باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 16 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

من رأس الدولة إلى رأس الجيش الموحد

اخر تحديث: 15 أغسطس, 2026 11:56 صباحًا
شارك

من رأس الدولة إلى رأس الجيش الموحد: كيف يعاد ضبط موقع عبد الفتاح البرهان داخل سلطة انتقالية مدنية في سودان ما بعد الحرب؟

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يتضح من المقال أن أزمة السودان ليست في شخص البرهان وحده بل في البنية التي جمعت بين الجيش والدولة في يد واحدة، ثم سمحت لهذه الازدواجية أن تتحول إلى انقلاب وحرب وتعطل طويل للانتقال السياسي. ويعرض المقال كيف أن ترتيبات 2019 لم تضع فصلًا حاسمًا بين السلطة المدنية والعسكرية، وكيف أدى ذلك إلى بقاء الجيش في موقع يتيح له التحكم في القرار السيادي والمالي والأمني، ثم استثمار هذا الغموض لاحقًا لتثبيت نفوذه وإعادة ترتيب المؤسسة العسكرية حول البرهان.

كما يبين المقال أن الشراكة بين المدنيين والعسكريين فشلت لأن المدنيين لم يمتلكوا كتلة موحدة أو أدوات دولة كافية، بينما احتفظ الجيش بمفاصل القوة وبقدرة فعلية على تعريف حدود الحكم. ويفسر المقال الانقلاب في 2021، وما تلاه من محاولات تفاوض وتسويات، بوصفه نتيجة مباشرة لهذا الخلل البنيوي، لا مجرد حادثة سياسية منفصلة. وفي الخلفية، يبرز أيضًا أن القطاع الأمني نفسه كان منقسمًا اقتصاديًا وعقائديًا، وأن هذا الانقسام جعل أي إصلاح حقيقي شديد الصعوبة.

ثم ينتقل المقال إلى أن البرهان لم يخرج من مركز الفعل بل أعاد تعزيز موقعه عبر إعادة الهيكلة والتعيينات وضم قوى مسلحة متحالفة تحت قيادته، مع الإشارة إلى أن الحرب منذ 2023 جعلته ليس فقط قائد الجيش بل أيضًا رمز السيادة المسلحة. ويطرح المقال أن أي حل حقيقي يجب أن يبدأ بنزع الصفة السيادية عن قائد الجيش، ونقل الرئاسة السياسية إلى سلطة مدنية، وفصل الموقع السياسي عن الموقع العملياتي، لأن الجمع بين هذه المواقع هو ما يولد الاستبداد العسكري من جديد.

ويشرح المقال أن إجبار البرهان على التخلي عن رأس الدولة يحتاج إلى تفكيك شبكة الشرعية والاحتكار الأمني والاعتراف السياسي التي تحيط به، وليس إلى الضغط الخطابي فقط. وفي المقابل، فإن تمكينه من قيادة جيش موحد لا يمكن أن يتم إلا إذا جرت معالجة رفض قوات الدعم السريع له عبر ترتيبات دمج تدريجي وضمانات ومراقبة وآلية تحقق وتسوية أوسع تتعامل مع النفوذ والموارد والمجال الجغرافي. لذلك لا يعامل المقال “الجيش الموحد” كحل جاهز، بل كمرحلة معقدة تتطلب شروطًا صارمة حتى لا تتحول إلى إعادة إنتاج للهيمنة.

ويفصّل المقال آليات التنفيذ الواقعية في صورة انتقال مدني مؤقت، ولجنة أمنية-سياسية بمرجعية مدنية، وإصلاح قطاع أمني يقوم على جيش واحد وسلسلة قيادة واحدة وميزانية واحدة، مع ربط أي دعم خارجي بالمدنية لا بتثبيت البرهان. كما يربط هذا كله بالكارثة الإنسانية، لأن الحرب أفرزت جوعًا واسعًا ونزوحًا وانهيارًا للخدمات جعلت الدولة نفسها في حالة تفكك، وبالتالي فإن أي إصلاح سياسي لا بد أن يسير مع حماية المدنيين والإغاثة واستعادة الحد الأدنى من وظائف الدولة.

ويخلص المقال إلى أن ميزان القوى المدني-العسكري يظل هشًا ما لم تمتلك القوى المدنية مؤسسات قادرة على التشريع والرقابة والمالية والقضاء، وأن ميزان القوى العسكري-العسكري يعقد المسار أكثر لأن البرهان يواجه منافسًا مسلحًا وشبكات ولاء داخل الجيش. ثم يربط المقال ذلك بالنظريات الحديثة في إصلاح القطاع الأمني التي تؤكد أن النجاح يحتاج إلى عقد سياسي واضح وائتلاف إصلاحي واسع ومؤسسات مضادة قوية. وفي خاتمته، يقرر أن السودان لن يخرج من الحلقة نفسها إلا إذا فُصل الجيش عن الحكم، وأُخرجت السيادة من يد القائد العسكري، وربط أي انتقال سياسي بإنقاذ إنساني ومؤسسي حقيقي.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية

