ميزانيات صيانة وتسيير المدارس .. بقلم: عبد الله محمد أحمد الصادق

 

العون الذاتي:
في مارس 1974 كنا مجموعة مختارة من سكان الحارة 14 بمدينة الثورة علي موعد مع مهدى مصطفي الهادى محافظ مديرية الخرطوم في المنزل الحكومي المخصص له بالملازمين علي شاطيء النيل، وكان الموضوع مساهمة الحكومة معنا في بناء المدارس، فقد كان العون الذاتي شعارا مايويا للتنصل من المسئولية، وعرضنا عليه الانجازات التي حققناها بالتبرعات والسواعد الفتية والتسول لدى البنوك والشركات ورجال الأعمال، وكنا نلتقي في تلك الدروب بأبناء الحارات الجديدة الأخرى، وأغضبني مهدى مصطفي عندما قال لنا عليكم الاعتماد علي أنفسكم، فقلت له اذا كان الناس مطالبون ببناء المدارس ومد خطوط الكهرباء والماء فما هو مبرر وجود الدولة في حياتهم ولسنا متسويلين فقد سددنا تكاليف الخدمات الضرورية وقدرها 19 جنيه ضمن ايصال قيمة الأرض فأين أموالنا؟ وخرجنا صفر اليدين وعاتبني بعض الزملاء واتهمني بعضهم بالشيوعية والطابور الخامس، وهم آفة العمل العام يحلقون فوق أبراج السلطة ويتزاحمون أمام أبوابها ويتمرغون في ترابها وبضاعتهم الرياء والملق والنفاق، وتعلمنا من التاريخ ان السلطة تزداد استبدادا كلما ازداد الناس رضوخا واستسلاما، وفي عهد الادارة البريطانية وحتي استيلاء الكيزان علي السلطة كان الناس في القرى النائية يفاجأون بعمال وزارة الأشغال أو عمال هيئة توفير المياه لبنا مدرسة أو شفخانة أو نقطة شرطة أو حفير أو بئر ارتوازية فقد كان توطين الخدمات يبني علي احصاءات علمية كالاحصاء الصحي والأمني والتعليمي.
خصخصة الخدمات الضرورية:
نقلت خارج العاصمة في سنة 1974 وعدت منقولا اليها في سنة 1978 والي البيت الذى بناه الجاك بسلفية من الحكومة، وبدأت باعادة تسجيل أولادى بمدارس الحارة، واتضح اكتمال مدرسة الأولاد ومدرسة البنات بما تيسر سور من الجالوص وسقوف من السنك وشبابيك نصف كم ومقاعد حديدية خشنة بدون أدراج، وبعد عشرين عاما كنت حاضرا في اجتماع دعا اليه مجلس الأباء لجمع التبرعات لصياتة المدارس، وقد انهار السور وتصدعت الأرضيات داخل الفصول ولا تزال ساحات المدارس صحراء جردا لا حياة فيها، واختفت أشجار السيال والهجليج بفعل الجفاف أو دورة الحياة والموت وهي أشجار البئة التي كانت موجودة في مكان المدرسة، فليس للتلاميذ ملاذا من حر سقوفات الزنك في الصيف،، وتتميّز الثورات والصحافات بالوعي، لكن الطبقة الوسطي التي كانت تقود الجماهير وتصنع الأحداث عصف بها النشاط الطفيلي، وتعلمنا من التاريخ ان السلطة تزداد تسلطا كلما ازداد الناس رضوخا واستسلاما، وللطبقة الطفيلية قصور بين أكواخ الطين تغسلها الأمطار ولا تموصها لكن أثرياء الغفلة برسلون أطفالهم الي المدارس الاستمارية، فقد أصبح المجتمع السوداني مجتمعا طبقيا وأصبح التعليم صفويا بعد أن كان حقا ديموقراطيا، وحاولت اللجنة الشعبية تجميل واجهة المدرسة باللون الأخضر فكان الوش ميزندا والباقي كولا، ويتجلي مشروع الكيزان لخصخصة الخدمات الضرورية في التوسع في المدارس والمستشفيات الاستثمارية واهمل المدارس والمستشفيات الحكومية.
