مَحَمَّدٌ الحَوَّاتِيْ – أبْ لِحَايّة، قصصٌ مِنْ التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ التَاسِعَةُ والأرْبَعُوُنْ .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد
15 أبريل, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
44 زيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان مَحَمَّد ابنًا بارَّاً بأبيه، وبطلاً بين أقرانه، وكان يعمل (حوَّاتيًّا)، يصيدُ السمك، من البحُور الأربعة التي تُحيط بديارِهِم، وكان عند مَحَمَّدٍ كلبٌ، وقطٌ، وفأر، يتبعونه أينما ذهب، في حلِه وتِرحاله، ويقتاتون على بقايا طعامه من عظام، ولحوم الأَسْمَاك…
وكانُوا، هو ووالده، يصطادون كلَّ يومٍ من بحرٍ، ليدعوا مَجالاً لتكاثرِ الأَسْمَاك في بقية البحور.
وفِي يومٍ من الأَيَّام، اصطاد والدُ مَحَمَّد سمكةً كبيرةً، وطلب من (مَحَمَّد الحَوَّاتِيْ) أن يقوم بإيصال تلك السَّمَكَة لوالدته في البيت، حتى تطبخها، وتجهزها للغداء، ولكن، في الطريق إلى البيت، قالت السَّمَكَةُ لمَحَمَّدٍ:
– لو أفلتني، يا مَحَمَّد، لأردَّن لك الجميل مُضاعفاً، وأغنيك من رزقِ الدُّنيا.
فأفلتها مَحَمَّدٌ، من فورِهِ، وألقى بها في البحر.
وفي اليَوْم التَّالِي، اصطاد الأبُ من البحر الثاني، سمكةً أُخرى، كانت كبيرةً جداً، ولكن مَحَمَّداً أفلتها هي الأخرى، بعد أن قالت لَهُ نفس كلام سمكةِ الأمس، وفي اليَوْم الثالث، تكرَّر نفس الموقف.
ولكن، في اليَوْم الرابع، اصطاد والدُ مَحَمَّدٍ (ديك بحر)، وأمر مَحَمَّداً أن يذهب بالدِّيِكْ إلى السوق، ويبيعه هناك، ويشتري من ثُمَّنِهِ خُبزاً، وزيتاً، وبهاراتٍ، وسُكَّرًا، وشايًا، وخضراواتٍ.
وانطلق مَحَمَّدٌ بالدِّيِكْ، من البحر إلى السوق.
وكان بالمدينة خواجة، ولما كان شكلُ الدِّيِكْ غريباً، فقد أعجب به الخَوَاجَة، فقال لمحمدٍ:
– سأدفعُ لكَ، ثَمَنَاً لهذا الدِّيِكْ، مائةَ دينارٍ ذهبي!
ويبدُو أن الخَوَاجَة كان قد لمح سرَّا هاماً في هذا الدِّيِكْ الغريب.
ثُمَّ نَادَى الخَوَاجَة على مَحَمَّدٍ مرَّةً أُخرى، وطلبَ منه ان يذهب إلى مطبخ المطعم الكائن في طرف السوق، وقال له:
– أُطلُب من الطبَّاخ أن ينتف ريش الدِّيِكْ، وينظفه، ويطبخه، ولكن، دون أن يفتح بطنه.
وهُنا، سَاوَرت مَحَمَّداً الشُّكُوكُ عن أهمية الدِّيِكْ البحري، التي لفت نظره إليها اهتمام الخَوَاجَة.
وكان هُناكَ ديكٌ آخرٌ، عادي، معرُوضٌ في السوق، فاشتراه مَحَمَّدٌ، وحمل الدِّيِكْين إلى الطباخ، ديكَهُ، وديك الخَوَاجَة البحري.
ولمَّا وَصَل إلى المطعم، قالَ للطباخ:
– اذبح هذين الدِّيِكْين، واطبخهُما!
وبدَّل الدِّيِكْين، فعاد للخَوَاجَة بالدِّيِكْ العَادِيْ، وحملَ معه الدِّيِكْ الغريب للمنزل، وفي البيت، وببمجرَّد أن فتح بطن الدِّيِكْ الغريب، سَقَطَ خَاتْم المُنَى على الأَرْضْ، ورفع مَحَمَّدٌ خَاتْم المُنَى من على الأَرْضْ، وجعل يقلب فيه بين يديه، ولكن، وما أن مسحه، بغية تنظيفه، حتى ظهر المَارِدْ الذي يخدم الخَاتِمْ، ومثلَ أمام محمدٍ، وقال له:
– شُبِّيْك، لُبِّيْك، عبدك، وبين يديك، فماذا تطلب؟
فطلبَ مَحَمَّدٌ من المَارِدْ، وعلى الفور، تزويجه من بِنْت السُّلْطَان، وإزالة الكَرُوْرْ، والبشانتيق، والمعاليق، والريكة ، وكل ما هو قديم في البيت، واستبداله بأثاثٍ جديدٍ، مع أَبسطةٍ من السُّندسِ، والحَرِير.
فاستجابَ الجنيُّ لطلبِ مَحَمَّد، وحوَّل الدار إلى قصرٍ فخمٍ، وأثثه أثاثاً أنيقاً، فاخراً، بالضبط كما طلب مَحَمَّدْ الحَوَّاتِيْ، وأحضرَ لهُ بِنْت السُّلْطَان، عَرُوساً بكامل زينتها، محفَّلة، ومرَّيحة.
وصارت منارةُ قصر مَحَمَّد الحَوَّاتِيْ باديةٌ للعيان، من بعيد، في البحر الرابع، ولما رآها الخَوَاجَة، تسآءل بينه وبين نفسه، أوَّلاً، عن صاحبِ القصر، ثُمَّ توجه بالسؤال للناس من حوله:
– ترى من يكون صاحب هذا القصر الجديد؟
سأل، وكانت تجيشُ بداخله الخواطر، عن سر بطن الدِّيِكْ.
