من أسرار الترجمة الفورية .. بقلم: رمضان أحمد بريمة
19 فبراير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
107 زيارة
breima_ramadan@hotmail.com
الترجمة الفورية من أصعب المهن نظراً للجهد الذهني الجبار الذي يبذله المترجم الفوري. هناك ثلاثة مستويات متزامنة من النشاط الذهني يفصل بينها ربما كسر من الثانية. المستوى الأول الاستماع ، والمستوى الثاني التحليل ، والمستوى الثالث إخراج المحتوى بلغة مختلفة.
بما أن اللغة هي رموز صوتية مشفرة فإن عملية الاستماع عبارة عن فك هذه لشفرات هذه الرموز وفهم الرسالة. عملية فك الشفرات الصوتية تتطلب تركيزاً شديداً وتفكيراً سريعاً لمعرفة السياقات الثقافية والسياسية التي يتحدث فيها المتحدث. التركيز مطلوب أكثر إذا كان الحديث باللغة الإنجليزية لأن أصواتها متشابهة وبالتالي أغلب المعاني تفهم من خلال السياق وليس من المفردات. يجب على المترجم الفوري عند القيام بعملية فك الشفرات الصوتية التفكير في المعاني وليس في المفردات. الفرق بين التفكير في المعاني وبين التفكير في المفردات هو أن الذي يفكر في المفردات لا يمكن أن يؤدي ترجمة فورية بصورة صحيحة ، لأنه سيجد نفسه لاهثاً وراء المتحدث إلى أن يتوه عنه. هذه الحالة تحصل عندما لا يكون المترجم مجيداً للغتين فيستخدم أحداهما لفهم الأخرى. مثلاً يفكر بالعربية أثناء التحدث بالإنجليزية أو العكس. ذلك لأن لكل لغة خارطة ذهنية مختلفة تماماً. وعمليه فك شفرات الرموز الصوتية تتطلب أن يفكر المترجم بكل لغة بمعزل عن الآخرى.
المستوى الثاني وهو مستوى تحليل النص. وتحليل النص يكون على مستويين: المستوى الأول تحليل المحتوى من حيث السياقات لمعرفة المعنى المراد بالضبط من أجل إيجاد مرادفه من حيث المعني في اللفة المستهدفة. والمرادف قد يكون كلمة أو عبارة ، وليس بالضرورة أن يقابل المرادف في المصدر شكلاً وإنما مضموناً فقط. والمستوى الثاني من التحليل هو معرفة الدرجة اللغوية للمتحدث. الدرجة اللغوية التي يستخدمها المتحدث لمخاطبة المثقفين تختلف عن تلك التي يخاطب بها العامة من الناس. وحتى في المثقفين هناك درجة خاصة بالمتخصصين في مجال بعينه. وكذلك اللغة المتخصصة تختلف في درجاتها سواء في مجال الزراعة أو الطب أو الدين أو العلوم وهكذا ، بحيث أنه في إطار اللغة المتخصصة هناك درجات متفاوتة.
المستوى الثالث وهو إخراج المحتوي بلغة مختلفة ، أي بمعنى إعادة التشفير بلغة مختلفة تماماً. مطلوب من المترجم الفوري إعادة تشفير المحتوى وإرساله إلى مستمع آخر له القدرة على فك الشفرة وفهم الرسالة . وبما أن الهدف من محتوى الرسالة هو إحداث أثر معين لدي المتلقي المباشر ، فإن المترجم الفوري مطلوب منه إحداث نفس الأثر في المتلقي غير المباشر. لذلك ترى في المؤتمرات مثلاً يتجاوب المتلقي المباشر أولاً وبعده بثوانِ يتجاوب المتلقي غير المباشر ، من حيث التصفيق مثلاً أو الضحك أو أي أصوات تصدر من الجمهور. عمليه إخراج المحتوى ينبغي أن لا تهتم بشكل لغة المصر وإنما بمحتواها. فمثلاً لو المتحدث تلى شعراً ليس مطلوباً من المترجم الفوري أن يستحضر شعراً في إخراج المحتوى وإنما يسعى لتمثيل المعني في اللغة المستهدفة وهكذا.
هناك بعض الإشكالات الأخلاقية التي تعتري المترجم الفوري أثناء إخراج المحتوى. فمثلاً لو أن المتحدث تلفظ بألفاظ خادشة للحياء في ثقافة اللغة المستدفة ، هل يفعل نفس الشيء؟ وأحياناً تكون المناسبة مفاوضات بين خصوم فيلجأ أحد الخصوم للسب ، فهل مطلوب من المترجم أن يسب أيضاً؟ في هذه الحالة يكفي أن يقول المترجم “المتحدث قال كلاماً خادشاً للحياء” أو “قال كلاماً لا أستطيع أن أقوله.” وهكذا بحيث لا يكون المترجم الفوري سبباً في تأزم الموقف. لأن نفس المتحدثين عندما تنصلح الأمور يلقون باللائمة على المترجم المسكين. أنا شخصياً لي مواقف كثيرة شبيهة ، ولكن تجاوزتها بحرفنة شديدة.
إذن المترجم الفوري مطلوب منه أن يستمع (يفك التشفير) ويحلل المحتوى ثم يخرجه (إعادة التشفير). السر الذي أود أن أختم به أن المترجم الفوري يجب عليه قراءة أفكار المتحدث حتى يتمكن من التنبؤ بما يود المتحدث قوله. هذا التكتيك يمكّن المترجم من إعادة أفكاره بسرعة وهو مستريح لأنه يعرف ما سيقوله المتحدث ، هذا بخلاف ما إذا كان المترجم يجري وراء المتحدث ، لا سيما إذا كان المتحدث من النوع سريع الكلام.