى شهدتها مناطق مختلفة من السودان. وهذه الانتهاكات تستوجب الإدانة والمحاسبة أياً كان مرتكبوها.
أما على مستوى القيادة السياسية والعسكرية العليا فقد اظهرت قيادات” تأسيس “، قدراً من المرونة والانفتاح في التعامل مع قضايا الحرب والسلام، من خلال إرسال ممثليها إلى مختلف المبادرات والوساطات الإقليمية والدولية، بغض النظر عن خلفيات الجهات الراعية لها أو أجنداتها السياسية.
وفي هذا السياق، أرى أن من المهم أن تنأى قيادات معسكر “تأسيس ” عن اللغة الخشنة في مخاطبة القوى الإقليمية المؤثرة، وأن تحافظ على قنوات الحوار والتواصل معها، مهما كانت طبيعة الانحيازات أو المواقف التي تبنتها تلك الحكومات خلال فترة الحرب. فالعلاقات السياسية تُبنى على المصالح المتبادلة أكثر مما تُبنى على العواطف أو المواقف الآنية.
إن قوات تأسيس تمثل، في نظر كثيرين، ظاهرة سياسية جديدة في السودان. ومن الطبيعي أن يثير أي مشروع جديد قدراً من القلق والتوجس لدى قطاعات واسعة من المجتمع المحلى والاقليمى، بخلاف القوى التقليدية المعروفة التي اعتاد السودانيون التعامل معها، سواء كانت من الإسلاميين أو من القوى السياسية المعارضة لهم. ولذلك فإن بناء الثقة الداخلية، إلى جانب تأسيس علاقات إقليمية ودولية متوازنة تراعي المصالح المشتركة، يظل مهمة طويلة ومعقدة تتطلب الصبر والحكمة والنفس الطويل، لكنها تبدو أكثر واقعية وفاعلية في التعامل مع تعقيدات المشهد السوداني والإقليمي.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