وبدأ الخَوَاجَة البحث، يحمل طرَّاقاً من الحبال، مليئاً بالبخور، والعطور، والحُلي، والعديدِ من المستلزمات النسائية.
وكانت زوجةُ مَحَمَّدٍ قد طلبت منه الخَاتِمْ، فرفض رفضاً باتَّاً، ولكنها سحبت الخَاتِمْ من يده، اصطاد نومه، ووضعته على أصبعها، دونَ أن يراهُ مَحَمَّدٌ عندها.
وعندما وصل (الخَوَاجَة) إلى القصر، خرجت له زوجةُ مَحَمَّد الحَوَّاتِيْ، وهي تلبسُ الخَاتِمْ في يدها، فلمحه على الفور، وأغراها بالشراءِ من بضائعه.
فقالت له:
– أنا لا أملكُ أَثْمَانَ كلِّ هذه البضائع!
فقال لها:
– يكفيني هذا الخَاتِمْ ثمناً لكل ما تختارين.
فاعتذرت له بأن الخَاتِمْ ليس لها، وإنَّمَا هو لزوجها، وهي لا تملك حق التصرف فيه، فما كان منه إلا أن ضاعف لها حجم البضائع (عشرة مرت!)، وعند هذا الحد قبلت، لجهلها بأن الخَاتِمْ الذي في يدها إنَّمَا هو خَاتْم المُنَى، وهكذا فقد فاز (الخَوَاجَة) بالخَاتِمْ، الكنز!
ومسح الخَوَاجَة، من فوره، على الخَاتِمْ، فجاءه المَارِدْ، وقال له:
– شُبِّيْك، لُبِّيْك، يا خواجة!… عبدك، وبين يديك، فماذا تطلب؟
فرَدَّ عليه الخَوَاجَة:
– تذهب بمَحَمَّد الحَوَّاتِيْ إلى سابع بئر، وتجنزرهُ بسابع جنزير، وتحمل هذه العرُوس الجميلة، والقصر المهيب، وتنزل بهما في رابع بحور، عند داري، وفي أرضي.
ونفذ الجان طلبات الخَوَاجَة في التو واللحظة.
وبكى مَحَمَّد وتألَّم، ولكن، بدأت حيواناتُه تساعده، وحفر القطُّ نفق، وقرض الفار الجنازير، إلى أن استطاعوا تحريره، ومكَّنُوه من الهرب، ولكنه رجع لحالته الأولى: فقيرًا، وسط البشانتيق، والسعن، والخرق، والريكة.
فقالت له حيواناته، وهي تشفق عليه من حالة الحزن، والقهر الشديد، التي اعترته:
– لابد لنا من اقتحام قصر الخَوَاجَة!
وحفر الفارُ النفق المؤدي إلى القصر، ودخلوا، فوجدوا الخَوَاجَة يغُطُّ في نومٍ عميقٍ، وهو ممسكٌ بالخَاتِمْ في فمه، فأدخل الفأر ذيله في أنف الخَوَاجَة، الذي عطس، فطار الخَاتِمْ من فمه، وكان الكلبُ بالمرصادِ للخاتم، فخطفه، وأمسك به بأسنانه، وهربت الحيواناتُ، بعد أن نجحت في تنفيذ مُهمتها، وتحصَّلت على خَاتِمْ المنى الأُسطوري!
وقفزوا في البحر، وهناك اختلفوا، وطلبَ الكديسُ أن يربط الخَاتِمْ بشاربه، فرفض الكلبُ، وطلب الفأر ان يربطه في ذيله، ولكن الكلب رفض طلب الفأر أيضًا، وقالا له أنه سَيهَوْهِوْ عندما تهوهو الكلاب، فيسقط منه الخَاتِمْ، ويضيع، ولكنه أصر على الرفض، ولكن، فعلاً، هَوْهَوت الكلابُ، فهَوْهَوْ الكلبُ معها، وسقط الخَاتِمُ في قاعِ البحرِ.
واصطاد عبورهم البحر، وهم يفكرون في كيفيّة استرداد الخَاتِمْ الضائع الثُمَّين، ظهرت السَّمَكَة الأولى التي كان قد أفلتها مَحَمَّدٌ.
وغطست السَّمَكَة، وعادت بالخَاتِمْ، ووضعته في فم الكلب، مرَّةً أُخرى، وأوصتهم بأن يقولُوا لمَحَمَّدٍ:
– هذه هي هديتي له، وردي لجميله الذي طوَّق به عُنقي!
وتكرَّر الأمر في بقية البحور، كان الكلبُ ينسى الحذر، ويهَوْهِوْ، فتعود لهم السمكاتُ الثلاثة التي أفلتها مَحَمَّد في السابق، بالخَاتِمْ.
إلى أن وصلت الحيوانات الثلاثة مكان إقامة مَحَمَّد الحَوَّاتِيْ، وأعطوه الخَاتِمْ، فشكرهم مَحَمَّدٌ، وبالغ في إكرامهم، وقال لهم:
– أنتُم أعزَّ عليَّ من بعضِ البشر!
ثُمَّ مسحَ على خَاتِمْ المُنَى، وجاءه المَارِدُ، وقال له:
– شُبِّيْك، لُبِّيْك، يا (محمد الحَوَّاتِيْ)… عبدك، وبين يديك، فماذا تطلب؟
فأمره محمد بإحضار الخَوَاجَة، ووضعه داخل سابع بئر، وتقييده بسابع جنزير! وأن يعيد له قصرَهُ، وَزَوْجَته الجَّمِيلة!