منصور الصويم… 25 عاماً من السرد

بقلم: هشام الحلو
بين يدي القارئ الذي يتقصى أثر الرواية السودانية المعاصرة، يبرز اسم منصور الصويم ليس كروائي عابر، بل كصاحب مشروع سردي متكامل يمارس عملية “حفر عميق” في طبقات النفس والمجتمع، وهو ما جعل منه صوتاً فارقاً في جيل ما بعد الرواد. إن منجز الصويم السردي —الذي انطلق أكاديمياً من كلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان— يمثل انعطافة حادة عن “الرعوية” التي طبعت الأدب السوداني طويلاً؛ حيث نقل مجهر السرد من ضفاف النيل الهادئة وصراعات الهوية التقليدية إلى قلب الغابة الإسمنتية والخراب الحضري، مستنطقاً المسكوت عنه في أزقة الخرطوم الخلفية، ومحولاً حيوات “الهامش” من مجرد أرقام وتفاصيل عابرة إلى نصوص أدبية رفيعة تتسم بما يمكن تسميته بـ “جماليات القبح الصادمة”.
لقد استطاع الصويم، ابن مدينة نيالا بدارفور، أن يؤسس لما يشبه “سوسيولوجيا الألم” في الأدب السوداني؛ ففي أعماله المركزية مثل “ذاكرة الشرير” (الفائزة بجائزة الطيب صالح 2005) و”تخوم الرماد” —أول أعماله الروائية الصادرة عام 2011— لا يكتفي بوصف الفقر أو التهميش، بل يغوص في سيكولوجية الشخصية المنبوذة، معيداً تعريف “البطل” في الرواية السودانية من خلال شخصية “الشماسي” أو المشرد الذي يمتلك فلسفته الخاصة ورؤيته للعالم. هذا الحفر لا يتوقف عند رصد الواقع، بل يمتد ليشمل اللغة ذاتها؛ فالصويم يستخدم لغة جسورة، تطوع المفردة لتخدم قسوة المشهد، وتنزع الغطاء عن التابوهات الاجتماعية والسياسية بجرأة فنية جعلته يتبوأ مكانة مركزية كأحد أبرز مجددي السرد العربي الحديث، وهو ما تجلى بوضوح عند اختياره ضمن قائمة “بيروت 39” لأفضل الكتاب العرب دون الأربعين، ومشاركته في أول ورشة سرد (الندوة) للجائزة العالمية للرواية العربية “بوكر” عام 2009.
إن الإضافة الحقيقية التي قدمها منصور الصويم للمشهد الأدبي تتمثل في قدرته على تحويل المحلّي الموغل في الخصوصية السودانية إلى همٍّ إنساني كوني؛ فالعنف والتمزق النفسي والبحث عن الخلاص في رواياته ليست مجرد انعكاس للأزمات السودانية المتلاحقة، بل هي تجسيد للصراع الوجودي للإنسان في كل زمان ومكان. وقد تُوج هذا المشوار الإبداعي بالعديد من التقديرات، كان أبرزها فوزه بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي، وهي الجائزة التي حملت دلالة رمزية كبيرة بوصفها تسليماً للراية من جيل العمالقة إلى جيل الصويم الذي استطاع الخروج من “جلباب الطيب صالح” ليرتدي سترة الواقعية الخشنة والكابوسية الصادقة.
وعند النظر إلى أعماله المتأخرة وصولاً إلى روايته الصادرة حديثاً “طحلب أزرق” (2024)، مروراً بـ “أشباح فرنساوي” و”آخر السلاطين” و”عربة الأموات”، نجد أن الصويم قد انتقل بمنجزه إلى مناطق أكثر تعقيداً، حيث يمتزج التاريخ بالأسطورة بالواقع المرير، ليخلق تياراً سردياً يتدفق بسلاسة تتجاوز القوالب الكلاسيكية. إنه يكتب بروح الجراح، لا ليؤلم بل ليكشف مكان الداء، مما جعل نصوصه تحظى باهتمام عالمي؛ فتُرجمت له “ذاكرة الشرير” إلى الفرنسية، و”تخوم الرماد” إلى الإنجليزية، فضلاً عن قصصه المترجمة للسويدية والفرنسية، ومشاركته في ملتقى الرواية العالمي بمدينة ليون. هكذا يظل منصور الصويم، في منظور النقد الرصين وقراءات المبدعين، حارساً لذاكرة المهمشين ومهندساً لخرائط السرد السوداني الجديد، الذي لا يخشى مواجهة القبح بالجمال، ولا يتردد في جعل الرواية مرآة صقيلة تعكس وجع البلاد وأحلام أبنائها المنكسرة في آن واحد.

hishamissa.issa50@gmail.com

عن هشام الحلو

شاهد أيضاً

محمد المكي إبراهيم.. “بعضُ زنجيّة.. وبعضُ عربيّة”

بقلم: هشام الحلوحين نتأمل التجربة الشعرية للأستاذ محمد المكي إبراهيم، فنحن لا نقف أمام مجرد …