لا يمكن فهم موقع عبد الفتاح البرهان في السودان بوصفه أزمة شخص فقط، لأن الأزمة أعمق من ذلك بكثير، فهي أزمة بنية سياسية-عسكرية سمحت بأن يجتمع في يد واحدة رأس الجيش ورأس الدولة ورأس مجلس السيادة، ثم تحولت هذه الازدواجية إلى أداة تعطيل وانقلاب وحرب (Davies, 2022) [1] (WIPO, 2019) [2]. النص الانتقالي لعام 2019 أنشأ مجلس سيادة مختلطًا من 11 عضوًا، خمسة عسكريين وخمسة مدنيين وعضوًا توافقيًا، لكنه لم يضع حدودًا تنفيذية صارمة تمنع تضخم السلطة العسكرية داخل الانتقال، بل أبقى المجال مفتوحًا أمام التأويل والصدام (WIPO, 2019) [2] (PA-X, 2019) [3]. ومع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، أصبح البرهان قائد الجيش وقائد الحرب ورمز السيادة المسلحة في الوقت نفسه، وهو ما جعل أي حديث عن “إبعاده من الدولة” يقتضي أولًا إعادة تعريف موقع الجيش داخل الدولة نفسها (Reuters, 2026) [4]. وتزداد الإشكالية تعقيدًا لأن التطورات اللاحقة حتى عام 2026 أظهرت أن البرهان لم يخرج من مركز الفعل، بل أعاد ترتيب المؤسسة العسكرية عبر تعيينات وإحالات وضم قوى مسلحة متحالفة تحت قيادته المباشرة، ما يعني أن السؤال لم يعد “كيف نُبعده” فقط، بل أيضًا “كيف نمنع إعادة إنتاجه كنمط حكم” (Reuters, 2025) [5] (Reuters, 2026) [6].

الإطار البنيوي للأزمة

المشكلة المركزية ليست أن البرهان شخصيًا يهيمن على المشهد، بل أن النظام الانتقالي صُمم بصورة تسمح للهيمنة العسكرية أن تتكرر. فالاتفاقات الانتقالية التي تلت سقوط البشير لم تُنشئ فصلًا قاطعًا بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية، ولم تنقل مركز الثقل إلى مؤسسات مدنية تمتلك أدوات ردع دستورية ومالية وقضائية حقيقية (International IDEA, 2022) [1] (PILPG, 2023) [7]. وقد أظهرت أحداث 25 أكتوبر 2021 أن هذا الغموض لم يكن عيبًا تقنيًا بل كان قناة عملية للانقلاب، إذ جرى حل الحكومة واعتقال المدنيين وتجميد المسار الدستوري بطريقة كشفت أن الجيش كان ما يزال يحتفظ بقدرة احتكار القرار السيادي (BBC News, 2021) [8]. كما أن النصوص الدستورية نفسها، رغم صياغتها بلغة الحقوق والمواطنة، لم تنجح في بناء آلية تمنع أن يتحول المجلس السيادي إلى واجهة لصراع مراكز القوة بدل أن يكون وسيلة انتقال من الحكم العسكري إلى الحكم المدني (WIPO, 2019) [2] (Library of Congress, 2019) [9]. وفي هذا السياق، لا يعود البرهان مجرد “قائد جيش”، بل يصبح رأسًا لنمط حكم قائم على تداخل السلطة والسلاح، وهي البنية التي يجب تفكيكها إذا أريد انتقال حقيقي لا إعادة تدوير للهيمنة العسكرية (SWP, 2024) [10].

والأهم أن هذا التداخل لم يكن نظريًا، بل تجسد في قدرة القيادة العسكرية على إعادة تعريف حدود الدولة عمليًا؛ فحتى بعد الحرب، استمرت القيادة العسكرية في توسيع شبكاتها وإعادة هيكلة المناصب القيادية وإخضاع وحدات وفصائل متحالفة تحت فرمان واحد، بما في ذلك ما نقلته رويترز عن قرارات 2025 التي شددت قبضة البرهان على المؤسسة العسكرية، ثم ما ورد في 2026 عن تعيينات جديدة في هيئة الأركان، ما يدل على أن “رأس الجيش” نفسه لم يعد مجرد مؤسسة مهنية بل مركزًا للتجميع السياسي والأمني (Reuters, 2025) [5] (Reuters, 2026) [6]. وفي الوقت نفسه، يبين المشهد الإنساني في 2026 أن الحرب لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل أزمة دولة كاملة؛ فبحسب رويترز، كانت 61.7% من السكان، أي 28.9 مليون شخص، يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، كما أشارت تقارير أممية وسودانية حديثة إلى اتساع الجوع والنزوح على نطاق غير مسبوق، ما يجعل أي إعادة ترتيب للسلطة مشروطة أيضًا بوقف تدهور الدولة والمجتمع معًا (Reuters, 2026) [11] (ReliefWeb, 2026) [12].

لماذا فشلت الشراكة السابقة

فشل الشراكة السابقة يعود إلى تداخل ثلاثة مستويات من الاختلال. أولًا، منح الترتيب الانتقالي الجيش حقًا ضمنيًا في تعريف حدود الحكم المدني، بينما ظلت الصلاحيات المدنية غير محمية بآليات إنفاذ قوية (Davies, 2022) [1]. ثانيًا، لم تنجح القوى المدنية في بناء كتلة موحدة قادرة على التحدث بصوت واحد، وهو ما سمح للعسكريين بالمناورة بين الأجسام السياسية المتنافسة وإدامة الانقسام داخل معسكر الثورة (Reuters, 2022) [13] (Reuters, 2022) [14]. ثالثًا، ظل القطاع الأمني نفسه منقسمًا اقتصاديًا وعقائديًا، مع وجود موارد وشبكات ولاءات ومصالح تجعل أي إصلاح يهدد مراكز نفوذ عميقة داخل الجيش والدعم السريع وحلفائهما (World Peace Foundation, 2024) [15] (FOI, 2024) [16]. ولهذا فإن الشراكة لم تتطور إلى انتقال، بل إلى مساومة على سلطة لم يكن الجيش مستعدًا للتنازل عنها، ثم إلى انقلاب في اللحظة التي أحس فيها بتهديد مباشر لموقعه (BBC News, 2021) [8]. كما أن تجارب 2022 وما بعدها بيّنت أن أي اتفاق لا يحدد بدقة من يملك القرار النهائي في الأمن والمالية والتعيينات العليا يتحول بسرعة إلى سند سياسي للهيمنة العسكرية بدل أن يكون طريقًا للخروج منها (Reuters, 2022) [17] (SWP, 2024) [10].

وفي خلفية هذا الفشل، هناك عنصر اجتماعي-سياسي بالغ الأهمية: الشارع السوداني نفسه لم يكن صامتًا، بل قاوم باستمرار محاولات إعادة تدوير العسكريين. فقد خرجت تظاهرات حاشدة في أكتوبر 2021 ضد احتمال الحكم العسكري، ثم واصلت لجان المقاومة والقوى الاحتجاجية الضغط في 2022، بينما رفضت قوى مدنية تفاوضًا بلا سقف مع الجيش، وقدمت لاحقًا رؤية لحكم مدني كامل، لكن الانقسام الداخلي وصعوبة تحويل الشارع إلى مؤسسة سياسية حالت دون بناء توازن رادع دائم (Reuters, 2021) [18] (Reuters, 2021) [19] (Reuters, 2022) [17].

ما الذي يجب تغييره فعليًا

المطلوب ليس إزاحة البرهان رمزيًا، بل تفكيك الترتيب المؤسسي الذي يمنحه وضعًا سياسيًا فوق عسكري. أولًا، يجب تعديل الإطار الدستوري الانتقالي بحيث لا يكون قائد الجيش جزءًا مقررًا من رأس الدولة أو عضوًا سياديًا يمارس سلطة سياسية مباشرة، بل قائدًا مهنيًا داخل القوات المسلحة فقط (PILPG, 2023) [7] (International IDEA, 2022) [1]. ثانيًا، يجب نقل الرئاسة السياسية إلى سلطة مدنية انتقالية أو مجلس سيادي مدني-غالب، بحيث تصبح المؤسسة العسكرية تابعة للقرار المدني لا شريكة في تعريفه (WIPO, 2019) [2]. ثالثًا، ينبغي نزع الصلاحيات التي تتيح للقيادة العسكرية التحكم في الدفاع والداخلية والتعيينات العليا وشبكات التمويل، لأن هذه الأدوات هي التي تجعل قائد الجيش قادرًا على التحول إلى رأس دولة فعلي حتى لو لم يُعلن ذلك صراحة (FOI, 2024) [16] (Reuters, 2025) [5].

وتقتضي هذه العملية أيضًا فصل الموقع السياسي عن الموقع العملياتي، لأن أحد أخطاء المرحلة السودانية أن البرهان بقي يحتفظ بوصف “القيادة الأعلى” بينما توسعت أدواره إلى ما يتجاوز القيادة المهنية. وعندما ذكرت رويترز في أبريل 2026 أن تعيين ياسر العطا جاء بصفته رئيسًا للأركان تحت مظلة البرهان بوصفه القائد الأعلى، فإن ذلك لم يكن مجرد خبر إداري، بل مؤشر على أن مركز القرار العسكري ما يزال مرتبطًا بشخص البرهان، لا بمؤسسة مجردة يمكن إخضاعها بسهولة للمدنية (Reuters, 2026) [6] (The National, 2026) [20]. ومع ذلك فإن واقع 2026 يكشف أيضًا أن أي إعادة ضبط لن تكون تقنية فقط؛ فالحرب وحصار المدن والانهيار الغذائي وانتشار النزوح جعلت موازين القوة مرتبطة بالبقاء الإنساني نفسه، وهو ما يعني أن إصلاح السلطة يجب أن يتقدم متزامنًا مع تخفيف الكارثة الإنسانية، لا بعد استقرارها نظريًا (Reuters, 2026) [21] (ReliefWeb, 2026) [12].

كيفية إجبار البرهان على التخلي عن رأس الدولة

إجبار البرهان على التخلي عن رأس الدولة لا يبدأ من الشعار، بل من تفكيك شبكة الشرعية التي تسمح له بالبقاء. أول هذه الشبكات هو الغطاء الدستوري الذي ورثه من ترتيبات 2019، ثم أعاد استخدامه بعد انقلاب 2021، وهو ما يجعل أي حل فعالًا مشروطًا بنص انتقالي جديد أو تعديل جذري يزيل أي صفة سيادية عن قائد الجيش (WIPO, 2019) [2] (Reuters, 2022) [22]. ثانيها هو كسر احتكار القرار الأمني، لأن الرجل لا يبقى في رأس الدولة فقط بصفته الفردية، بل لأنه يملك السيطرة على مفاصل القوة، وعلى رأسها هيئة الأركان، والاتصالات الداخلية، والسلاح، والمنافذ، والقرار الميداني في العاصمة والولايات (Reuters, 2025) [5]. وثالثها هو توحيد الكتلة المدنية حول حد أدنى سياسي يربط أي اعتراف دولي أو إقليمي بانتقال السلطة فعليًا إلى سلطة مدنية، وهو ما حاولت قوى مدنية طرحه في أكتوبر 2022 حين قدمت رؤية لحكم مدني كامل تمهيدًا للانتخابات (Reuters, 2022) [17].

عمليًا، لا يتحقق ذلك عبر مواجهة سياسية مجردة، بل عبر مزيج من الضغط الداخلي والخارجي: احتجاج مدني منظم، رفض واسع من القوى السياسية واللجان المقاومة لأي شرعية بديلة، اشتراطات إقليمية ودولية واضحة على التمويل والمساعدات، وربط أي مفاوضات بانتقال حقيقي لا بمشاركة شكلية للمؤسسة العسكرية. وتجربة ما بعد 2021 تُظهر أن تراجع الجيش المؤقت عن بعض المسارات السياسية لم يكن تنازلًا جوهريًا، بل تكتيكًا لحماية مركزه، وهو ما قرأته القوى المدنية نفسها على أنه “انسحاب لفظي” من دون مغادرة حقيقية للسلطة (Reuters, 2022) [23]. كما أن التجربة السودانية الحديثة تبين أن الرهان على مخرج تفاوضي معسكراتِّي لا يكفي، لأن القوى المسلحة تميل إلى استخدام الحوار لكسب الوقت وإعادة التموضع؛ لذلك يجب أن يقترن الضغط السياسي بمؤسسات مدنية موازية قادرة على تولي الخدمات والرقابة والتمثيل حتى لا يبقى الفراغ مغريًا لعودة الحكم العسكري (Reuters, 2022) [24]. لذا فإن إجباره على التخلي عن رأس الدولة يحتاج إلى نزع الاعتراف السياسي عنه لا إقناعه أخلاقيًا فقط، وإلى بناء سلطة مدنية بديلة تملأ الفراغ فورًا حتى لا يتحول الفراغ إلى عودة عسكرية جديدة.

كيفية تمكين البرهان من رأس الجيش الموحد في ظل موقف قوات الدعم السريع منه

تمكين البرهان من قيادة الجيش الموحد لا يمكن أن يُبنى على رغبة القيادة العسكرية وحدها، لأن قوات الدعم السريع ترى فيه خصمًا مباشرًا وقائدًا يهدد بقاءها المستقل. الحرب نفسها اندلعت، بحسب رويترز، بعد خلاف الجيش والدعم السريع حول دمج قواتهما والانتقال إلى ديمقراطية بقيادة مدنية، ما يعني أن مطلب “الجيش الموحد” يصطدم أصلًا بمشكلة بناء الثقة بين طرفين مسلحين خاضا حربًا وجودية منذ أبريل 2023 (Reuters, 2026) [25]. ومن هنا فإن تمكين البرهان من رأس الجيش الموحد يتطلب أولًا إزالة الدافع الذي يجعل الدعم السريع يرفضه: الخشية من أن يصبح الدمج مجرد وسيلة لابتلاعها أو تفكيكها دون ضمانات. لذلك لا بد من ترتيب واضح يربط الدمج أو التسريح أو إعادة الهيكلة بضمانات دولية وإقليمية وبتسلسل زمني واقعي، مع آلية تحقق ومراقبة مستقلة، ومعايير صريحة لوقف النار وحماية الممرات الإنسانية وإعادة الانتشار (Reuters, 2026) [25].

كما أن تعيين ياسر العطا رئيسًا للأركان في 2026 أظهر أن البرهان يسعى إلى تقوية القيادة العسكرية المحيطة به عبر اختيار ولاءات مضمونة، لكن هذا وحده لا يكفي لإنشاء جيش موحد إذا بقيت الحرب قائمة وبقي الدعم السريع يملك الأرض والسلاح والقدرة على التعطيل (Reuters, 2026) [6] (The National, 2026) [20]. المطلوب إذن هو تحويل “الجيش الموحد” من مشروع شخصي إلى عملية مؤسسية: توحيد سلسلة القيادة، إعادة تعريف العقيدة العسكرية، دمج الوحدات على أساس مهني، ورفع أي بعد سياسي عن القيادة العليا، بحيث يصبح البرهان قائدًا مهنيًا للجيش لا زعيمًا سياسيًا له. ولن ينجح ذلك ما لم تكن هناك تسوية أوسع مع الدعم السريع تعالج جذور الصراع حول النفوذ والموارد والمجال الجغرافي، لا فقط مظهره العسكري. كما أن هذه العملية لن تنجح في فراغ إنساني؛ فالمناطق الأكثر تضررًا من النزاع، مثل الفاشر ومدينة كادوقلي ومناطق في دارفور وكردفان، تواجه مستويات حادة من الجوع والنزوح، ما يعني أن أي دمج عسكري يجب أن يمر عبر حماية المدنيين أولًا لأن التجويع صار جزءًا من معادلة الحرب نفسها (Reuters, 2026) [11] (Reuters, 2026) [21].

الآليات الواقعية والقابلة للتنفيذ لتحقيق إبعاد البرهان من رأس الدولة وتمكينه في رأس الجيش الموحد

الآلية الواقعية تبدأ بترتيب مرحلي مزدوج: إزاحة البرهان من رأس الدولة عبر نص دستوري انتقالي جديد، وفي الوقت نفسه إبقاؤه داخل مؤسسة الجيش إلى حين اكتمال إعادة الهيكلة. هذا لا يعني مكافأته سياسيًا، بل استخدام موقعه الحالي لتفكيك الازدواجية بدل تكريسها. الخطوة الأولى هي إعلان سلطة مدنية انتقالية ذات تفويض واضح من قوى الثورة والمدنيين، مع مجلس سيادي مدني الغلبة أو رمزي، وحرمان القائد العام من أي دور سيادي أو تنفيذي خارج المؤسسة العسكرية (International IDEA, 2022) [1] (Library of Congress, 2019) [9]. الخطوة الثانية هي تأسيس لجنة أمنية-سياسية مشتركة، لكن بمرجعية مدنية، تتولى خطة دمج القوات وإصلاح القطاع الأمني، وتضع جدولًا زمنيًا محددًا لوقف تعدد الجيوش، وتسليم الموارد المالية للدولة، وإخضاع الشركات العسكرية للرقابة العامة (FOI, 2024) [16] (World Peace Foundation, 2024) [15].

الخطوة الثالثة هي ربط أي قبول إقليمي أو دولي بإلغاء أي صفة سياسية عن قيادة الجيش، بحيث يكون الدعم الخارجي مرهونًا بالمدنية، لا بتثبيت البرهان في رأس الدولة. الخطوة الرابعة هي بناء تفاهمات انتقالية مع الفاعلين المسلحين الآخرين، بمن فيهم الدعم السريع، تقوم على الأمن الإنساني أولًا ثم الترتيب السياسي ثانيًا، لأن الاستمرار في الحرب يخلق شروطًا تمنع أي جيش موحد وتعيد إنتاج الميليشيات بوصفها بديلًا وظيفيًا عن الدولة. وقد أظهرت تقارير 2026 أن الخلاف على المدن والانسحاب الكامل من المناطق المحتلة منذ مايو 2023 هو أحد أكبر العقبات أمام أي تسوية، ما يعني أن خريطة الطريق يجب أن تبدأ باستعادة المدن المحاصرة وتأمين المدنيين قبل الحديث عن المنصب والقيادة (Reuters, 2026) [25] [26].