ميزانيات التسيير والصيانة:
في نادى الحارة الذى بناه الشباب بالتبرعات والسواعد الفتية فوجئت بمجلس الآباء يجمع التبرعات لسداد فواير كهرباء وماء المدارس، وحتي استيلاء الكيزان علي السلطة والتمكين والولاء قبل الكفاءة كانت المدارس وحدات ادارية ومالية تظهر في ميزانيات المجالس المحلية فصل أول وظائف وفصل ثاني خدمات وفصل ثالث أدوات مكتبية وأثاثات مكتبية ومدرسية والصيانة الدورية وتحال طلبات الأدوات المكتبية والأثاثات المدرسية الي الادارة المالية بادارة التعليم بالمحلية للتوريد والخصم علي ميزانية المدرسة، وكان في كل مدرسة كاتب ومحاسب ومكنة رونيو وآلة كاتبة، وكانت الأثاثات المدرسية تصنع بورش مصلحة المخازن والمهمات ومع ازدهار الصناعات المعدنية والخشبية بالمناطق الصناعية استوردت حكومة الكيزان الأثاثات المدرسية الفاخرة من مليزيا لاجلاس تلاميذ المدارس الاستثمارية، وكانت وزارة الأشغال تختص بانشاء وصيانة مباني الحكومة المركزية والادارات الهندسية بالمجالس المحلية تختص بانشاء وصيانة المدارس ، وتقوم الادارة الهندسية بزيارات ميدانية لتقدير تكاليف صيانة المدارس وادراجها في الميزانية المقترحة فلم يكن قانون الاجراءات المالية يبيح تحويل أى ايرادات الي مصروفات فقد كانت الميزانية العامة وعاء المال العام وقانونه وخطة عمل لمدة سنة مالية.
شركات الكيزان:
كانت الادارات الهندسية تختص بانشاء وصيانة الطرق وتعمل ليلا في اصلاح ما يفسده عمال الكهرباء والتلفونات نهارا وترسل الفواتير الي ادارة الكهرباء وادارة التلفونات والمتلف الشيء غارمه، وعصفت الخصخصة بوزارة الأشغال والادارات الهندسية بالمحليات وبيعت آلياتها مع تسريح المئات من عمال الطرق والمباني وكانت شركات الكيزان جاهزة لشراء الآليات وحتكار قطاع المقاولات أذكر منها شركة نافع علي نافع للطرق والكبارى.
الاثات المكتبية:
كان قانون الاجراءات المالية يحرم شراء الاثاثات المكتبية من خارج مصلحة المخازن والمهمات والتابعة لوزارة المالية وشراء العربات الحكومية من خارج النقل الميكانيي، لكن حيران الترابي الذين جاءوا من قيعان المجتمع السوداني مولعون بالفخامة والبذخ الادارى باسم هيبة السلطة فأصبحت الأثاثات المكتبية الفاخرة المستوردة من أرقي مصانع الأثاثات تشترى من شركة السفير دايمينشن، وكان حيران الترابي الذين جاءوا من بيوت الطين والوبر وضلال الصخر والشجر يركبون الحمير ويشربون من الترع والحفير ويأكلون الكسرة بالتمليكة والقراصة بملاح الويكة فاحتلوا بيوت الحكومة بشارع الجامعة وشارع البلدية وتزوجوا العاصميات الفاتنات وامتلكوا عقارات اليهود والطليان والشوام في وسط الخرطوم، فقد ولدت الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاة الشاة في البنيان في أسواق الخراطيم وشوارعها العامرة وكانت قيامتهم ديسمبر 2019 .

abdullohmohamed@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً