من السودان إلى بقاع أخرى: لماذا لا يتوقف سيناريو التفكك عند جنوبه؟

دكتور محمد عبدالله
في خضم الحرب الأهلية التي مزّقت السودان لعقود، برز اسم الدبلوماسي الأميركي جون دانفورث مبعوثاً لبلاده في بدايات الألفية، في مرحلة لم تعد فيها الحرب بين الشمال والجنوب مجرّد صراع سياسي، بل نظاماً كاملاً لإدارة الحياة والموت، استنزف الدولة والمجتمع معاً، وجعل فكرة التسوية نفسها تبدو كأنها ترف متأخر. جاء دانفورث في هذا السياق لا بوصفه “صانع سلام” تقليدياً يحمل نموذجاً جاهزاً للحل، بل كجزء من مقاربة دولية أوسع انتهت إلى اتفاقية السلام الشامل، التي أوقفت الحرب ومهّدت لاستفتاء تقرير المصير، والذي أفضى لاحقاً إلى قيام دولة جنوب السودان عام 2011.

لكن السؤال الذي لا يُطرح بما يكفي هو: هل كان ما حدث “نجاحاً دبلوماسياً” أم إعادة توزيع للأزمة بصيغة جديدة؟ إن اختزال التجربة في سردية نجاح أو فشل هو نوع من التهرب الفكري من حقيقة أكثر إزعاجاً ؛ أن ما جرى كان اعترافاً ضمنياً بعجز نموذج الدولة السودانية عن الاستمرار، لا انتصاراً لفكرة السلام. فالاتفاق لم ينه البنية العميقة للصراع بقدر ما قام بإدارة نتيجته النهائية ؛ الانفصال.

لم يكن انفصال جنوب السودان لحظة مفاجئة، بل تتويجاً لمسار طويل من التراكمات البنيوية ؛ حرب ممتدة بين مركز يعرّف نفسه بوصفه الدولة، وهامش يُعامل بوصفه مشكلة أمنية؛ فشل مزمن في إنتاج هوية وطنية جامعة؛ اقتصاد سياسي قائم على توزيع غير عادل للسلطة والثروة؛ ثم تدخلات إقليمية ودولية لم تكن محايدة بقدر ما كانت تبحث عن “حل قابل للإدارة” أكثر من بحثها عن عدالة قابلة للحياة. وفي هذا السياق، لم يكن الانفصال نتيجة اتفاق سلام فقط، بل نتيجة اقتناع تدريجي بأن الوحدة نفسها لم تعد قابلة للإصلاح.

وهنا يكمن السؤال الجدلي الحقيقي: هل كان الانفصال حلاً أم استسلاماً مؤسسياً لفشل الدولة؟ إذ إن ما قُدم بوصفه تسوية تاريخية يمكن قراءته أيضاً بوصفه لحظة إعادة ترسيم لحدود العجز، لا حدود السلام. لقد تم إيقاف الحرب، نعم، لكن عبر تفكيك موضوعها لا عبر إعادة تأسيسه.

السؤال التالي أكثر إلحاحاً: هل يمكن أن تتكرر هذه التجربة في أماكن أخرى؟ الإجابة الصريحة: نعم، وبقوة. ليس لأن “الانفصال” خيار طبيعي، بل لأن شروطه أصبحت قابلة للتكرار في دول عديدة تعيش التناقضات نفسها: دول متعددة الهويات، تُدار بمنطق احتكاري للسلطة، وتُخفي أزماتها تحت خطاب وحدوي متصلب لا يعترف بالاختلاف إلا بوصفه تهديداً. وقد رأينا بالفعل في تجارب مختلفة حول العالم أن الانفصال لا يأتي من فراغ، بل من تراكم طويل لفشل الدولة في تحويل التعدد إلى عقد سياسي عادل.

لكن ما يُغفل عادة في النقاش هو أن الانفصال ليس نهاية الصراع، بل تحويل مساره. إنه لا يحل الأزمة بقدر ما يعيد إنتاجها على مستوى آخر: دول أصغر، لكن ليست بالضرورة أكثر استقراراً؛ هويات أكثر نقاءً، لكنها ليست أقل توتراً. لذلك فإن التعامل معه بوصفه “مخرجاً نهائياً” هو أحد أكثر الأوهام السياسية خطورة في القرن الحالى .

وتجنّب تكرار هذا المسار لا يتحقق عبر التمسك الخطابي بوحدة الدول، بل عبر تفكيك الشروط التي تجعل الوحدة نفسها عبئاً وجودياً. فالدولة التي تُدار بمنطق المركز الذي يحتكر تعريف الهوية والسلطة معاً، تنتج بالضرورة نزعات انفصال كامنة. كما أن الرهان على التنمية الاقتصادية وحدها أثبت أنه وهم آخر؛ إذ يمكن للدولة أن تنمو اقتصادياً بينما تتآكل سياسياً من الداخل. فالمسألة ليست فقر الموارد، بل عدالة توزيع السلطة والمعنى.

الأخطر من ذلك كله هو لحظة التحول من “خلاف سياسي” إلى “عداء هوياتي”. ففي تلك اللحظة تحديداً، تتوقف السياسة عن كونها إدارة للتعدد، وتبدأ في التحول إلى صراع وجودي صفري، لا يرى في الآخر شريكاً في الدولة بل خطراً على الوجود نفسه. وعندها يصبح الانفصال أو الحرب مجرد نتيجتين مختلفتين لنفس الانهيار.

تجربة دانفورث، في هذا السياق، لا تُقرأ كقصة دبلوماسية ناجحة أو فاشلة، بل كمرآة لحدود التدخل الدولي حين يواجه دولاً مأزومة بنيوياً. فهي تكشف مفارقة قاسية: قد تنجح الدبلوماسية في إيقاف الحرب، لكنها قد تفشل في إنقاذ الدولة من نفسها.

وهنا يصل النقاش إلى جوهره الحقيقي: هل المشكلة في “غياب الحلول”، أم في طبيعة الدولة التي تجعل بعض الحلول مستحيلة منذ البداية؟ إذا كان الجواب الثاني هو الأقرب للواقع، فإن السؤال لم يعد: كيف نمنع الانفصال؟ بل: لماذا تصبح الوحدة نفسها، في بعض السياقات، شكلاً من أشكال الأزمة المستمرة؟

ما لم يُفتح هذا السؤال بجدية، فإن تجربة جنوب السودان لن تبقى استثناءً تاريخياً، بل نموذجاً قابلاً للتكرار—ليس بالضرورة بنفس الجغرافيا، لكن بالمنطق نفسه: منطق دولة تفشل في استيعاب اختلافاتها، ثم تكتشف متأخرة أن “الحل” الوحيد المتاح هو إعادة رسم حدودها على أنقاضها..

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

حين تُجرى الجراحة على ضوء الهاتف

دكتور محمد عبد الله لم تبدأ الحكاية ببيان رسمي، ولا بخبر عاجل يتناقله الناس في …