وفي المستوى الأعمق، يجب أن يُفهم التمكين العسكري للبرهان بوصفه مشروطًا بنزع الطابع السياسي عن الجيش نفسه. فحين يبقى الجيش لاعبًا سياسيًا، يصبح أي قائد له رئيس دولة بالقوة حتى لو لم يحمل اللقب. أما إذا أُعيد ضبطه كجيش دولة واحد، بقيادة مهنية واحدة، وقواعد رقابة مدنية واضحة، فإن البرهان يمكن أن يُحصر في موقعه الطبيعي كقائد عسكري انتقالي لا كحاكم فعلي. وهذا يتطلب من القوى المدنية أن تمتلك شجاعة سياسية لتفكيك الازدواج لا للتعايش معه، وأن ترفض أي “تسوية كبرى” تعيد إنتاج الحكم المختلط تحت مسمى الواقعية أو الاستقرار. كما أن أي تمكين عملي للبرهان في الجيش يجب أن يمر عبر تسويات إقليمية تُخفف مخاطر الشبهات والضغوط الخارجية، بما فيها التوترات المرتبطة بعمليات التسليح والاتهامات العابرة للحدود؛ فقد أحالت الإمارات في 2026 ضباطًا وشركات مرتبطة بتموين الجيش السوداني إلى القضاء، وهو مثال على أن ملف الجيش ليس داخليًا فقط بل محاط أيضًا بشبكات تمويل وإسناد إقليمية معقدة (Reuters, 2026) [27].

أدوات التنفيذ الواقعية

التنفيذ الواقعي يحتاج إلى مسار متدرج يجمع بين الشرعية الدستورية والضغط السياسي والإصلاح الأمني. البداية تكون بتوحيد القوى المدنية حول وثيقة انتقالية مختصرة وواضحة، ثم صياغة ترتيبات تُخرج رأس الدولة من المؤسسة العسكرية وتُبقي الجيش في وظيفة الدفاع الوطني الخاضعة للمساءلة المدنية (Reuters, 2022) [13] (SWP, 2024) [10]. بعد ذلك يجب إنشاء مسار إلزامي لإصلاح القطاع الأمني يقوم على “جيش واحد، قيادة واحدة، ميزانية واحدة، وسلسلة أوامر واحدة”، وهو مبدأ تؤكد عليه أدبيات الإصلاح الأمني باعتباره شرطًا لمنع انقسام القوة المسلحة إلى مراكز سيادية متعددة (World Peace Foundation, 2024) [15]. كما يجب دمج أو حل التشكيلات المسلحة الموازية تدريجيًا تحت رقابة وطنية ودعم إقليمي ودولي منسق، لأن أي بقاء لسلاح مستقل خارج الدولة سيبقي الصراع مفتوحًا ويجعل الانتقال أسيرًا لمن يملك القوة الميدانية لا لمن يملك الشرعية (Reuters, 2025) [5] (Reuters, 2026) [25].

ولأن الأزمة السودانية ليست أزمة عسكرية فقط بل أزمة حكم واقتصاد أيضًا، فإن التنفيذ يجب أن يشمل إخراج الموارد من دائرة التمكين العسكري. فكلما بقيت شبكات التمويل والمشتريات والتجارة والموارد الخارجية في يد السلطة العسكرية، بقيت القدرة على المقاومة السياسية قائمة حتى لو جرى تعديل النصوص. ولهذا شددت تقارير 2024 على أن إصلاح القطاع الأمني في السودان يحتاج إلى ائتلاف مؤيد للإصلاح داخل المجتمع المدني والأحزاب وبعض النخب الأمنية نفسها، وأن المقاربة التقنية وحدها غير كافية من دون كتلة سياسية تضغط من أجل التغيير وتراقبه (World Peace Foundation, 2024) [15]. كما أن التنفيذ الواقعي لا ينفصل عن الوضع الإنساني القاتم: فبحسب تقارير 2026 هناك 24.6 مليون شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع نحو 12 مليون نازح تقريبًا، ونسب تمويل لخطة الاستجابة الإنسانية لا تتجاوز 25%، ما يجعل أي مقاربة تقنية من دون حماية المدنيين وتمويل الإغاثة غير قابلة للاستدامة (ReliefWeb, 2026) [12] (Reuters, 2026) [11].

في ميزان القوى المدني – العسكري

في الميزان المدني-العسكري، لا يكفي أن يطالب المدنيون بإبعاد البرهان عن رأس الدولة؛ المطلوب أن يملكوا مؤسسات قادرة على استلام الدولة نفسها: تشريع، رقابة، مالية، وقضاء. فالوثيقة الدستورية لعام 2019، على الرغم من تضمينها مبادئ للحريات والحقوق، لم تصنع نظام كوابح قادرًا على مواجهة الجيش عندما يقرر الانفصال عن المسار الانتقالي (Davies, 2022) [1] (WIPO, 2019) [2]. كما أن الشراكات المدنية المنقسمة تُضعف أي قدرة تفاوضية، وتمنح القائد العسكري فرصة تعريف “الاستقرار” على مقاسه، خصوصًا عندما يكون هو نفسه صاحب السيطرة على القوة المسلحة القائمة في العاصمة وعلى خطوط الإمداد والتمويل (Reuters, 2022) [17] (Reuters, 2025) [28]. لذلك فإن إبعاد البرهان من موقع رأس الدولة يقتضي أولًا تأسيس سلطة مدنية مضادة تمسك بالمفاصل الدستورية قبل أن تطلب من الجيش الانسحاب من السياسة، لا بعده (SWP, 2024) [10].

ويجب أيضًا إدراك أن التوازن المدني-العسكري في السودان لم يعد ثابتًا؛ فكل تقدم ميداني يحققه الجيش في الخرطوم أو وسط البلاد يترجم سياسيًا إلى تعاظم قدرة البرهان على التفاوض من موقع أعلى، بينما كل تعثر عسكري يدفعه إلى مزيد من المركزية والانضباط القسري داخل المؤسسة المسلحة. وهذا يفسر لماذا طغت في 2025 و2026 أخبار إعادة ترتيب القيادة العسكرية والسيطرة على الفصائل المتحالفة، لأن البرهان يربط شرعيته السياسية بقدرته على تقديم نفسه بوصفه موحد السلاح والمدافع الوحيد عن الدولة (Reuters, 2025) [5] (Reuters, 2026) [4]. وفي الوقت نفسه، فإن القوة المدنية لا يمكن أن تظل مجرد احتجاج شارع؛ إذ أظهرت تجربة اللجان المقاومة والقوى المدنية في 2021 و2022 أنها قادرة على عرقلة الحكم العسكري سياسيًا، لكنها تحتاج إلى أدوات تنظيم وخدمات ومؤسسات حتى لا يبقى الانقسام المدني ثغرة دائمة يستغلها العسكريون (Reuters, 2021) [18] (Reuters, 2022) [19].

في ميزان القوى العسكري – العسكري

الصراع العسكري-العسكري يجعل المسألة أكثر تعقيدًا، لأن البرهان لا يواجه فراغًا بل يواجه منافسًا مسلحًا هو قوات الدعم السريع، إضافة إلى شبكات ولاء داخل الجيش نفسه. وفي 2025 و2026، أظهرت التقارير أن البرهان استخدم إعادة الهيكلة والترقيات والقرارات التنظيمية لتعزيز قبضته على المؤسسة العسكرية وتوسيع مجال السيطرة على الوحدات والحلفاء المسلحين، بما في ذلك إخضاع جماعات متحالفة ومنح مواقع جديدة لقيادات موالية (Reuters, 2025) [5] (Reuters, 2026) [6] (The National, 2026) [20]. هذا يعني أن أي حل مدني يجب أن يرفض منطق توحيد الجيش عبر توسيع السياسة العسكرية، لأن توحيد السلاح تحت قيادة واحدة إذا ظل هذا السلاح فوق الدولة سيصبح مجرد إعادة إنتاج للهيمنة لا إصلاحًا لها (Reuters, 2026) [25]. وفي الوقت نفسه، فإن أي تسوية مع الدعم السريع يجب أن تُدرج ضمن إعادة هندسة أمنية وطنية شاملة، لا في إطار تقاسم نفوذ بين جيشين، لأن ذلك سيحوّل السودان إلى دولة تعيش على توازنات السلاح بدل القانون (World Peace Foundation, 2024) [15].

وتكمن الخطورة الإضافية في أن أي توسع في السيطرة العسكرية على المدن والبنية التحتية الاستراتيجية يمنح البرهان أداة تفاوضية إضافية ويؤخر المسار المدني. لذلك فإن ما أعلنته رويترز في يوليو 2026 بشأن اشتراط الجيش السوداني انسحاب الدعم السريع الكامل من المدن التي احتلها منذ مايو 2023 يوضح أن القيادة العسكرية لا تتعامل مع إنهاء الحرب بوصفه مسارًا إنسانيًا فقط، بل بوصفه أيضًا شرطًا لإعادة ترتيب السيادة على الأرض قبل أي تسوية سياسية (Reuters, 2026) [25]. وفي جانب آخر، يبين تفاقم الجوع والنزوح أن العسكريين لا يحددون وحدهم مسار الحرب، بل يحددون أيضًا حدود الدولة القابلة للحياة؛ ففي 2026 تحدثت تقارير أممية وإغاثية عن 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من الجوع الحاد، وأكثر من 100 ألف ما يزالون في ظروف شبيهة بالمجاعة، مع ضغوط على خطوط الإمداد والتمويل الإنساني (Reuters, 2026) [29] (Reuters, 2026) [21].

النظريات والممارسات الحديثة

تشير الأدبيات الحديثة في إصلاح القطاع الأمني والتحول الديمقراطي إلى أن النجاح لا يتحقق عبر النصوص وحدها، بل عبر ائتلاف إصلاحي واسع يضم قوى مدنية ومؤسسات مهنية وجزءًا من النخب داخل الأجهزة نفسها (World Peace Foundation, 2024) [15]. كما أن بناء مؤسسات مدنية مضادة—مجلس تشريعي، محكمة دستورية، وزارة مالية قوية، ورقابة برلمانية—هو ما يحول دون عودة الجيش إلى قلب الدولة عند أول أزمة (International IDEA, 2022) [1]. وفي الحالة السودانية، تُظهر الدراسات أن الاقتصاد العسكري والازدواج الأمني والانقسام السياسي المدني هي الحلقات الثلاث التي إن لم تُعالج كلها معًا فسيعود الحكم العسكري بصيغة جديدة أو بوجوه جديدة (FOI, 2024) [16] (SWP, 2024) [10]. ومن ثم، فإن عنوان “رأس الجيش الموحد” لا ينبغي أن يُفهم كتزكية لوحدة السلاح خارج السياسة، بل كاختبار لقدرة الدولة على توحيد القيادة العسكرية تحت القانون، لا تحت شخص قائدها (Reuters, 2025) [5].

كما أن المقاربات المقارنة من مناطق مختلفة، بما فيها أفريقيًا وعربيًا وأوروبيًا، تؤكد أن الإصلاح الأمني الناجح لا يبدأ من “إعادة هيكلة الجيش” كإجراء إداري، بل من وجود عقد سياسي واضح يحدد وظيفة الجيش، ويفصل بين الأمن القومي والسياسة اليومية، ويمنع أي قائد من تحويل الانتصارات الميدانية إلى تفويض سياسي دائم. وهذا بالضبط ما فشل السودان في إنجازه منذ 2019، ولذلك انهارت الشراكة وتحول الانتقال إلى حرب شاملة (SWP, 2024) [10] (World Peace Foundation, 2024) [15]. وفي 2026 لم يعد هذا الدرس نظريًا؛ فالبلاد تواجه أكبر أزمة نزوح في العالم، مع أكثر من 12 مليون نازح وتقديرات تشير إلى 9.5 مليون نازح داخلي وأكثر من 3 ملايين لجؤوا إلى دول الجوار، وهو ما يربط أي إصلاح سياسي مباشرًا بإعادة بناء الخدمات الأساسية والأمن الغذائي والحماية المجتمعية (ReliefWeb, 2026) [12] (UN News, 2026) [30].

الدروس العملية القابلة للتنفيذ

أولًا، لا انتقال ناجحًا من دون تعريف صارم وواضح لصلاحيات القائد العسكري وإخراجه من موقع السيادة والتمثيل السياسي معًا (WIPO, 2019) [2]. ثانيًا، التدرج أفضل من القطيعة الفوضوية؛ فالمطلوب أن تبدأ العملية بتقليص سلطات الرأس العسكري ثم نقل مركز الثقل إلى سلطة مدنية انتقالية ذات أدوات تنفيذ حقيقية (PILPG, 2023) [7]. ثالثًا، تفكيك الاقتصاد العسكري ليس موضوعًا ثانويًا، لأن من يسيطر على التمويل يملك قدرة أوسع على مقاومة الخضوع المدني (FOI, 2024) [16]. رابعًا، المدنيون يجب أن يتجاوزوا انقساماتهم التنظيمية والأيديولوجية، لأن كل انقسام جديد سيُستخدم مرة أخرى لتسويغ بقاء قائد الجيش في موقع الدولة بحجة منع الفوضى وحماية الاستقرار (Reuters, 2022) [14] (Reuters, 2022) [17].

ويستفاد أيضًا من التجربة السودانية أن الإصلاح من داخل النظام العسكري وحده لا يكفي، لأن القيادات التي استفادت من بقاء الترتيب المختلط هي نفسها التي تملك القدرة على تعطيله من الداخل. لذلك ينبغي أن ترتبط أي عملية إصلاح بآليات مراقبة خارجية وداخلية، وبمؤشرات تنفيذ مرحلية واضحة تشمل: إعادة توزيع الصلاحيات، ضبط الميزانية العسكرية، تفكيك القوى الموازية، وإخضاع القرارات السيادية لرقابة تشريعية وقضائية (World Peace Foundation, 2024) [15] (SWP, 2024) [10]. كما يجب ربط هذا كله بحزمة إنقاذ مدني-إنساني تحمي الإمدادات الغذائية والصحية والتعليمية، لأن تقارير 2026 تظهر أن 14 مليون شخص ما زالوا نازحين، وأن الخدمات الصحية منهارة، وأن الوصول الإنساني مقيد في مناطق واسعة، ما يعني أن أي تنفيذ سياسي يظل هشًا إن لم يلامس احتياجات البقاء اليومية (UN News, 2026) [30] (Reuters, 2026) [21].

خاتمة نقدية

الخلاصة النقدية أن إخراج البرهان من موقع رأس الدولة داخل السودان ليس مسألة شخصية ولا إجراءً إداريًا، بل إعادة تأسيس لنظام السلطة نفسه. البرهان اليوم قائد الجيش بالفعل، وأي حل لا يضعه بوضوح تحت سلطة مدنية ويمنعه من الجمع بين السلاح والسيادة سيعيد إنتاج المشكلة نفسها، سواء استمرت الحرب أم انتهت (Reuters, 2026) [4] (Reuters, 2026) [25]. ولذلك فإن “رأس الجيش الموحد” يجب أن يكون عنوانًا لمرحلة يُفصل فيها الجيش عن الحكم، لا لمرحلة يُمنح فيها الجيش وحدة إضافية داخل الدولة؛ فالمطلوب هو دولة تحكم الجيش، لا جيش يحكم الدولة (SWP, 2024) [10] (International IDEA, 2022) [1]. وإذا لم يُترجم هذا المبدأ إلى نصوص نافذة ومؤسسات قابلة للإنفاذ، فإن السودان سيبقى يدور في الحلقة نفسها: قائد عسكري يرفع شعار الدولة بينما يحتكر أدواتها، وشراكة مدنية شكلية تعجز عن تغيير الواقع، وانتقال يُعاد تعريفه في كل مرة وفق ميزان القوة الميداني لا وفق الدستور (Reuters, 2025) [5] (Reuters, 2026) [6]. وفي 2026 صار الثمن الإنساني لهذا التعثر أوضح من أي وقت مضى، إذ باتت المجاعة والنزوح وتعطل الإغاثة جزءًا من معادلة الحكم نفسها، الأمر الذي يجعل أي مقاربة سياسية جادة مطالبة بأن تضع السلامة الإنسانية والإغاثة والانتقال المؤسسي في مسار واحد لا في مسارات منفصلة (Reuters, 2026) [11] (Reuters, 2026) [21] (UN News, 2026) [30].

المراجع

  1. BBC News. Sudan coup: Military dissolves civilian government and arrests leaders. London: BBC News; 2021. تم الوصول في 2026-08-13.
  2. BBC News. Sudan army unveil new deal to return civilian rule. London: BBC News; 2022. تم الوصول في 2026-08-13.
  3. Davies B. Sudan’s 2019 Constitutional Declaration: Its Impact on the Transition. Stockholm: International IDEA; 2022. تم الوصول في 2026-08-13.
  4. FOI. Civil war in Sudan: A struggle for political power and economic control. Stockholm: Swedish Defence Research Agency; 2024. تم الوصول في 2026-08-13.
  5. International IDEA. Sudan’s 2019 Constitutional Declaration: Its Impact on the Transition. Stockholm: International IDEA; 2022. تم الوصول في 2026-08-13.
  6. Library of Congress. Sudan: Interim Constitutional Declaration Signed. Washington, DC: Library of Congress; 2019. تم الوصول في 2026-08-13.
  7. PILPG. Relationship between Sovereign Authority & Military Command. Washington, DC: Public International Law & Policy Group; 2023. تم الوصول في 2026-08-13.
  8. PA-X. Final Constitutional Charter for the 2019 Transitional Period. Edinburgh: Peace Agreements Database; 2019. تم الوصول في 2026-08-13.
  9. Reuters. Sudan’s civilian coalition presents vision for military exit from politics. London: Reuters; 2022. تم الوصول في 2026-08-13.
  10. Reuters. Sudan transition needs reset after civilian leader’s exit puts military back in driving seat. London: Reuters; 2022. تم الوصول في 2026-08-13.
  11. Reuters. Sudan army chief visits Khartoum headquarters, vows to defeat RSF. London: Reuters; 2025. تم الوصول في 2026-08-13.
  12. Reuters. Sudan army surrounds Khartoum airport and nearby areas, two military sources tell Reuters. London: Reuters; 2025. تم الوصول في 2026-08-13.
  13. Reuters. Sudan’s Burhan shakes up army, tightens control. London: Reuters; 2025. تم الوصول في 2026-08-13.
  14. Reuters. Sudan army chief appoints former UN official Idris as prime minister. London: Reuters; 2025. تم الوصول في 2026-08-13.
  15. Reuters. Sudan appoints Yassir al-Atta armed forces Chief of Staff. London: Reuters; 2026. تم الوصول في 2026-08-13.
  16. Reuters. Sudan army says US peace plan must call for full RSF withdrawal from cities. London: Reuters; 2026. تم الوصول في 2026-08-13.
  17. Reuters. US issues sanctions on Sudanese army chief Burhan. London: Reuters; 2025. تم الوصول في 2026-08-13.
  18. Reuters. Explainer: Why is Sudan at war, and what is the impact? London: Reuters; 2026. تم الوصول في 2026-08-13.
  19. Reuters. Mass protests held in Sudan against prospect of military rule. London: Reuters; 2021. تم الوصول في 2026-08-13.
  20. Reuters. Sudan’s civilian coalition rejects negotiations with military. London: Reuters; 2021. تم الوصول في 2026-08-13.
  21. Reuters. Sudan’s opposition guarded on army pledge to leave talks to civilians. London: Reuters; 2022. تم الوصول في 2026-08-13.
  22. SWP. Power Relations in Sudan after the Fall of Bashir. Berlin: Stiftung Wissenschaft und Politik; 2024. تم الوصول في 2026-08-13.
  23. SWP. Sudan’s Transition to War and the Limits of the UN’s Good Offices. Berlin: Stiftung Wissenschaft und Politik; 2024. تم الوصول في 2026-08-13.
  24. The National News. Sudan’s Islamists tighten grip on army with appointment of a new chief of staff. Abu Dhabi: The National; 2026. تم الوصول في 2026-08-13.
  25. UN News. Sudan: 14 million displaced; hunger and attacks on health system continue. New York: United Nations News; 2026. تم الوصول في 2026-08-13.
  26. ReliefWeb. Sudan Crisis Situation Analysis: Period: 27/04/26 – 03/05/26. Geneva: DFS/ReliefWeb; 2026. تم الوصول في 2026-08-13.
  27. Reuters. Millions of people in Sudan surviving on one meal a day as food crisis deepens, NGOs say. London: Reuters; 2026. تم الوصول في 2026-08-13.
  28. Reuters. Sudan risks deeper hunger crisis due to war, aid cuts and disruption, says WFP. London: Reuters; 2026. تم الوصول في 2026-08-13.
  29. Reuters. Almost 20 million people in Sudan still face acute hunger, monitors say. London: Reuters; 2026. تم الوصول في 2026-08-13.
  30. السودان. الإعلان الدستوري الانتقالي للفترة الانتقالية. الخرطوم: السودان؛ 2019. تم الوصول في 2026-08-13.
  31. سودارس. أرشيف الوثائق والتقارير السودانية. الخرطوم: سودارس؛ 2019-2026. تم الوصول في 2026-08-13.
  32. سودانايل. أرشيف الأخبار والتحليلات السياسية السودانية. الخرطوم: سودانايل؛ 2019-2026. تم الوصول في 2026-08-13.
  33. الراكوبة. أرشيف الأخبار والتحليلات السياسية السودانية. الخرطوم: الراكوبة؛ 2019-2026. تم الوصول في 2026-08-13.
  34. سودانيز أونلاين. أرشيف النقاشات والمواد السودانية. الخرطوم: سودانيز أونلاين؛ 2019-2026. تم الوصول في 2026-08-13.
Author

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
حتمية التغيير .. بقلم: عميد معاش د.سيد عبد القادر قنات
منشورات غير مصنفة
صلاح إدريس والبامية .. بقلم: حسن فاروق
منشورات غير مصنفة
يــلاّ أرحــل !! .. بقلم: خضر عطا المنان
منشورات غير مصنفة
الصحافة الورقية بين البقاء والزوال !! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله
منشورات غير مصنفة
سوزان رايس والمصفوفة والفياجرا: عجباُ نرى أن تستأسد العنز!! .. بقلم: أبوبكر يوسف إبراهيم

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

قافلة المعرفة والرحمة البريطانية.. والنجاحات في ولاية الجزيرة

إمام محمد إمام
منبر الرأي

خاشوقجي يعرف عن الأسرة المالكة أكثر مما يجب! .. بقلم: عثمان محمد حسن

طارق الجزولي
منبر الرأي

غازي: سبعة صنايع والبخت مايع .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل

مصطفى عبد العزيز البطل
منبر الرأي

صرخة شاب ومحنة ابليس مع حكومة الإنقاذ .. بقلم: أوهاج م. صالح

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss